كتابة وحوار: أسعد الجبوري
تاريخ ومكان الميلاد: 1 يونيو 1940، أثينا، اليونان
تاريخ ومكان الوفاة: 3 أكتوبر 1993، أثينا، اليونان
في اللحظات التي كنا فيها على الطريق إليها، التقطنا الكثير من الأصوات الإيقاعية، وكأن كرنفالًا للطبول والدفوف والآلات النحاسية يُقام وراء الحاجز الأمامي من الكوكب الذي وصلنا إليه ((البرو))، وهو من الكواكب القطنية التي تفرز سائلاً كحولياً عادةً ما تتغذى عليه جيوش النمل.
وبعد أن وضعنا أوزارنا مع حيوان ((التافوس)) المجنح، الذي كنا على ظهره مع رزمٍ من القصاصات الزرقاء التي دَوّنت عليها الشاعرة اليونانية كاترينا غوغو قصائدها، سرعان ما ينتقل المشهد إلى مرحلة الإرهاب السوريالي، وذلك عندما وجدنا أنفسنا مع الشاعرة كاترينا داخل زجاجة عملاقة من الجيلاتين البنفسجي المُعطر برائحة المار جوانا، وهي تتأرجح من ثقب ضيق في رقبة السماء.
لم تصدمنا المفاجأة، فقد قيل لنا أنها طقوس الشاعرة اليونانية التي تصاحب مرآتها المُحدّبة بعد أن رفضت الكتابة إلا على الزجاج.
لم تمضِ ساعة بتوقيت الكوكب القطني حتى سنحت لنا فرصة فتح باب الحوار مع الشاعرة والممثلة السينمائية كاترينا، فسألناها:
س: إلى أين أخذتك قدماكِ لأول مرة على الأرض؟
ج: لم تجد قدماي صعوبةً بالذهاب مشيًا إلى المسرح.
س: كنت طفلة مَشغوفةً بالتمثيل منذ الطفولة، أليس كذلك يا كاترينا؟
ج: نعم. كنت في السادسة يوم بدأ المسرح يتكوّن في داخلي ويستولي على نصف حياتي وثلاثة أرباع جسدي. ربما لأنني تشبّعت الفن بالرضاعة.
س: حدث ذلك في منتصف الأربعينات. أكان ذلك التاريخ صحيحًا؟
ج: نعم. قفزت طفولتي إلى خشبة المسرح في عام 1946 آنذاك.
س: قيل إن الحلم بالسينما بدأ يزاحم حياتك المسرحية. ما مدى صحة ذلك يا كاترينا؟
ج: ذلك صحيح. ثمة مخرجون عباقرة قاموا بنقلي إلى السينما، فكان أول فيلم لي ((الآخر)) عام 1952 للمخرج أليكوس ساكيلاريو. بعد تكرّر مسبحة الأفلام: “المجنونة بالله”، أو “الشابة الجامحة”، “خرجت الحطب من الجنة” (1959)، “القانون 4000” (1962)، “ملكة جمال المدير” (1964)، “الزفاف باليونانية” (1964)، “يجب أن تخاف المرأة من رجل” (1965)، “عائلة مجنونة مجنونة” (1965)، والتي شكلّت شهرتها مجموعات أفلام Finos.
س: ما الذي فعلته بك السياسة بعد تحرر اليونان من الاستعمار؟
ج: سرقني الزواج لأرتبط بالمخرج ((بافلوس تاسيو)) بعد التخلص من السينما التجارية.
س: بسبب الانتماء السياسي لليسار؟
ج: بالضبط. فكان عام 1977 عام إشراقة السينما اليونانية الحديثة بفيلم ((Vary Peponi)).
س: وكيف تقصُّ علينا كاترينا قصتها مع الشعر؟
ج: كان الشعر يعمل بالسرّ في جسدي، ويكاد يكون ظلاً لي في المسرح وفي السينما وفي حركة المجتمع الثوري. أنا كنت قصيدة متشرّدة خارج نفسي دون علم مني.
س: هل تعتبرين كتابك “ثلاث نقرات على اليسار” هو الخطوة الواضحة التي قامت بتجنيدك للشعر بشكل عام؟
ج: أستطيع الاعتراف بأن شعري نبضٌ لمخاوف البشر، وهو الحنفية التي لم تتوقف عن استنزاف الأحلام الصعبة.
س: هل يوفر الشعر قوة لحركة الناس؟
ج: بالتأكيد نعم. وبالتأكيد، الشعر ترياقٌ مَبذولٌ خارج الصيدليات بالمجان، ولكنه قد يضعف في بعض الأحيان ويطلب مساعدة الخيال لإخراجه من الآبار العميقة للغة، حين تفرض ذلك الكتابات الخطيرة لمواجهة طغيان السلطة وجبروت الديكتاتوريات الدموية.
س: كيف كانت الأحلام تتشكل برأس كاترينا؟
ج: كانت أحلامي من فحم الكوك.
س: سوداء وقابلة للاشتعال، تقصدين؟
ج: بالضبط. ولا أمل بإنجاز شيء منها كما كنت أشعر بذلك في حياتي المشتعلة بالتفاصيل.
س: تفاصيل الكحول والمخدرات!
ج: لا يمكن الاعتماد على الآمال ولا على الأحلام إلا بتأمين السلّة الغذائية للعقل وللروح، وكانت المخدرات والكحول معينًا لطرد كلّ ما كان مؤلمًا ومنظّمًا للقسوة في تلك الحياة.
س: وهل وجدت في الانتحار ما يُسعفكِ من أذى أهل الأرض؟
ج: كان الأذى النفسي برأسي مُروِعًا قبل الغيبوبة، حتى أن صديقتي التي رافقتني في سيارة الإسعاف لمستشفى أبقراط في أثينا، سرعان ما تركت جثتي ملقاة على النقالة وهربت، مما أخّر التعرف على جثتي يومين بعد ذلك.
س: أنت عشت في قيعان المدن مع المتشردين والمدمنين والبغايا وأصحاب السوابق من المجرمين، هل كنتِ تشعرين بأن شعرك بحاجة إلى كلّ ذلك؟
ج: بالضبط. لو خلت قصائدي من كل أولئك، لكانت تافهة بحق.
س: هل لأن التعايش مع جماعات القاع يسند قوى اليسار بالتعاطف مع البروليتاريا؟
ج: كنت أحس بأن المنتمي شعريًا لمجموعات المطاردين والمنبوذين في الوجود، إنما يضخ في القصائد الأسمدة اللغوية المفيدة.
س: مثلما كانت المخدرات تضخ أسمدة العدم في جسمك؟
ج: أنا تناولت ذلك المزيج القاتل من المخدرات والكحول، لأذهب بمفردي للموت بمنزلي بعد 53 عامًا من الحياة المتشابكة البائسة على تراب الأرض. كان ذلك العمر يكفي.
س: ألا تعتقدين بأنك أورثت ابنتك (ميرتو تاسيو) الموت انتحارًا لتشبه أمها، حين ودعت الحياة بجرعة متطرفة من الهيروين؟
ج: أظن إن الجينات العائلية، ربما هي وحدها من ساهمت بفرض النزعة التدميرية عليّ وعلى ابنتي ميترو في المضمار نفسه.
س: كيف تعتقدين أن للشعر جينات تميل إلى التدمير الذاتي لبنية الشاعر أو الشاعرة؟
ج: كنت أعتقد أن التدمير جزء من البنية الشعرية، وهو من خصوصيات الشعراء بالتأكيد. تدمير اللحم في الجسد الإنساني الشعري يقابله في اللغة تدمير حواسّ السرد والتكرار والكسل وكتابة اللا معنى عموماً.
س: هل للغة لحم يا كاترينا؟
ج: هي كانت عندي لحماً وعظماً بالدم الشعري الحارّ.
س: والحب؟!
ج: الحب تجربة متكررة للفشل حتى تصبح الكوابيس مظلات للأجساد المتناوبة على الحفلات الخاطفة للجنس التائه ما بين أفخاذ الرمال.
س: أين كانت عواطفك تسكن يا كاترينا؟
ج: في الشوارع المزدحمة بالناس ممن ليس لهم من المنازل غير قصائد النساء ورائحة التفاح والكلاب السائبة والنهود التي غادرت الحمالات، لتنشغل برضاعة المشغوفين.
س: قال عنك جورج كروناس: “التقيتها لأول مرة في عام 1993 في إكسارتشيا… أتذكر أنها شربت كثيرًا، لكنني سرعان ما أقدر الشخص والحجم المختبئ وراء الكحول. لقد كتب بحماسة وفضفاضة بينما كان يتكلم. كان حديثها نبويًا وفي الوقت المناسب جدًا، حيث أصبحت قصته الرمزية آنذاك واقعية اليوم. كانت تقول: “الفصول ستغطيني”. فما كان المقصود بأن الفصول ستغطيك يا كاترينا؟”
ج: لقد كنت أعني بأن غيابي سيكون مغطى بفصول الطبيعة الأربعة شعراً وخمراً وتشردًا وغيبوبة.
س: كنت ترتدين قبعة سوداء عليها نجمة حمراء وتنطلقين في الشوارع متضامنة مع الشيوعي اليساري والإنسان المعدم والعاري للتظاهر وإعلان العصيان والتمرد وارتكاب أعمال الشغب ومواجهة الشرطة؟
ج: نعم. كنا في بوتقة الثورة نتفاعل من أجل تفادي الكوارث الناجمة عن الأزمة الاقتصادية التي وضعت أثينا بعد الحرب في هاوية الإفلاس.
س: هل تؤمنين بالشياطين؟
ج: بالطبع نعم. ليس هذا وحسب، بل عاشرت العديد من الشياطين في الغابات والشوارع الخلفية ومنازل الكحول المنارة بأشعة الهيروين المُدمرة.
س: لكن ذلك لم يكن واضحًا في قصائدك؟!!
ج: كانت السياسة لقصائدي المؤدلجة، إما لجسدي، فكان التفاعل الإيروتيكي الذي يجمع قطع غياري في نقطة نار لا تحلم بالانطفاء.
س: ما هي النار التي لا تنطفئ برأي كاترينا؟
ج: نار القهر. فما من كائن مقهور ومشتعل بالأحطاب، إلا ويحلم بإحراق القاهر صاحب محطة الوقود التي ترشّ الآخرين بالبنزين.
س: هل تعتقدين بوجود علاقة ما بين الشعر والمرأة؟
ج: وجود المرأة بالأصل هو وجودي شعري. ومن تلك النقطة ينتفي شرح تلك العلاقة التي وردت في السؤال.
س: كأنك تؤكدين بأن الشعر جنس أنثوي. أليس هذا ما تحاولين تكريسه؟
ج: نعم. ولولا رحم تلك الأنثى، لكانت نهاية الشعر في عيادات العقم وعلاج موانع الحمل.
س: ماذا تحملين في داخلك يا كاترينا؟
ج: فانوس دينوس.
س: كيف كانت إقامتك تحت التراب؟
ج: لا علم لي بذلك. فبعد أن امتدت بي الغيبوبة ومسحت ما كان عالقًا بدماغي، لم أجد أروع شأناً من النسيان التام. ذلك شيء رائع.
س: كم من الساعات تشتغلين في الجنة؟
ج: دوام كامل في تنجيد الكراسي والأرائك لمختلف الشعراء والآلهة ورموز الأساطير والحانات التي يديرها فلاحو الأرواح.
س: كم مرة تبكين في اليوم يا كاترينا؟
ج: أنا متأكدة من طهارة دموعي الشبيهة بحبات البطاطس.
(نصوص المصَحَّات الباردة)
شاعرات القيامة وأحزان المجوهَرات











