حكاية الأقمار وحروفها الأربعة

عبد الرحيم طايع

عبد الرحيم طايع

إلى دينا الخولي

لم يبق من ظلال الإنسانية

بشر إلا سيدة نبيلة واحدة

أبوها المشهور من طنطا

وأمها البارة تنتمي إلى الشام*

لم أكن قبلها أعرف أن زواج

نهر النيل بدجلة ينتج كل هذا

الشذى الحصري الذي غمر العالم

بالحياة، لم أكن أعرف أن “صاحب

القرن” حين التقم قرنه استعداد

لإنهاء الوضع الدنيوي الكئيب،

بقي منتظرا إعلان الوجود

عن فناء السرور بأكمله، أي

فنائها هي تحديدا، ألا فليكن

ميلادها سرمديا؛ لأن عزة

جانبها زياحة للهوان، وليلغ

الرب إذن القيامة لأجل خلود

اللطف وخيارات الأمل!

دينا، أفتقدك على الدوام

يا صديقتي الغالية، ما أخبار

ليلى وأبيها؟

هل أنتم جميعا بخير؟

في أقرب نزول لي بالقاهرة

سأحرص على المرور ببيتكم

العامر، وشرب الشاي

بالنعناع مع الأسرة…

واسمحي لي، سأحمل 

هدية تحاكي صعيدي البعيد

للبيت المعطاء، وغالبا سأغني

في ساحتكم غنوات فلكلورية لم

أغنها في سوح أولاد

عمومتي اللوامين…

ما زالت تقول لي: لو بيدي

أن أجعل لقاءنا أقرب من

المسافة التي بين الشمال

والجنوب لجعلته، نحن بخير،

والرجاء أنك كذلك، الشاي

بالنعناع لا طعم له بدون الذين

يحبوننا ونحبهم، لا تتأخر،

واعمل حسابك أننا سنسهر،

ونحكي، ونتناول العشاء مع

أصدقاء ثبتوا بخيالنا، من ضمنهم

سلامة موسى، وعلي عبد الرازق،

وطه حسين، وسيمون دي بوفوار،

ونجيب محفوظ، وسميح القاسم،

ونصر حامد أبو زيد، ونور

الشريف، أمثال هؤلاء نقبل أن يكونوا

ضيوف ليلتنا الثقافية (هكذا أتصورها

تتكلم، ولا أملك سوى امتنان داخلي

عميق لظروف تواصلنا؛ كأن كليتي

متقهقرة الكفاءة تحسنت فعليا به)!

سألني عن “دينا الخولي” مجذوب

صوفي متزن نوعا ما، لقيني أردد

اسمها في مقام ولي من الأولياء،

داعيا لها بالتوفيق، قال: من تكون

مقصودتك المحظوظة؟

قلت: لم تثبت عندي كرامة

لك؛ إذ لم تستنتجها تلقائيا، 

إنها شاطئ مبحرين، ولو اختل

إيقاعها غرقوا، ولو استوى

خرجوا من المحيط، وأسماك

القرش قطط وديعة في أكنافهم!

لا أجامل البتة حين أصف

أقمارا ساطعة بالإنارة، إنارتها

بديهية، لكن طغمة المضطربين

سيعتبرونني مجاملا محضا؛

فهم يحسدون مثل هذه الأقمار

على “دالها ويائها ونونها

وألفها اللينة”!

لعلي أموت قبل أن أحصي تمرات

النخلة العربية السامقة ذات الاسم

عبراني الجذور بالصدفة (أعني

المرأة المرتفعة الخصيبة التي

عليها العين من الأول)، ولعلي

أعيش ولا أستطيع الإحصاء، ولا

بأس بالأمر في الحالين؛ فقد تعودت

السيدة نسيان منحها للآخرين أصلا،

وأنا أحفظ صنائعها الطيبة الفخمة

كحفظي للمعلقات الشعرية، وأكثر،

وربما بدوت مشدوه الروح؛ لأنني

قابلت صدقها خلال فجر كاذب،

ندر أن يجد فيه حالم تحققه…

……………………….

* الإشارة إلى الكاتب والمفكر الكبير الراحل لطفي الخولي، والد دينا، وإلى والدتها الصحفية المرموقة الفقيدة ليليان الخولي (هكذا تسمت باسم زوجها، شغفا به ووفاء له، يرحمهما الله).

شاعر وكاتب مصري أصدر اثني عشر كتابا، تنوعت بين الشعري والنثري، منها: ـ اخترت القطار للسفر ـ وجه كبير مخيف…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع