حادثة قتل تنبش أسرار الماضي وتُشرّح الذات الجزائرية

سعيد خطيبي أغالب مجرى النهار

ممدوح فرّاج النابي

لا أحد يتكلّم غيري

إلا أنني سأتكلم بفم مغلق

(جمال الدين بن الشيخ)

بدأت حكايات شهرزاد لشهريار في “ألف ليلة وليلة” بعد تفاقم حالات القتل التي قام بها الملك للنساء، انتقامًا لشرفه الذي لوّثه عبده الأبق، فطال الانتقام كل النساء اللاتي ارتبط بهن، كما اشتمل فعل القتل على تهديد ضمني كذلك للاحقات منهن، ومن ثم لم يكن مجالًا لتوقيف نزيف الدم إلا بالحكاية، وبالأحرى مقاومة الشر بالحكايات، لذا جاءت فكرة ترويض الملك عبر استلاب عقله بخزانة شهرزاد التي اجترت منها حكايات غريبة، وصولاً إلى رحلة شفائه من مرضه النرجسي، والجرح الجزائري لا شيء يداويه سوى الحكاية.

المقاومة بالسرد

ينحو الروائي الجزائري سعيد خطيبي في روايته “أغالب مجرى النهر” (دار هاشيت أنطوان، نوفل 2025 – القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة 2026) ذات المنحى الحكائي الشهر زادي، حيث يأتي اجترار الحكاية من قبل الشخصيتين الرئيسيتين الواقع عليهما فعل القهر مع اختلاف مسبباته، كوسيلة للشفاء من أوجاع الماضي، وخيابات الأصدقاء والأقارب، فتبدأ الرواية بحكاية البنت “عقيلة تومي” طبيبة العيون، وهي في موضع اتهام بقتل زوجها الطبيب الشرعي مخلوف تومي، وتتخذ من الحكي (أو السرد) أداة لاكتشاف ذاتها، وعلاقتها بالآخرين، بعدما تمّ تقويضها بفعل ممارسات أُسرية قامت بها الأم التي تحتكم لأنساق العادات والتقاليد في بيئتها الجنوبية، تارة، وتارة ثانية كمحاولة للتخلص من أنصال ذكورية الزوج السادي الذي مارس قهرًا عليها في حياته، بالتحقير منها، ومعايرتها بعدم إنجاب الذكر، وبخيانتها كما اكتشف والدها قُرب نهاية الرواية، وكذلك بتوريطها في عمليات سرقات قرنيّات الموتى، وبعد مماته باتهامها بأنها المسؤولة عن تسممه، إضافة إلى ممارسات وقمع السلطة لها أثناء التحقيق حتى تخيّلت نفسها أشبه “بشاه يتفحصها زبون عارية”، وهو ما انعكس عليها عند استلامها جثمانه فقابلته بحيادية (مجرد امرأة تحمل صفة زوجة) تتناسب مع بروده معها أثناء زواجهما.

واقع فادح شخصيات مشوّهة

 تجتر الساردة في الجزء الأوّل من الرواية المعنون بـ “البنت” حكايتها داخل الدائرتين، التي لم تخرج منها سليمة، بل على العكس أصيبت بالكثير من الرضوض النفسيّة والبدنيّة، والتي انتهت بها إلى الحبس في غرفة لا تتعدى مساحتها خمس خطوات طولاً وعرضًا، ووصلت بها في مراحل مراهقتها لأن تكون مثليّة بعلاقتها مع صديقتها سلوى أو سالي، ومن ثم تأتي أهمية التصدير الذي استهل به السّارد حكايته “نحن نروي حكايات تؤنسنا، لأننا نجهل أنفسنا” (يمينة مشاكر).

