حامد موسى
أنا ولد حزين أكتب القصص الحزينة، وأجد في كتابتها متعة لا أفهم سرها، كأنني، كلما كتبت عن قلب مكسور، هدأ شيء في داخلي، أو صار الحزن أقل حدة حين يجد طريقه إلى الكلمات.
ورثت ذلك الحزن عن أمي، وهي ورثته عن أبيها، جدي الذي لم أره قط. لم تكن له صورة على الحائط، ولم يكن اسمه يتردد كثيرًا في حكايات العائلة، لكنني عرفته من دموع أمي. كان يكفي أن تنطق اسمه حتى يتبدل وجهها، وتذهب عيناها إلى مكان لا نراه.
كانت تجلس قرب النافذة في آخر النهار، تسرح شعرها بمشطها القديم وتحكي. وحين تصل إلى اللحظة التي تنادي فيها أباها، يتغير صوتها، كأنها تعود طفلة في مكان بعيد.
كنت أقوله
يا با
تبتسم قليلًا، ثم تسكت.
كان ينظر إليها وعيناه تفيضان بالدموع، ويتنهد وهو يحدق في الأرض. يقول..
شوفى يابتى إنت دلوقتى بتقولي لي يا با، لكن أنا اتحرمت من الكلمة دي, عمري ما قلتها لأبويا، لأنه مات وأنا لسه جنين في بطن أمي
لم يكن لأمي أن تتذكر هذه اللحظة، كانت تعرفها من حكايات أبيها، لكنها كانت تحكيها كأنها رأتها بعينيها.
دخل جدي إلى الدنيا يتيمًا. مات أبوه قبل أن يولد، بعدما أُرسل إلى الجيش أيام الملكية، ثم ذهب إلى السودان و لم يعد إلا أسما ،خبرًا عن رجل مات في الحرب.
خرج الطفل من بطن أمه، فلم يجد أبًا يحمله أو يسمع بكاءه الأول.
كبر، وفي انتظاره يتم آخر.
كان جده لأبيه قد كتب له فدانًا باسمه لكونه يتيما، فدانًا واحدًا أشعل الغيرة في صدور أعمامه. لم يحتملوا أن تكون لليتيم أرض لا يملكونها، ولا يملكون حرمانه منها.
في ليلة غارقة في الظلام، ساقوه إلى الغيط.
لم يكن ثمة صوت سوى حفيف الزرع تحت الريح. لفوه ببطانية، وانحنت أجسادهم فوقه، يحجبون عنه الهواء والسماء، كأنهم يريدون أن يدفنوه في الأرض التي اختلفوا معه عليها.
لكن ضوء مصباح ظهر من بعيد.
كانت امرأة عائدة من زيارة أهلها، تحمل مصباحها بيد وتجمع طرف ثوبها باليد الأخرى. توقفت، ثم اقتربت، وحين أدركت ما يحدث، أطلقت صرخة شقت سكون الحقول.
هددت الرجال بأنها ستفضحهم في القرية، وتقول إنهم قتلوا ابن أخيهم.
تراجعوا، وتبادلوا نظرات مرتبكة، ثم انصرفوا واحدًا بعد آخر.
بقي جدي ملقى على الأرض، والبطانية إلى جواره.
لا أعرف كيف عاد إلى بيته تلك الليلة. لم تخبرني أمي، لكنني كلما تخيلته، رأيت رجلًا ينهض من التراب، ينفض الطين عن ثيابه، ويمضي وحيدًا، كأنه خرج من قبر لم يكتمل حفره.
كانت أمي أحب أبناء جدي إليه، أو هكذا فهمت من حكاياتها.
لم تكن أكبرهم ولا أقواهم، لكنها كانت الوحيدة التي يصطحبها معه إلى الغيط ليلًا.
لم يكن الليل هناك مخيفًا. كانت له رائحة الطين المبتل والبرسيم الندي، وكانت لمبة الجاز تتأرجح في غصن شجرة، بينما تدور الساقية بأنين طويل، تسكت بعده قليلًا، ثم تعود كأنها تحاول أن تقول شيئًا.
تحت القمر، يجري الماء في الجدول خيطًا فضيًا، وترد الضفادع على أنين الساقية من أطراف الحقول.
أرى أمي طفلة تمشي حافية إلى جوار أبيها. يسبقها، فتسرع لتلحق به، ثم تمسك بطرف جلبابه كيلا تبتعد عنه.
يتركها تدير الساقية، ويراقبها في صمت، كأن وجودها بقربه يعوضه عن شيء ظل عمره كله يبحث عنه.
في البيت، كانت أمها تنتظرهما بوجه عابس. تقف عند الباب، وتنظر إلى الطفلة التي عادت وثوبها ملوث بالطين، تفوح منه رائحة الغيط.
يخلع جدي حذاءه عند العتبة، وتختبئ أمي خلفه.
إزاي تاخد البنت معاك بالليل يا راجل؟ ما تسيبها في البيت أحسن!
يلتفت إليها، ثم يشير إلى أمي، التي تبتسم من وراء ظهره ابتسامة المنتصر.
دي عندي بميت راجل خلي ابنك جنبك يخدمك
لم تكن أمي تفهم سر غضب أمها، ولا لماذا يصر أبوها على اصطحابها. كانت تعرف فقط أن الليل في الغيط أدفأ من البيت، وأن أحدًا لا يستطيع إيذاءها ما دام أبوها إلى جوارها.
وحين يغلبها النعاس، يجلس عند طرف الجدول، ويضمها إليه، ثم يدثرها بطرف جلبابه.
تنام ورأسها على صدره، والساقية تدور، والماء يشق طريقه بين الزرع، ولمبة الجاز تقاوم الظلام بدائرة صغيرة من الضوء.
لم تكن تعرف أن الرجل الذي يحيطها بذراعه عاش طفولته محرومًا من ذراع كهذه. وربما لم يكن يعرف كيف يقول لها إنه، حين يسمعها تناديه «يابا»، يستعيد للحظة كلمة حُرم منها قبل أن يرى الدنيا.
كانت أمي تتوقف هنا كلما بلغت هذه اللحظة من الحكاية.
تنظر إلى يديها في حجرها، ثم تنزل دمعة على خدها.
الله يرحمك يا با
كنت أراقبها عاجزًا عن مواساتها.
كيف أواسي امرأة تبكي رجلًا لم أره؟ وكيف أواسي رجلًا مات قبل أن أولد، لكنه بدا لي، من خلال دموعها، أقرب إلي من أناس أراهم كل يوم؟
في الثانية عشرة، كتبت أول قصة حزينة.
كانت في كراسة مدرسية قديمة، ذات صفحات مسطرة باللون الأزرق. جلست تحت ضوء مصباح خافت، وكتبت عن صبي يتيم يعيش مع أعمامه، ويقضي لياليه يحدث أباه الغائب.
لم أفكر في جدي، لم أستدع حكاية من حكايات أمي. كتبت عن وحدة الصبي وخوفه من الرجال الذين يعيش معهم، وعن باب يظل يراقبه كل مساء، منتظرًا أن يفتحه أبوه ويدخل.
حين انتهيت، أغلقت الكراسة وأخفيتها بين كتبي.
لكن أمي عثرت عليها.
دخلت غرفتي ذات ظهيرة، فوجدتها واقفة قرب النافذة، تمسك الكراسة بكلتا يديها. كان الضوء يسقط على صفحاتها، وكانت تقرأ ببطء، تعود إلى سطر، ثم تنتقل إلى آخر، كأنها تبحث عن وجه بين الكلمات.
لم تنتبه إلى دخولي.
وحين رفعت رأسها، كانت عيناها تلمعان. نظرت إلي طويلًا، ثم ضمت الكراسة إلى صدرها.
الكلام ده..
توقفت، وحاولت أن تبتسم، لكن شفتيها ارتجفتا.
إنت جبته منين؟
لم أفهم سؤالها.
اقتربت مني وأمسكت بيدي، كأنها تخشى أن أفلت منها قبل أن تكمل.
ده كلام أبويا يا ابني
لم أعرف بماذا أجيب.
لم تكن قصتي تحكي عن جدي، ولم أكتب فيها شيئًا عن الساقية أو الفدان أو البطانية. ومع ذلك، كانت تنظر إلي كأنها عثرت في كراستي على شيء ضاع منها منذ سنوات.
جلست على حافة السرير، والكراسة في حجرها. مررت يدها على غلافها وأغمضت عينيها.
لأول مرة، شعرت أن حكايات أمي لا تنتهي حين تصمت. يبقى شيء منها في الغرفة، يمر بين الأشياء ويختبئ في الكلمات التي لم نقلها.
وحين أمسكت بالقلم، خرج ذلك الشيء من يدي، دون أن أعرف اسمه.
كبرت، وظل الحزن يسبقني إلى الأشياء.
كنت أرى الحب في اقتراب قلبين يعرف كل منهما وجع الآخر، فتى يحمل حزنه في عينيه، وفتاة تستطيع أن تقرأ ما وراء صمته.
لم أكن أتصور سعادتهما في غياب الألم، بل في أن يجد كل منهما لدى الآخر مكانًا آمنًا لضعفه.
وحين أستمع إلى عبد الحليم حافظ، كان صوته يفتح في داخلي بابًا وراء الموسيقى. أسمع أمي تحكي، والساقية تئن في الليل، والماء يجري بين الزرع، ورجلًا لا أعرف ملامحه يضم طفلته إلى صدره.
لم أعد أرى جدي يتيمًا نجا من أيدي أعمامه فحسب. رأيته في الليالي التي قضاها مع أمي، وفي طرف الجلباب الذي كان يغطي قدميها الحافيتين، وفي الحنان الذي منحه لها، كأنه يسترد به شيئًا لم تمنحه له الحياة.
لم يصلني الفدان. لا أعرف حدوده، ولا أين كانت تنتهي أرضه وتبدأ أرض الآخرين.
ربما انتقلت ملكيته إلى غرباء، وربما محا الزمن معالمه، فلم يعد أحد في العائلة يعرف الطريق إليه.
لكنني، كلما جلست لأكتب قصة حزينة، عدت إلى الغيط نفسه.
أسمع الساقية، وأرى لمبة الجاز تتأرجح في مهب الريح. أرى أمي طفلة تغفو على صدر أبيها، فيما يمتد طرف جلبابه فوق جسدها الصغير، حتى يغطي قدميها الحافيتين.
أقترب أكثر، فأجد أن طرف جلباب جدى قد اتسع.
لم يعد يغطي طفلته وحدها.
صار يغطي أمي، وأنا، وكل الذين جاؤوا بعدنا، حتى أولئك الذين لم يعرفوا اسمه قط.

















