رجب سعد السيد
ربما كان المصريون هم أول من عمل بمبدأ الحرب الإجهاضية، وتسمى أيضاً بالاستباقية، أي أن نبادر بإعلان الحرب على عدوٍّ لم تظهر نواياه العدوانية، بعد، مع وجود شواهد على أطماعه .. فلنتخذه غداءً قبل يضعنا على مائدة عشائه!.
وقد تبنى الملوك الأوائل من الأسرة الثامنة عشرة هذا المبدأ، فكانت الحرب هي أداتهم للغزو، ضماناً لأمن سكان (الأرض المحبوبة)!.
والمستغربُ أن “حتشبسوت” كانت، طيلة سبع سنوات من بداية توليها الحكم، قد ألغت هذه السياسة كاستراتيجية للأمن القومي، وأوقفت الحملات الحربية، غير أنها كانت حريصة على أن تولي جيشها رعايةً كبيرة، وأكثرت مما نعرفه الآن بالاستعراضات العسكرية والمناورات التدريبية، التي كانت بمثابة تلويح بالقوة، ورسائل تحذيرية للمتربصين بالوطن. وتشير نقوشٌ من ذلك الزمن إلى أن الجيش، قبل اعتلائها العرش، لم يكن مسلحاً بما فيه الكفاية، ويردُ فيها عبارةٌ هي قائلتها: (أصبح الجيش غارقاً في الثروة، منذ أن توليتُ كملك !)
وكانت نتيجة هذه السياسة (المسالمة) أن ترسخت سمعة الجيش المصري كقوة ردع يُحسبُ لها ألفُ حساب؛ ولم تفقد مصر خلال حكم حتشيبسوت أيَّاً من الأراضي الأجنبية التي استولى عليها أسلافها في عمليات غزو. وفي معبد آمون بالكرنك كتابات جدارية تقول لحتشبسوت: (أنتِ تقودين الأراضيَ، والأراضيُّ الأجنبيةُ تخدمك). وتتردد هذه النغمة في نقوش أخرى بمعبد الدير البحري، تنسبُ فضلَ ما تحقق للملكة إلى آمون، الذي (… أعطاها كلَّ ما يحيطُ به قرصُ الشمس “أتون” .. وبالنسبة لها، لا يوجد متمردون في الجنوب، ولا أعداء في الشمال. فالسماوات الخاصة بكل البلاد الأجنبية التي خلقها الربُّ تعملُ من أجلها في كل شيئ. يأتون إليها وقلوبُهم ترتجفُ. قادتُهم مُطأطئو الرؤوس، يحملون الجزية على ظهورهم، ويقدمون لها أبناءهم. يأتون لتهبهم الحياة، بفضل سلطة والدها “آمون”، الذي وضع كلَّ البلاد تحت صندلها)!.
وفجأةً، قدم المستشارون – من كهنة وسياسيين رسميين وكتبة الميديا – لملكة مصر العليا والسفلى مشروعاً يدعوها إلى أن (..ترسل إلى العالم الخارجي نفحاتٍ من نور عظمتها كإبنة إلهية لآمون، الأمرُ الذي يدعم موقفها كملك لا مثيل له في تاريخ مصر، منذ بداية الخليقة!). وزينوا لها مشروعهم في صورة مغامرة رائعة لم تشهد مصر مثيلاً لها منذ عصر الدولة الوسطى، وتتمثل في السفر إلى الأقاليم التي توجد بها أشجارُ البخور، أي إلى بلاد بونت، ذلك المكان الأسطوري الذي تأتي منه المواد العطرية الرئيسية (خاصةً اللبان والمُرِّ) والمعادن الثمينة التي كانت مصر تستخدمها في طقوسها وشعائرها، والذي كان موقعه الجغرافي، بالرغم من أهمية موارده الطبيعية بالنسبة للحياة في مصر القديمة، متسماً بالغموض وعدم الدقة في المصادر التوثيقية المصرية، وكأن الطرق المؤدية إليه كانت تعدُّ شأناً (سيادياً)، بمفردات وقتنا الراهن.
وكان الظنُّ، لبعض الوقت، في الزمن الراهن، أن بلاد بونت موقعٌ بشبه الجزيرة العربية، حتى أظهرت نقوشُ معبد حتشبسوت في الدير البحري أن الحياة الحيوانية والنباتية فيها مغايرة للتنوع الحيوي في شبه الجزيرة العربية. وظلَّ الباحثون يتخبطون بين المصادر والوثائق، في سعيهم لتحديد الموقع، حتى استقروا على أنه في شرق أفريقيا، جنوب السودان، بل إن ثمة من يحددون الموقع في الأراضي الوطيئة، المليئة بالمستنقعات الأثيوبية السودانية، الممتدة حتى إريتريا. وكان ثمة إقليم معادٍ لمصر، يقع في منتصف الطريق البري بينها وبلاد بونت، هو إقليم (كرمة)، الذي كان يفرض نفسه كوسيط تجاري طبيعي بين بونت وشمال نهر النيل. وربما كانت الحاجة إلى التخلص من هذه الوساطة غير المرغوب فيها لها تأثير كبير على قرار إرسال حملة بحرية، وليس عن طريق نهر النيل، وصولاً إلى دلتا نهر يسمى (جاش) – Gash – في منطقة “كَسَلا”.
والثابتُ أن الرحلات أو الحملات إلى بلاد بونت كان يكتنفها كثير من التعقيدات والمخاطر، فما كان من الإله آمون إلا أن (أَمْلَى !) نبوءةً، تضمنتها نقوشٌ كتابية على جدران معبد الدير البحري، يأمرُ فيها الملكة بالبحث عن طرقٍ آمنة للوصول إلى بونت. ويَـرِدُ في تلك النقوش، على لسان حتشبسوت ذاتها، أن (.. الملك، شخصياً، ملك مصر العليا والسفلى، ماعت كا رَعْ، قد اقترب من سلم سيد الآلهة، وسمع الأمرَ الصادرَ عن المقر العظيم في صورة نبوءةٍ صدرت من فم الإله ذاته، أن ابحثوا عن الطريق إلى بونت، وابحثوا من أجل معرفةٍ بالطريق المؤدية إلى غابات شجر العنتيو، وقودوا الجيش عبر البحر والأرض، لتجلبوا لمصر عجائب أرض الإله آمون، الذي خلق كمالها).
وتُشيرُ نقوشٌ أخرى، بالمعبد نفسه، إلى أن والدها آمون هو الذي أوحى إليها بالطريق الذي تسلكه إلى ذلك البلد. وقد تدخل الكهنة و (كتبة) السلطة، كما هو الحال في سائر الأزمنة، لشحن مشاعر المصريين نحو بلاد بونت، التي وصفوها في كتابات أدبية مصرية قديمة بأنها تقع صوب الشمس عند شروقها؛ ولذلك سُميتْ بأرض الربِّ، فهي (مقر إقامة) الإله رع على الأرض، والجهة التي جاءت منها الإلهة حتحور، التي كانت تُلقَّبُ بسيدة بلاد بونت!.
وقد جرت وقائع الحملة في العام الثامن من حكم حتشيبسوت، بعد أن تم بناء خمس سفن بحرية، طول كل منها 24 متراً، وعرضها 6 أمتار، وقد استخدم في تشييدها خشبُ الأَرْز الوارد من لبنان. وكان لكل منها شراعٌ يزيد ارتفاعُه عن 9 أمتار، لاستخدامه عندما تكون الرياح مواتية؛ والدفة عبارة عن مجدافين كبيرين. وقد بلغ عدد رجال الحملة 210 فرداً، بين أفراد الطاقم البحري ومساعديهم، وجنود وضباط.
وكانت بعثةٌ إيطالية أمريكية، تضمُّ علماء آثار من جامعتي نابولي وبوسطن، قد اكتشفت موقعاً يُقال له (مرسى جواسيس)، وكان ميناء على ساحل (الأخضر العظيم)، أو البحر الأحمر في الهيروغليفية، وهو على مبعدة 140 كيلومترا من بلدة (قِفْط)، وكانت به (ترسانة بحرية)، أو ورشة لبناء السفن، يعود زمنُ إنشائها إلى الدولة الوسطى، ويُرجَّحُ أن أسطول حتشبسوت قد بُنِي فيها.
وأبحر أسطول حتشبسوت، متخذاً أفضل طريق نحو (بلد الرب)، حتى وصل جنود سيد الأرضين، في سلام، إلى بلاد بونت، ليجلبوا المنتجات العجيبة من هذا البلد، حسب نبوءة سيد الآلهة آمون، الذي يحب ابنته ماعت كا رع (حتشبسوت) أكثر من الملوك السابقين كافةً.
ولما وصل الأسطولُ إلى بونت، رست السفنُ بالقرب من خط الشاطئ، واستخدم الـ (مارينز) الحتشبسوتيون الزوارق، التي حملت عتادهم أيضاً، ونقلتهم إلى اليابس؛ ثم اتخذوا تشكيلات في مسيرتهم البرية، يتقدمهم مبعوث ملكي إسمه (نحسي)، وقائدُهم العسكري؛ وقد استقبلهما (بارحو) ملك بونت، وبرفقته زوجته الملكة البدينة (إتي)، ولفيف من الـ (وجهاء) المحليين، إضافة إلى جمهور كبير من الأهالي. وسجل الكاتب المصري القديم هذا اللقاء على جداريات المعابد، فقال: ( .. أتى عظماء بونت مطأطئي الرؤوس لاستقبال جنود الملك .. ويقولون، وهم يطلبون السلام: كيف وصلتم إلى هنا؟. هل جئتم عبر السماء؟).
ثم أنزل الجنود المصريون من على ظهر إحدى السفن كتلةً نحتية، تمثل حتشيبسوت في حماية والدها آمون، حرصت الملكة الفرعون على أن يقام هذا التمثال في أرض الإله، من أجل الإله، بمناسبة وصول القوات إلى هذا البلد الأجنبي، الذي أوضح لها والدها طريق الوصول إليه، ولكي يتيسر لأهل بونت أن يطالعوا، كل نهار، بهاء جلالتها، وكذا والدها الوصي على بونت.
والحقيقة هي أن ما سجله الكتبةُ المصريون في معالجات أولية سريعة، واتخذوه فيما بعد أساساً للسرد التفصيلي لأحداث الرحلة، فيما يشبه الفيلم التسجيلي، ليذكرنا بكتاب (وصف مصر)، الذي أعده نابليون بونابارت قبل وأثناء الحملة الفرنسية على مصر؛ فكلاهما ليس أكثر من (خرائط) خاصة، يعدها المستعمر الناهب، ليسهل مهمته.
وحققت الحملة هدفها العظيم، وحصلت على 31 شجرة عنتيبو خضراء، تم اقتلاعها من الأرض والمحافظة على جذورها من أن تتمزق أو تجف، وأعيد زرعها في أصص ضخمة، ونقلت إلى سفن الأسطول، يحمل كل شجرة منها أربعة رجال. وقام الجنود بتحميل بضائع أخرى ثمينة. وقد أورد “سليم حسن” في الجزء العاشر من أثره العظيم (موسوعة مصر القديمة) قائمةً بهذه المنتجات العجيبة، إشتملتْ على: محاصيل الزيوت العطرية، وخشب الإبنوس، ونوعان من الأخشاب يقال لهما (تيشيبيس) و(هيسيت) وسِن الفيل النقي، والذهب الأخضر، والكحل، والمُـرّ، وزيت التربنتينا، ودهان المسدمت الأسود، ونوع من القردة العليا يقال له القردوح، وأنواع أخرى من القِردة، وكلاب صيد، وجلود النمور والفهود، بل وأُناس من أهل (بُنْت)!
وقد استغرقت الحملة نحو ثمانية أشهر. وعندما حان وقت العودة، صدرت الأوامر، ورُفعتْ الأهلابُ، وفُردتْ الأشرعة؛ وكانت الرياح مواتية، والمجدفون يعملون في نشاط، والسفن تشق عباب البحر، صوب الشمال. ………………………….
(*) – هذه قراءة (إنتقائية)، في كتاب (حاتشيبسوت – من ملكة إلى فرعون مصر) – ألفه إسبانيان متخصصان في المصريات: تيريسا بيدمان، من معهد دراسات مصر القديمة بمدريد؛ وفرانشيسكو ماتين فالنتين، من جامعة كومبلوتنسي في مدريد. وترجمه لصالح المركز القومي للترجمة بالقاهرة على إبراهيم منوفي، من كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر. وعلاقة المترجم باللغة العربية ضعيفة، بالرغم من انتمائه لجامعة الأزهر، وهو قد يجيد الإسبانية المتخصص بها، لكنه يعجز عن إنشاء لغة عربية مستوية، فأجهدنا أيما إجهاد في محاولات (تفسير) ما يريد نقله من الإسبانية للعربية؛ وقد كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتنا نكتفي بقراءة إنتقائية، نتتبع فيها ما يتصل بحملة حتشيبسوت إلى بلاد بونت، كما يتتبع التعدينيون عروق المعدن المدفونة في تراب.