 هكذا تتأسّس بنية الرواية التي تستغرق أحداثها تقريبًا نصف قرن من تاريخ الجزائر الحديث، بدءًا من الحرب العالمية الثانية مرورًا بحرب التحرير وما أعقبها من تخوين وصراعات وصولاً إلى التسعينيات قبيل الانفجار الدامي، وإن كان الزمن المرجعي لا يتجاوز أيامًا قليلة تبدأ مع اعتقال عقيلة، وصولاً إلى قرب حلول انتخابات البلدية التي أشعلت أتون النيران، فتعالج قضايا إشكاليّة مُتعلّقة بسرقة الأعضاء وبيعها، والاعتداءات التي تتعرّض لها النساء بكافة أشكالها معنوية، وبدنية، والصراعات الأيديولوجية بعد حرب التحرير، وما حاق بالمناضلين مِن تهم التخوين، والتشكيك في الهوية الوطنيّة، ثمّ بزوع التيارات الدينيّة المتشدّدة التي قلبت حياة القرية (الوطن) جحيمًا بما مارسته من عنف على المخالفين لأيديولوجيتها، فروّعت الناس، وأحرقت مقاهيهم، وعاقبت النساء السافرات، وغيرها من موضوعات أرقت المجتمع الجزائر في تلك الحقبة الملتهبة عكسها على القرية وإن كان عينه على الوطن الكبير.

          تتوزّع الحكاية عبر عنوانيْن متبادليْن على طول خط السّرد؛ هما البنت والأب، بالسّرد بالأنا مع تدخلات الرّاوي العليم. يراوح السّرد بين هاتين الحكايتيْن المتداخلتيْن، دون انفصام بينهما، حيث تأتي الثانية مفسّرة للأولى، وكاشفة للكثير من الثغرات والفجوات التي تركتها حكاية الابنة كـ (قصة ريمة ابنة ميلود، وأسباب سجن ميلود، وسرقة عيادة عقيلة، وعدم إنجاب قمرة أولاد آخرين، وسر زيارة الأب إلى العاصمة، وابنه المجهول من ياقوت، وعلاقة مخلوف بريمة، وغيرها من الحكايات المبهمة والناقصة، وحكاية ثامر، وعلاقة الأب بالصحفي دودو) وبالأحرى التي أدت إلى هذا المصير المأساوي لها وله.

تكشف الرواية عن أثر هذا الواقع الفادح وأثره في تشويه الشخصيات نفسيًّا وأخلاقيًّا؛ فالحياة الاجتماعيّة كأفراد أسرة وعلاقات أب وأبناء وزوج تبدو مُتفسّخة، يسودها الصّمت والعنف اللفظيّ والمعنويّ، فالأسرار التي تتكشّفُ رويدًا رويدًا تُنبي عن واقع فادح قاهر لشخوصه، وكأنّ كل شخص أشبه بسيزيف يحمل صخرته على كتفه، في علاقة تبادليّة تربط بين الاجتماعيّ والسّياسيّ، وتأثير كل منهما على حياة الشخصيتين الرئيستيْن؛ البنت (عقيلة تومي) والأب (عزوز الخالدي) وما بينهما من تباين ثقافيّ واجتماعيّ، ومع هذا ففعل القهر يصيبهما معًا دون اعتراف بهذا الفارق المظهريّ؛ فالمكانة الثقافيّة لم تَحمِ عقيلة مِن تنكيل زوجها بها، ولا النضال أثناء حرب التحرير حمى الأب من التنكيل به من رفقاء السّلاح، كلاهما كان ضحيّة لاستبداديّة محضة؛ الأولى عبر استبدادية وأنانيّة الذكوريّة، والثانية نتيجة استبدادية الاستعمار والحرب ورجال السُّلْطة. اللافت أن السُّلْطة كانت قاهرة للاثنيْن؛ للبنت في التحقيقات التي كشفت عن سوء معاملة، بالضغط عليها وابتزازها للاعتراف بجريمة لم تفعلها، وإن كانت تمنّت في مخيلتها أن تقوم بها بضربه على الرأس أو شنقه بالحبل أو قطع أنفاسه، وقد صار فعل القتل هاجسًا يطاردها في أحلام يقظتها ونومها، لكنها كانت عاجزة بسبب الخوف والقلق اللذين خلقهما التنشئة الاجتماعيّة القاسيّة لها، والقهر الذي مارسه الزوج بدون أسباب.  

تكشف الحكايتان (الأب والابنة) عن صراع سياسي وأيديولوجيّ من جانب، وفساد اجتماعيّ وانهيار أخلاقيّ وقيميّ من جانب ثانٍ، كلاهما كان بمثابة الشرارة التي ستعصف بالأخضر واليابس في العشريّة السوداء في التسعينيات، بعدما تغوّلت الظلاميّة أو الجماعات المُتطرِّفة، التي فرضتْ أنساقها على المجتمع المُهيّأ تمامًا لحالة من الغيبوبة بفعل فساد أصحاب النفوذ سواء أكانوا رجالَ سياسة على نحو رفقاء حرب التحرير، أو فساد أخلاقي كما في حالة الزوج الذي كان يتاجر في الأعضاء البشرية، وينتهك حرمات الموتى من أجل الثراء، كما يتشعب السّرد في حكايات عن الفساد والجهل؛ كتعرية لواقع متأزم.

يتوقف الزمن السردي في الجزء الأول (يتكوّن من 17 فصلًا سرديًّا) عند زمن قبوع عقيلة في الحبس رهن التحقيق، والإكراهات التي يُمارسها عليها المحقق جمال درقين، وهو زمن لا يستغرق إلا يومين، لكنه ينفتح ويتشعب عبر الاسترجاعات إلى أزمنة سابقة ومعاصرة، تعود إلى طفولتها ودراستها، ثم زواجها وعلاقتها بزوجها التي وصلت إلى حد الاحتقار، وتمنّي الموت له، وعملها كطبيبة عيون، واشتراكها مع زوجها في تجارة القرنيات، كما يعود أيضًا إلى زمن قبل ولادتها زمن عمل أبيها في المقاومة. رحلة حياتها المضطربة لخصتها في جملة مؤثرة هكذا “قضيت حياتي في الطب، ونسيت نصيبي من المرح” (ص: 55).

اكتشاف الذات والآخرين

أتاحت لها هذه البقعة الضيقة المُقبضة، الفرصة لاكتشاف وتأمّل ذاتها المجهضة (أو تعريتها) بفعل ذوات كثيرة كانت تعتبرهم الملاذ فكالوا لها الطعنات، والبدء في مراجعة علاقتها بالآخرين، فتبدأ بأمها وعلاقتهما المتوترة، ومحاولات الحطّ من قدرها، وقسوة وجفاء معاملتها، وملاحقتها بألفاظها المؤنبة وكلماتها الشائنة، وأدعيتها بالشر عليها، وتبكيتها على تصرفاتها، وأمثالها الشعبية المُحبِطة، كانت سببًا فيما عانته الابنة لاحقًا من تشوهات نفسية، وأثر هذا سلبيًّا في تكوين شخصيتها، وتربية ابنتها، فافتقدت ذاتها، وصارت خائفة وضعيفة اجتماعيًّا، مهزوزة والأسوأ أنها صارت أسيرة لزوجها الذي يعتدي عليها لفظيًّا وماديًّا بالصفع والضرب دون أدني مقاومة أو ردة فعل منها تجاه تصرفاته.

كما تستعيد علاقتها بابنتها، وما أنتابها من حالات فتور، وتوتر، واستلاب، انعكست على طريقة تعاملها معها. في المقابل حظيت بعلاقة قوية مع أبيها وإن كانت ترى أن مواقفه حيادية أمام أمها وأخيها الذي كان يسرق عيادتها، لكنها كانت أكثر تعلقًا به، ومتواطئة معه ضدّ ما يحدث له، والأهم أنها تعتز بمسيرته كرجل حرب شجاع، خُذل من الجميع مثلما خذلها زوجها.

ماض قديم … ماض حيّ

أما الجزء الثاني من الحكاية فيأتي بعنوان “الأب” عزوز خالدي (ويتكوّن من 15 وحدة سرديّة يتمّ تبويبها عبر الحروف الأبجديّة) وهو يسرد بالراوي الأنا أيضًا عن الأب المخذول من أبنائه الذي خاض حربيْن دون أن يصاب برصاصة، أو تصيبه طعنة، وشاهد وصول الفرنسيين إلى البلاد وقاومهم حتى خرجوا مع الاستقلال، ثم تلقى الكثير من الطعنات من أصدقائه وأبنائه، ومن ثمّ نراه في حالة تأسّي وهو يسرد عن نشأته في بيئة فقيرة، وحياة ضنك عاشتها أسرته،   ثم انتقالهم إلى بوسعادة بعدما عانت قريته القديمة شطف العيش والجدب، وقد اضطر أبوه بعدما اشتدّ الجدب والحر إلى أن يبيع نصف حقله الثاني والبيت قاصدًا بوسعادة التي تحاصرها رمال الصحراء، مأوى الفارين من الفقر والجدب، لكن لم يتغير الحال، فالفقر لازمهم وصار حال الأسرة في أسى حتى إن أمه “كانت ترتق حذائه بسلك معدني”، كما كان يحزم سرواله بخيط بعدما سقط زره، ثم انصرافه عن التعليم وهو في سن الحادية عشرة، كي يُشارك في مصاريف البيت مستغلاً رفض الأسرة فكرة التطعيم من الأمراض.

 فامتهن مهنًا صغيرة من أجل أن يقتات ويساعدها، إلى أن ارتحل إلى العاصمة مع بودو ليعمل عتالًا في الميناء، وغيرها من أعمال.  كما اشتغل ماسحًا للأحذية، ثم أشفق عليه إسحاق بن زمير وضمّه إلى بيته بعدما كان يفترش نعله على الرصيف أو تحت تعريشة، فعمل معه يُدوّن له أسماء المرضى ويُنظّمهم في طابور قبل أن يدخلوا حجرته التي يداوي فيها الناس بأعشاب طبية، ولم يكن ما يكسبه كافيًّا فعمل في مد سكة القطار مع عمال آخرين. هكذا امتهن مهنًا صغيرة من أجل أن يقتات ويساعد أهله، إلى أن ارتحل إلى العاصمة مع بودو ليعمل عتالًا في الميناء.

وفي العاصمة تعرّفَ على شارلي شابلن، وقد ظفر بقبعته الشهيرة بعدما وقعت منه أثناء تدافُّع الناس لمصافحته، وبعدها تطوّع في الجيش وحارب في الجبهة الإيطالية أثناء الحرب العالمية الثانية، ويسرد للمعاناة التي عاناها في الحرب، وقد عاد منها بوسام سلمته له فرنسا، وجرح غائر في معصمه، وعندما عاد اشترى سيارة ليعمل عليها، وفي بوسعادة كوّن أسرة وتزوّج من قمرة التي تصغره بعقدين بعدما رفض أهل القرية أن يزوجوه لأنه وافد، وبعدها اشترك في مقاومة الفرنسيين ولأنه رفض أن يفجر مقهى أخيه الذي كان في الجبهة التي تناصر الفرنسيين، اتهموه بالخيانة أو أحد الحركي أثناء سنوات حرب التحرير، وصولاً إلى حبه لياقوت وقصة الطفل التي أنجبه منها، وانتظار براءته، ولكن بعد موت بودو في حادث سير فقد الأمل في تبرئة ساحته، وكان الانتظار رفيقًا لعقيلة في تبرئتها هي الأخرى من تهمة تسميم زوجها.

هذه هي الحكاية، لكن كيف كتبها، أو فرد قماشتها سعيد خطيبي، هنا يبرز دور الفنان أو الروائي الذي أجاد استخدام قماشته وقام بإعادة نسجها في سياق سردي متقن، يشدّ القارئ منذ جملة الاستهلال التي حفّزت أفق توقع قارئها إلى نوعية النص، بانتمائه إلى النصوص التشويقيّة، عبر تقنية بوليسيّة خادعة تبدأ بها الرواية، فعناصر الجريمة متحقّقة، قتيل: الزوج (مخلوف تومي) ومتهمة: الزوجة (عقيلة تومي)، ومحقّق (جمال درقين)، إضافة إلى وجود عناصر اشتباه مثل السيارة رينو 4 صفراء اللون التي كانت تطارد الزوجة من قبل، وآثار تسمم في جسده. وتزداد دائرة الاشتباه مع قيام الأب بدور المحقّق، وافتراض متهمين محتملين خاصة في ظل وجود علاقة غير شرعية، وتردده على بيت بابا ياقوت، واختفاء السيارة الهوندا، والتخمينات الجيران الخاصة بالقتل، خيوط الأجواء البوليسية تتردد على أكثر من مستوى كسرقة الأشياء من عيادة عقيلة، دون معرفة السارق، والسيارة الصفراء الرينو 4 التي تتعقبها أثناء خروجها من العيادة، ومَن صاحب حمل ريمة، ومَن بلّغ عن شهلة البرق. كلها أسئلة كانت تحتاج إلى أجوبة، دون أن يقدّم الراوي إجابات، جعلت من القارئ مشاركًا في تقديم تخمينات وفقًا للقرائن التي مررها في الحكاية زيادة في الإيهام، ليضع الجميع محل الشكّ والريبة.

لعبة السرد والزمن

 يقدّم المؤلف مغامرة سرديّة فاتنه، يُشرّح فيها المجتمع الجزائري قبل العشرية السوداء، بظروفه المترديّة التي دفعت الكثير من الأطباء للهجرة إلى الشمال أو فرنسا طمعًا في رواتب أعلى، وصراعات العمل، وكذلك بعاداته، وثقافته التقليدية في الأعراس والموت، والأطعمة المشهورة في مناسبات الزواج والميلاد، وعادات الختان، وأنساقه الاجتماعيّة الحاكمة، وهيمنة الخرافة والشعوذة واللوذ بالمشايخ والأعمال السفليّة، وأمثاله الشعبيّة، والأوبئة التي تفتك بالفقراء الذين يداوون أنفسهم بالأعشاب والأدعيّة لأن جيوبهم مثقوبة، والعلاقات غير الرسمية، وما يتبعها من إجهاض، أو التخلّي عن الطفل بوضعه في لفافة في الشارع، وغيرها … كاشفًا عن مكمن الداء، أو جرثومة التخلف التي استشرت في البلاد ومهدت للعاصفة، فصارت “بلاد تمشي على رأسها” على حد وصف الأب، حتى صار المنع والتحريم هو الشعار السائد الذي رفعه أصحاب الأيديولوجيات الدينيّة، ثمّ تبنيهم العنف باقتحام مُلثّمِين للمتحف وتخريبهم لوحات فنية تصوّر نساء عاريات، وكذلك حادثة التهجُّم على بيت بابا ياقوت والاعتداء على مومسات، احتجاجًا منهم على ما يقترفنه من خطايا. وهو ما يتيح قراءة الرواية من نواحٍٍ عدة؛ أنثربولوجيّة، واجتماعيّة – سياسيّة، ونسويّة، وتاريخيّة.

كل هذا يأتي عبر بناء قائم على تداعي الأفكار، حيث الأحداث لا تأتي متسلسلة زمنيًّا، وإنما هي أشبه بنثار حكايات تتوالى وهو ما أسهم في زيادة عنصر التشويق، ورغبة القارئ في تتبع علاقات الشخصيات، بلغة تمتزج فيها اللغة المحلية الدارجة، مع الفصحى، مع الأغاني الشعبية والأمثال، في تناسق وتناغم يكشف عن حيوية السّرد واستجابته لواقعه، مستعينًا بلعبة التداخلات الزمنيّة، حيث يوقف الزمن السردي عند لحظة الاعتقال، لينفتح على أزمنة أبعد منه زمنيًّا تستحضر شخوصها وأحداثها، وأحيانًا يلجأ إلى زمن استباقي كما تصف عقيلة رحلة أبيها إلى العاصمة، (ص: 81)، وتخيّل حياة ابنتها بعد وفاة أبيها الذي “سيُفقدها نصف شغفها بالعيش” (ص: 105)، ومن ثم اعتمد على سرد بوليفوني (مُتعدّد)، قدّم به كل مِن الراوييْن الرئيسيين الحكاية أو الأحداث من وجهة نظره باستثناء الزوج “مخلوف تومي” الذي غاب صوته عن السرد، وحضر عبر مخيلة الزوجة تارة والأب تارة ثانية الذي يكشف عن طفولته وعائلته وعلاقته بأبيه، ومع الأسف صورته تحضر عند الطرفين مشوّهة.

 المتحكم الرئيسي في حركة السّرد هما الابنة التي سردت عن علاقتها بالجميع (الأم / الزوج / الأخ / شهلة البرق / وابنتها، وريمة التي تضاجع مجهولين وتريد الإجهاض / وثامر الذي تعرَّفت عليه في حافلة خط العاصمة كان يقوم بجمع الأجرة، وعلاقتها بصديقتها سلوى التي فتحت عيونها على جسدها ومتطلباته واحتياجاته)، ثم الأب الذي أفصح عما أضمرته الابنة في حكايتها بتفاصيل جديدة، وأحداث كشفت عن تحولات المجتمع والشخصيات، وما أعقبه من تغيّر المصائر (ابنه / شهلة البرق رفيقة المقاومة / وياقوت، والصحفي بودو رفيقه في الحرب العالمية وحرب التحرير، وقد تمّ اتهامه أيضًا بالعمالة وسافر إلى فرنسا ثم عاد ليعمل في تليفزيون البلاد، كما منحت الأخ ميلود صوتًا سرديًّا قليلاً عبر المونولوج، ثم جاءت صورت من منظور الابنة، وعلاقتها به، وعمله معها في العيادة، وعاداته في الطعام والشراب، ثم خطبته لفتاة لم تكتمل، وحالة الصمت التي مني بها، ثم بكثير من التفاصيل من منظور الأب، وكان تقديمه له بمثابة إعادة اكتشاف جديد لابنه الذي لم يكن يعرفه من قبل، وعرفه بعد حادثة مقتل زوج الابنة.

ومن الألعاب السردية أن المؤلف جعل الأصوات أشبه بالجواب والقرار، فالأصوات متداخلة وغير منفصلة، فعند نقطة معينة ينتهي صوت الرّاوي، ليدخل صوت الرّاوي الآخر وكأنه يكمل حلقة السرد، فمثلًا بينما يسرد ميلود عن نفسه وعلاقته بأخته في الطفولة، وتبدّل حياته، يتوقف سرده الذي جاء ببنط مغاير، لتدخل عقيلة في السّرد مباشرة، دون فاصل، سوء تغيّر بنط الكتابة، والضمير العائد عليها لتُكمل الحكاية من وجهة نظرها، نفس الحال يتكرّر عند سؤال المحقّق جمال درقين عن علاقتها بشهلة البرق، وعلاقة أبيها بها، تنتهي أسئلة المحقّق، لتبدأ عقيلة بالروي عن شخصية شهلة البرق منذ اتهامها بتفجير مقهى، وهروبها من السجن، وصولاً إلى مجيئها إلى عيادتها طلبًا لزرع قرنية، ثم في الجزء الثاني (الأب) تكتمل صورة شهلة ونضالها إلى هروبها من السجن. كما أن السرد لا يسير على وتيرة واحدة تتطلبها تقنيه تعدّد الرّواة، وإنما تتقاطع مع السّرد المذوّت سرودًا متعدّدة ما بين الحوارات، وتيار الوعي، والرسائل، وشهادات نضال وتعزية، ورسوم الطفلة، واليوميات والاعترافات كاعترافات ميلود عن قصة ابنته.

 كل هذا خلق حيوية في حركة السّرد وديمومته، وما زاد من هذه الحيوية هو دائريّة السّرد، حيث يبدو في أحد وجوهه دائريًّا، فإذا كانت الابنة يُحقّق معها كمتهمة في قتل زوجها، فالأب كذلك يتمُّ التحقيق معه على يد الشرطي إدريس باده، باعتباره خائنًا وعميلاً للاستعمار، ويخضع لذات الانتهازية التي مارسها المحقّق مع ابنته، فغرض المحقّق هو إثبات التهمّة عليه، ومن ثمّ توالت الاتهامات ضدّه من التحريض على طمس بصر شهلة البرق بتكليف ابنته الطبيبة بالقيام بهذا، ثمّ تحفظه على ممتلكات ثقافيّة كإخفاء قبعة شارلي شابلن بعد تعرّض متحف المدينة للحرق، ونهب مقتنياته، ومثلما لم يغفر زوج عقيلة لها تأخرها في الإنجاب، ثم إنجابها لأنثى بدلا من ذكر، لم يغفر رفقاء الحرب للأب عصيانه أوامرهم بتفجير مقهى أخيه، ومثلما هو له ابن مجهول (مليك) نَتج من علاقة غير شرعية مع ياقوت، صار لابنه ميلود ابنة (ريمة) من علاقة غير شرعية مع امرأة قادمة من الريف متزوجة، تتجلى دائرة السرد بصورة واضحة في تشابك العلاقات بين شخصيات الرواية.

فالشخصيات الثانويّة ليست منفصلة عن بعضها أو تسبح في جزر منفصلة، بل ثمة روابط وصلات تربط بينها وبين الشخصيات الأساسيّة، وتظهر دائريّة السّرد في استثمار بعض المقولات التي تتردد من قبل بعض الشخصيات، وتعيد أخرى تدويرها على نحو جملة “راقبي زوجك” التي كانت تقولها الأم لابنتها، يستعيدها الأب في حكايته عن ابنته وهو يسرد عن توتر علاقتها بأمها، وبالمثل دعاؤها عليها “يا رب يجيني خبرك مدهوسة بسيارة“، ويتكرّر الأمر عند ميلود فيردد عبارة “العين ما تعلو على الحاجب”، وقد سبق أن قالها في سياق آخر عن عدم رفضه لأوامر أخته التي يعمل معها في العيادة، ثم كررها عندما أراد أن يتوسط لعودة ريمة لبيت ياقوت بعد حملها.

تنتهي الرواية دون أن يتحقّق للأب المخذول أمله في استعادة حقه بالتبرئة هو وزملاؤه من تهمة العمالة والخيانة، ولا معرفة قاتل زوج ابنته، لكن كشفت الغطاء عن الكثير من الحقائق التي لم يكن يعرفها كحقيقة زوج ابنته مخلوف تومي الذي لم يكن يعرفه، فهو الأب غير الشرعي لطفل ريمة ابنة ميلود، وهو نفسه الذي بلّغ عن ميلود بسرقة الكُلية، وحبس على إثرها ستة أشهر، وكذلك تخفق أحلام عقيلة في بناء كلية للطب بعد وفاة الصحفي بودو، ولم يتحقّق لها الصفاء بعدما تخلّصت من قيود الزوج المُستبِد، فالأحداث كانت تشير إلى اقتراب موعد الانتخابات البلدية التي سيتصدر فيها الإسلاميون المشهد، وتبدأ صفحة دموية في تاريخ الجزائر الحديث؛ فالخذلان وعدم الصفاء إشارة إلى الكابوس الذي بدأت بوادره تلوح مع قرب انتخابات البلدية، وما أعقبها من عشرية سواء أطاحت بالأخضر واليابس؛ لأنهم غالبوا مجرى النهر.

 

 

كاتب وناقد مصري صدر له: ـ نجيب محفوظ: الذاكرة والنسيان ـ جماليات النص، دراسات في الرواية ـ القارئ العادي والتيه…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع