أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
من السهل إصدار حكم سريع على تجربة “حرف” الالكترونية باعتبارها صحيفة ثقافية تؤيد الدولة. تخوض معارك واضحة ضد الإسلام السياسي، وتستدعي باستمرار مفردات القوة الناعمة والهوية الوطنية والدولة الحديثة. غير أن هذا الحكم، رغم أنه يلتقط جانبا حقيقيا من التجربة، يختزلها اختزالا مُخلا. ويرجع ذلك على أنه لا يفسر لماذا استطاعت “حرف” في الوقت نفسه أن تبني أرشيفا ثقافيا واسعا، وأن تنشر بكثافة في الرواية والشعر والموسيقى والسينما والذاكرة الثقافية، وأن تنتقد مسئولين ومؤسسات رسمية وجوائز واتحادات ثقافية، بل وأن تسمح أحيانا بنشر ردود على كتابها أنفسهم. لذلك لا تكمن المشكلة في أن يكون لـ”حرف” موقف، ولا حتى في أن يكون هذا الموقف قريبا من الدولة. وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول الموقف من رؤية قابلة للنقاش إلى إطار يحدد مسبقا ما المشكلة، ومن هو الخصم، وما الحدود الفاصلة بين العقلانية والتطرف، وبين الوطنية والاشتباه فيها.
وهذا التوتر موجود في المشروع منذ بدايته. فقد ارتبط إطلاق “حرف” بالدعوة إلى استعادة الكتابة الثقافية الطويلة، والانفتاح على الإبداع والتجريب، والابتعاد عن الحروب الكلامية والصراعات الشخصية. وفي الوقت نفسه ارتبط باستعادة القوة الناعمة المصرية، والدولة والجمهورية الجديدة، ومقاومة التطرف، والانحياز إلى “التقدم والاستنارة والتنوع الثقافي الخلاق”. أي أن المشروع بدأ حاملا وعدا بالانفتاح، لكنه بدأ أيضا حاملا تصورا واضحا نسبيا للدولة والحداثة والمشروع الوطني.
والإنصاف يقتضي القول إن الجسم الأساسي لـ”حرف” ثقافي بالفعل. ففي عينة ضمت 108 مادة من “أهل الرأي”، دارت أكثر من 60% من المواد حول الأدب والفنون والسينما والموسيقى والكتب والذاكرة الثقافية، وظهر فيها 49 اسما مختلفا. وهذا ينفي الاختزال الذي يرى أن الثقافة مجرد ستار لخطاب سياسي. فثمة اهتمام حقيقي بتاريخ الأغنية والثقافة الشعبية والسينما، وتنقيب في الأرشيف الأدبي، واستعادة لأسماء ونصوص وتجارب غابت جزئيا عن الذاكرة. كما أن المواد الأحدث تكشف اتساعا في الخريطة الجغرافية والاجتماعية، مع حضور أكبر للمحافظات، وتجارب الجنوب، والمشهد الثقافي المحلي، وقضايا المرأة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لكن المفارقة تظهر عندما ننتقل من أطراف الجريدة إلى مركزها. فكلما ابتعدنا عن المساحات التي تحدد التوجه التحريري وجدنا رواية وشعرا وموسيقى وسينما وأقاليم وتجارب فردية متعددة. بينما تقل درجة التنوع عندما نقترب من الافتتاحيات والمساحات التي تملك حق تفسير الواقع. وقد أظهر تحليل الافتتاحيات أن الإسلام السياسي والتطرف من جهة، والدولة و30 يونيو والسياسة الوطنية من جهة أخرى، شكلا معا قرابة ثلثي العينة. لذلك فإن وصف “حرف” بأنها متنوعة في مساحتها الأفقية، وأكثر تمركزا في بنيتها الرأسية يبدو أقرب إلى طبيعة التجربة من اتهامها بانعدام التنوع. فالمجلة تمتلك رحابة واضحة في مجالات الثقافة والإبداع، لكنها تتحرك داخل إطار مرجعي أكثر رسوخا حين تنتقل من عرض الموضوعات إلى تفسير العالم، وبخاصة في قضايا الدولة والهوية وتحديد الخطر والخصم.
ومن اللافت في هذا السياق استمرار حضور 30 يونيو والإسلام السياسي بوصفهما أكثر من موضوعين سياسيين. فهما يعملان أحيانا كذاكرة مؤسسة تساعد على تفسير الحاضر. ومن المشروع بالطبع أن تنتقد “حرف” الإخوان أو الإسلام السياسي، فهذه اتجاهات سياسية وفكرية ينبغي أن تخضع للنقد مثل غيرها. لكن السؤال يصبح أكثر تعقيدا حين تظل لحظة سياسية مضى عليها أكثر من عقد قادرة على تنظيم جانب كبير من تصور الصديق والخصم والعقل والتطرف. هنا لا يعود الماضي مجرد واقعة يتم تحليلها، بل يصبح عدسة تُقرأ من خلالها وقائع جديدة. وقد يتحول ما كان نتيجة لتجربة تاريخية إلى افتراض سابق على التحليل.
وتتضح المفارقة أكثر في علاقة “حرف” بالدولة. فهي ليست منصة لا تنتقد المؤسسات الرسمية؛ بل نجد هجوما على المجلس الأعلى للثقافة، وانتقادا لاتحاد الكتاب، ومساءلات لسياسات الجوائز ولجان التحكيم ومنح التفرغ وإدارة المؤسسات الثقافية، بل ومطالبات بمراجعة بعض اللجان والقرارات. وهذا نقد حقيقي، ويجعل وصف الجريدة بأنها نشرة علاقات عامة للدولة وصفا غير منصف.
غير أن السؤال ليس ما إذا كانت “حرف” تنتقد الدولة، وإنما إلى أي مستوى يصل هذا النقد. ويمكن هنا التمييز بين الدولة الواقعية والدولة المعيارية. الدولة الواقعية قد تضم مسئولا ضعيفا، ولجنة غير شفافة، ومؤسسة مترهلة، ويمكن مهاجمة كل ذلك بعنف. أما الدولة المعيارية، أي الدولة الوطنية بوصفها الحامل الأساسي للاستقرار والتحديث والهوية والثقافة، فتبدو أكثر حصانة. لذلك يكون السؤال المتكرر: لماذا لا تقوم المؤسسة الرسمية بدورها كما ينبغي؟ بينما يقل حضور سؤال أكثر جذرية: هل تصورنا لهذا الدور نفسه صحيح؟ وهل ينبغي أن تظل الدولة المركز الرئيسي لإنتاج الشرعية الثقافية وتوزيع الجوائز والاعتراف وإدارة الثقافة؟
من هنا يمكن استخدام وصف “التنوير الدولتي” بحذر. فالتنوير في “حرف” ليس زائفا؛ هناك دفاع جاد عن العقلانية والاجتهاد، واستعادة لطه حسين وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد، ونقد للجمود الديني والإسلام السياسي. لكن المفارقة أن العقل الذي يبدو مستعدا لإعادة فحص التراث والفقه والمؤسسة الدينية يصبح أقل استعدادا لمساءلة مركزية الدولة نفسها في تصور الحداثة. المشكلة إذن ليست في أن “حرف” محافظة دينيا، فهي في كثير من موادها بعيدة عن ذلك، وإنما في أنها أكثر محافظة على الدولة باعتبارها حامل الحداثة الممكنة. هنا يظهر تفاوت في توزيع الشك: التراث والمؤسسة الدينية والإسلام السياسي كلها قابلة للمراجعة، بينما يظل الإطار الدولتي أكثر رسوخا.
ويمثل باب “اشتباك” أكثر أجزاء التجربة قدرة على إظهار قوتها وضعفها معا. فمن ناحية أعاد الباب إلى الصحافة الثقافية وظيفة المعركة الفكرية، وأكد أن الكاتب والناقد ورئيس المؤسسة ولجنة الجائزة ليسوا فوق المساءلة. كما أن نشر ردود على كتاب الموقع أنفسهم يمثل ممارسة مهمة؛ لأنه يحول الكاتب من قاض يمتلك الكلمة الأخيرة إلى طرف يمكن الرد عليه.
وهنا، تصبح “حرف” أقوى حين يعتمد الاشتباك على النصوص والوثائق والمقارنة. فالمواد التي تقارن بين مواقف الكاتب في مراحل مختلفة، أو تراجع أداء المؤسسات بناء على وقائع محددة، تتيح للقارئ اختبار الحجة بنفسه. في هذه الحالة لا يحتاج النقد إلى تصغير صاحبه؛ تكفي قوة الدليل. لكن قوة الباب تتراجع حين تتقدم اللغة التصنيفية على الحجة، كما في استخدام تعبيرات من نوع “شلة البؤس الفكري” أو “الأفاعي” أو “نقاد فشنك”، أو حين تُجمع أسماء ومشروعات فكرية شديدة الاختلاف داخل معسكر واحد.
فالبحث عن نقاط تشابه بين مفكرين مختلفين مشروع، لكن وظيفة التحليل ليست أن يكتشف المشترك فقط، وإنما أن يحافظ كذلك على الفروق. وعندما تتحول الفئة التحليلية إلى عنوان جمعي للخصوم، يصبح من السهل أن تنتقل الصحافة من نقد الفكرة إلى تصنيف صاحبها. وهنا يظهر التوتر مع الوعد التأسيسي بالابتعاد عن “الحروب الكلامية”. ليست المشكلة في حدة اللغة في ذاتها، فالثقافة بلا معارك قد تصبح خاملة، وإنما في الفارق بين صراع الأفكار والصراع الحدي: الأول يحاول إثبات أن الحجة خاطئة، أما الثاني فيوشك أن يحدد القيمة الفكرية أو الأخلاقية لصاحبها قبل انتهاء النقاش.
لكن المأزق الأعمق في “حرف” يظل سوسيولوجيا. فالموقع ما زال أكثر انشغالا بما يقوله المثقفون من انشغاله بالشروط الاجتماعية التي تنتج الثقافة وجمهورها. هناك كتب كثيرة، لكن حضور اقتصاد القراءة أقل. وحديث متكرر عن القوة الناعمة، لكن القياس المنتظم للصناعات الثقافية محدود. واهتمام بالوعي، لكن دراسات الجمهور والطبقات والأجيال والمناطق أقل حضورا. وقد بدأت هذه الخريطة تتسع بالفعل نحو المحافظات والشباب والتحولات الرقمية، وهو تطور مهم، لكن الحضور الجغرافي لا يكفي وحده. فالكتابة عن شعراء الجنوب، مثلا، تصبح أكثر سوسيولوجية حين تسأل أيضا عن المؤسسات التي ينشرون من خلالها، وجمهورهم، وأثر التعليم والهجرة والإنترنت، وفرص وصول المبدع خارج القاهرة إلى المجال الثقافي القومي.
والأمر نفسه ينطبق على خطاب القوة الناعمة. تاريخ مصر الثقافي رأسمال هائل، لكنه لا يكفي لإثبات قوتها الراهنة. فقد تعددت مراكز النشر والتمويل والإنتاج والمهرجانات عربيا، وتغيرت علاقة الجمهور بالكتاب والموسيقى والدراما. ولذلك لا يكفي سؤال “كيف تستعيد مصر ريادتها؟”، بل ينبغي أن نسأل ماذا تنتج مصر اليوم، وما حجم انتشار إنتاجها، وما موقع دراماتها وكتبها وموسيقاها وترجمتها وصناعاتها الثقافية داخل سوق عربي متعدد المراكز. القوة الناعمة ليست ذكرى، وإنما قدرة حاضرة يمكن قياسها.
ولا يعني كل ذلك أن الحل هو أن تتحول “حرف” إلى صحيفة معارضة للدولة، أو أن تتخلى عن هويتها ومعاركها. المطلوب أعمق من التوازن السياسي، وهو ما يمكن تسميته بالمساواة في الحق في الشك. فإذا كان من المشروع أن تسأل الصحيفة عن شبكات خصومها ومصالحهم وتجاربهم ومواقعهم، فمن المشروع بالقدر نفسه أن تسأل عن الشروط التي صنعت يقينها هي: لماذا تبدو الهوية أكثر حضورا من الطبقة؟ كيف شكلت 30 يونيو تصور قطاع من المثقفين للدولة؟ وكيف يؤثر القرب من المؤسسات الثقافية في تعريف المشكلة؟ إن قيمة سوسيولوجيا المعرفة لا تظهر حين تستخدمها الصحيفة ضد الآخرين فقط، بل حين تدير المرآة نحو نفسها.
لقد حققت “حرف” إنجازا حقيقيا بإعادة مساحة للكتابة الثقافية الطويلة، وبناء أرشيف للأدب والموسيقى والسينما والتاريخ الثقافي، وإحياء السجال، ومساءلة بعض المؤسسات والمسئولين، وتوسيع الخريطة نحو قضايا ومناطق جديدة. لكن النجاح نفسه يضاعف المسئولية؛ فحين تصبح المؤسسة قادرة على تحديد ما يستحق النقاش، تصبح جزءا من بنية القوة الثقافية التي تنتقدها، ويصبح عليها أن تسأل من يظهر، ومن يغيب، ومن يُمنح حق تعريف المشكلة، ومن يدخل الصفحة منذ البداية في موقع الخصم.
من هنا لا تحتاج “حرف” إلى التخلي عن حرفها. فمن حقها أن تمتلك هوية وموقفا. لكن الحرف الواحد يستطيع أن يصنع علامة أو شعارا، ولا يستطيع وحده أن يصنع لغة. اللغة تحتاج إلى حروف، والتنوع الحقيقي لا يتحقق فقط بكثرة الموضوعات والأسماء، وإنما حين يستطيع المختلف أن يدخل المجال لا بوصفه متهما مدعوا للدفاع عن نفسه، بل شريكا في تحديد السؤال نفسه. عندها فقط يتحول “التنوع الثقافي الخلاق” من شعار تأسيسي إلى ممارسة، ويصبح التنوير ليس مجرد القدرة على تفكيك يقين الخصم، وإنما الاستعداد الدائم لاحتمال وجود شيء يستحق المراجعة داخل يقيننا نحن أيضا.
………………………
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس











