هيثم الطيب
ترى ما الذي يجعل السارد مبدعًا وقادرًا على فتح النوافذ مع المتلقي، سوى النص المذهل القادر على إثارة الدهشة؟ فالسارد إنسان يستخدم لغةً وشعورًا مقترنًا بالتدوين، ومن المفترض أن يأخذ موقع التعبير القادر على لمس الحقائق الإنسانية ومحاكاة التناقض في الحياة.
سأتحدث هنا عن زهير كريم، السارد الذي يملك ذاكرة من الفولاذ، تركت الحرب ندوبًا فيها، تركتها حتى قبل أن يقول لها: وداعًا أيتها الحرب. لهذا بقيت الحرب حاضرة في السرد لديه، واستمر بلمس تلك الندوب وكأن إنسانيته لا تكتمل إلا بوجودها. تنويعات إيقاعية على الطبل هي مجموعة قصصية التي صدرت في العام 2025. يقول: تشبه الحكايات في هذا الكتاب قرع الطبول، يتحمسون لصوت طبل، لكنهم يندمون لبعض الوقت، ثم ينسون كل شيء عندما يسمعون ثانيةً القرع .
اشتملت هذه المجموعة على ثلاثين حركة، وانتهت بانتهاء الحرب بكل مظاهرها القاسية، ليخرج منها زهير كريم وبرأسه ضارب طبل، فلم تكن الأمور على ما يرام طبعًا؛ لأننا سوف نقضي الوقت مع الحرب إلى نهاية هذه المجموعة القصصية. لكن ما الذي حصل بعد الحرب؟
وقف السارد أمام الأصوات التي تداخلت في رأسه، وقرر أن يضيء لحظة إنتاج الصورة لديه. هذه الصورة، بتأويلها للأسئلة التي يطرحها السارد، أسهمت في صناعة نص عميق يدين الحرب وآلاتها وثقافتها في كل مكان وزمان، وهذا هو الذي يمنح النص_ أي نص_ وجودًا له قيمة ثقافية وجمالية وإنسانية.
بعد الحرب يظهر الناجون منها وكأنهم قد وُهبوا حياة أبدية، رغم ما عانوه من ألم وقسوة، ولكنهم سينسون عندما يتقدمون بالسن؛ فهناك الكثير الذي سيفعلونه مستقبلًا. أعتقد بأن الأمر يتطلب وقتًا لكي يتحلوا بالقوة اللازمة مرة أخرى لمواجهة مصاعب الحياة.
الألم والسعادة الغائبة معانٍ لوقائع متصلة بحياة الناس، تجمعت مع معانٍ أخرى في ذاكرة السارد الذي يعيد إنتاجها وفقًا لوعيه وانتقائه لموضوعاته.
بعد الحرب يضع السارد نفسه أمام سؤال جوهري: فما الذي تبقى منه بعد أن سلبت منه الحرب أحلامه؟ يحتاج ربما إلى ترميم نفسه، فقيمة ما يكتب ستكون واضحة عندما ينظر إلى الوقائع بعينين سليمتين، بهما يعيد إنتاج الرؤى والأفكار والجمال الذي يحاول محو جحيم الحرب الفظيعة، وهي روح واحدة طبعًا، هي التي نجت من الحرب.





















