محمد أسامة
حين نقطع شوطا في قراءة المجموعة القصصية ‘ثلاث نساء في غرفة ضيقة ” للكاتبة المصرية هناء متولي، والصادرة عن دار بيت الحكمة للنشر لعام 2025، نجد أن الشخصيات وما تواجهه من أحداث متخففة من الأطر الزمنية أو المكانية-إما بشكل تام، أو متوارية مندمجة كرمز- مرتبة على نحو يعكس طبيعة المشاعر الإنسانية وصخب تداخلاتها، وبالمثل تعرض مدى علاقتها بالذات بتكوينها دليلا يضعها على طريق في ذلك الصخب يكسب الذات صوتا محددا، في سعي للفهم الخالص، أو على الأقل إدراك الوجود.
❞لأيام كثيرة أفقد علاقتي بهذا العالم، وأيام أخرى متعاقبة أحسُّ أنَّ الوجع الذي يهبط على قلبوب الآخرين هو وجعي الخاص.. ❝
من قصة “فتاة البايبولار”.
ومن خلال بعض الأدوات: الاستعانة بلوحة “فريدا كاهلو” على غلاف الرواية، والمناجاة الموصولة من الكاتبة ل “سلفيا بلاث” خاصة جملة “أكمل طريقي بحبر لا يزال يحمل شيئاً من دفء أصابعك”، تضع الكاتبة أمام القارئ ما يعزز حضور فكرتها، بل ويزيدها قوة. بحيث تكون بوابتها عبر قضية كبرى كالمعاناة مع الواقع من منظور نسوي، لتمثل بالتبعية عبر شعور المواساة والعزاء بين بطلات القصص وبعضهن، خيطا واصلا للمجموعة. فنراه بشكل ضمني في المواجهة المتخيلة في قصة “ثلاث نساء في غرفة ضيقة” بين الكاتب الراحل “محمد البساطي” وبين شخصياته واحتجاجهن على مأساتهن، أو نلتمسه في الترابط بين قصتي “رسائل إلى ميرنا” و”فتاة البايبولار” وتجميعها لصورة أختين وقعا في شرك واحد. وعلى هذا التوالي من وجود المعاناة وإظهار المواساة، يتركز الألم ويصبح متحررا عن سطوة الأنا والزمن، ويصبح بطلا بذاته، معبرا عن نفسه بصورة صافية.
حين ننتقل لطريقة التعبير، ركزت “هناء متولي” في بعض قصص المجموعة على تقديم مساحة للسردية الأحادية، إما بشكل مباشر بإظهار رحلة البطلة مع الوحدة بقصة “سبب مفاجئ للنوم الطويل” أو تصوير ذاكرة البطلة المشوشة حتى السقوط بقصة “سقوط حر”، وإما بشكل ضمني كالاستعانة بفن المسرح بقصة “دموع الكراميل” والاهتمام بتوزيع الضوء والظلام لإظهار مشاعر البطلة، فضلا عن فصل الأصوات السردية عن بعضها بفقرات فرعية، مظللة بوجهة نظر واحدة وجو واحد، كما في مزيج الحسرة والتمني في قصة “حيوات متعددة في جسد وحيد”. حتى يتسنى لكل شخصية إبداء ألمها الخاص وأزمتها الجلية كالشمس، في خط ثابت يبدأ من ميلادها ثم استوائها واشتباكها مع الذات-كلحظة الاحتضار بقصة “أقراص المنوم الخمس- فنهايتها عند لحظة انكشاف المعنى وقد استوى البوح والكتمان ثم التسليم إلى مصير يُخفت صدى الألم-والتي دلت عليه الكاتبة بجملة ❞ يسقط القلم على أرضيَّةِ الغرفةِ دون أن يُصدر صوتًا. ❝ في قصة أقراص المنوم الخمسة- سواء كان بالنسبة لها خلاصا أو إذعانا بالعيش تحت ظلال الواقع المر.
❞ جلس أمام التلفاز ينتظر ظهوره في حلقة مُسجَّلة بإحدى البرامج الثقافية والتي تحدَّث فيها عن الحركة الأدبية وسبل إنعاشها، لم ينتبه للحلقة وتذكَّر (نهى).. وقرَّر أن يكتب قصَّة تقتل طموح تلك السمينة المثيرة ذات النهد المُتحفِّز كما وصفها.. ثلاثون دقيقة قبل الندوة القادمة كافية لكتابة تلك القصة. ❝
ولجعل هذه السردية تسير دونما تشويش، كان لزاما على الكاتبة تكوين صراع يقابل الرؤية المعتادة للواقع والمسلم بها منطقيا، كمعاناة الأم المكلومة والقدر في قصة “رسائل الموتى” وغضبة بطلات شخصيات البساطي بقصة “ثلاث نساء في غرفة ضيقة”، أو الميل إلى القطبية في تقديم الصراع سواء في القصص “أقراص المنوم الخمسة، والبكاء على حافة اليقظة، وارحلي بعيدا يا سمينة، وقط ذكر لقطة وحيدة” أو في النصوص المسرحية “دموع الكراميل”. وذلك حتى تستطيع البطلات هنا في لحظة تعاظم العقدة- باعتبارهن الطرف الأضعف بالقضية- التحايل كوسيلة العاجز بصنع نظرة ضيقة تخصهن لكنها رحبة ببوحهن وأوجاعهن التي يغفلها الحاضر ويطوي عنها الستار.















