جوابات حراجي القط.. حين كتب العمال تاريخهم بالشوق والغياب

alabnoudy

 محمود عماد

يعد الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي أحد أفضل شعراء العامية في تاريخ مصر المعاصر، هو صاحب صوت خاص به يمتزج بعبق الروح المصرية الأصلية والأصول الصعيدية الممتدة في جذوره التكوينية.

تزخر مسيرة الأبنودي بشعر العامية الذي برع فيه، وقدم دواوينه وأغانيه المختلفة التي حققت نجاحا وشهرة، بل وأيضا بعض سيناريوهات الأفلام.

وفي هذا الشهر الذي تحل فيه ذكرى ميلاده، وذكرى رحيله، نعود لنستعيد أحد أهم وأشهر دواوينه الشعرية، وهو “جوابات حراجي القط”. يضم هذا الديوان مجموعة من الرسائل التي أرسلها الأسطى حراجي القط، العامل بمشروع السد العالي، إلى زوجته فاطمة أحمد عبد الغفار.

تمثل هذه الجوابات تأريخا شعريا لمشروع عملاق غيّر التاريخ المصري المعاصر؛ إذ ترصد حال طبقة تعاني، وفئة من الشعب ارتفع هذا المشروع على أكتافها. كما تعرض حال الفلاحين والعمال الذين ذهبوا إلى أسوان للعمل في بناء السد العالي.

تكشف هذه الجوابات، بشكل ما، عن حال مصر في حقبة سطوة الدولة الناصرية بعد ثورة يوليو 1952؛ فهي تمثل تأريخا اجتماعيا لمجتمع وشعب كادح.

يبدو الأبنودي في هذا الديوان مثل شاعر الربابة الذي يحكي سيرة شعبية عن الإنسان المصري في وقت شديد الحساسية؛ فهو لا يعرض التاريخ من منظور سياسي، بل من زاوية إنسانية.

“الجوهرة المصونة، والدرة المكنونة، زوجتنا فاطنة أحمد عبد الغفار، يوصل ويسلم ليها، في منزلنا الكاين في جبلاية الفار.” تبدو هذه الافتتاحية للجوابات شديدة العاطفية، وهو ما يعطي هذا العمل بعدا آخر.

بجانب الأبعاد الاجتماعية والتأريخية والسياسية، يبرز البعد العاطفي؛ فهذه قصة حب عميقة مثل أكبر قصص الحب التي نسمع عنها، لكنها تشبهنا أكثر من غيرها.

شاعريتها لا تنبع فقط من العشق والهيام، بل تستند إلى واقع رجل وامرأة متزوجين، لديهما بنت وولد، ومع ذلك تغمر علاقتهما شاعرية عجيبة من تفاصيل يومية بسيطة. يتجلى الشوق الممزوج بالمرارة عندما تقول فاطنة في ردها على أول جوابات زوجها:”شهرين يا بخيل؟ ستين شمس وستين ليل؟”

قد تبدو الجملة مليئة بالعتاب، لكنها في الوقت ذاته تحمل شوقا وولعا لا يحتمل، كأن حراجي هو الدنيا بنهارها وليلها.

وتقول أيضا:

“في الليل يا حراجي

تهف عليّا ما أعرف كيف

هففان القهوة على صاحب الكيف.

وبامد إيديا في الضلمة ألقاك جنبي

 طب والنبي صح ومش بكدب يا حراجي.”

يمكننا تلمس كمية الشوق التي يحترق بها قلب فاطنة، بل إن هذه الكلمات البديعة قد تبكينا من فرط العذوبة والصدق.

لا تتوقف الجوابات عند هذا الحد، بل تذهب لتخلق أفقا فلسفيا من نوع آخر، حيث نجد مناقشة الاغتراب والفراق، وهو ما يضفي بعدا تأمليا على العمل.

فالرجل المغترب من أجل قوت يومه وقوت عائلته يشعر، بشكل ما، أنه ضل الطريق، والزوجة التي لا تشعر بطعم الحياة، والأبناء الذين يحسون باليتم في غياب الأب، وكأن المال يخسر سطوته أمام الوجود الإنساني.

ترينا “جوابات حراجي القط” حال العمال في السد العالي، وما تعرضوا له من صعاب، كما ترصد أحوال أسرهم، وما يشعرون به من أثر الغياب.

ويمثل تبادل الجوابات شكلا من أشكال التواصل الإنساني، الذي يعبر عن مشاعر الحب والاشتياق والعتاب، وغيرها؛ بينما تبدو هذه الطريقة، في عالم اليوم الإلكتروني، وكأنها أثرية.

“جوابات حراجي القط” هي وثيقة أدبية تؤرخ لمرحلة، وتنشغل في ذات الوقت بالسياسي والاجتماعي، مع طرحها للبعد الإنساني والوجداني، وذلك بشاعرية عالية في لغة عبد الرحمن الأبنودي. إنه عمل إنساني بالدرجة الأولى.

محمود عماد

27 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع