تمساح زلزلي يهجو المشهد الثقافي المهترئ

مهدي زلزلي

جهاد الرنتيسي

يفتح مهدي زلزلي في “حكايات رهيف تمساح” الصادرة عن دار فضاءات في عمّان نافذة على تعريفات مفهوم الحكايات، فهي عابرة للأجناس الأدبية، ليست قصة، أو رواية، ويصعب التعامل معها باعتبارها سيرة، لكنها حاضرة في كل ذلك.

جاء في مقدمته أن ما أقدم عليه “ليس سيرة ذاتية” مع الإشارة إلى  احتضان نصوص الكتاب “شخصيات حقيقية بأسماء وهمية” والتأكيد على انه كان “صادقا” في الوقفات التي تضمنها كتابه مما يزيد من حيرة التصنيف، ويستدعي جهدا نقديا أعمق حول الحكاية، وإحتمالات تحولها إلى جنس أدبي .

النصوص المكتوبة أقرب إلى البوح الذي تمخض رؤية الموت بأم العين خلال قصف الكيان الصهيوني لجنوب لبنان “قررت ألا أخاف شيئا إلا إذا كان أعظم من الموت نفسه، وأن أفجر نفسي في ما يسمى الوسط الأدبي، متخليا عن أية مكاسب مستقبلية محتملة قد يأتي بها الصمت عن قول ما رأيته” يقول زلزلي في تلك المقدمة، لكن بوحه ظل ناقصا إذا أخذنا في عين الإعتبار تمويه الأسماء الذي حال دون تحول نصوصه من النقد إلى الفضائحية.

لم يحل النقص الذي خدش روح الإنتحاري التي تلبست الكاتب دون أهمية المكتوب الذي جاء كاشفا لظواهر مرضية استمرأها الأشباه في بيئة لا تتوقف عن إعادة إنتاج الهشاشة وتسطيح الوعي.

يرصد راوي حكايات زلزلي أنماط علاقات الوسط الثقافي بعين المتابع المهموم، يجد فيها  مادة لتفكيك المشهد، لكنه يكتفي بالمشاهدة والتأشير على التشوهات التي تعتريه لتبرئة الذمة، ويترك للقارئ مهمة التحليل.  

يلتقط آليات تصنيع النجومية بسخرية من خلال حكاية “علاء الشيخ” الذي يتولي تصحيح نصوصه وارسالها الى الصحف والمواقع الثقافية، يفاجأ بتحول صاحب النصوص المتهالكة الى نجم يتسابق التلاميذ على التبرك به، يختتم رهيف تمساح حكايته بقول إبنته المتأثرة بنجومية الكويتب “كم أنا فخورة بك يا بابا، متى سيأتي الغد كي أخبر زميلاتي في المدرسة أن أبي يعرف علاء الشيخ بصورة شخصية” ليظهر المتلقي ضحية لنظام متكامل من التزييف.

لا تبتعد حكاية “ملك الصوفي” عما طرأ على علاء الشيخ، فقد تحول وجودها في كل محفل ثقافي على امتداد الوطن من شماله إلى جنوبه لقدر محتوم رغم تدني مستوى كتابتها وضآلة نتاجها ولا تتورع عن إتهام منتقديها بالغرور.

العلاقات العامة أحد أركان ذلك النظام، تلقي ظلالها على خارطة الخراب الممتد، ولها تجلياتها المتشعبة في المشهد، بدء بالدعوات والأضواء، ومرورا بالجوائز التي تطفئ انوارا وتضيء أخرى.

كانت مجاراة الدعوات والأضواء التي تتيحها العلاقات العامة سببا في كتابة “أليسار كساب” الشاعرة  التي أدمنت ركوب الطائرات قصة قصيرة للمشاركة في أحد المؤتمرات، ولم تقترب من هذا الجنس الكتابي لاحقا، مما أتاح لمتابعيها التندر على تحويلها الكتابة القصصية إلى تأشيرة سفر.

في إحدى حكاياته ينقل رهيف تمساح عن كاتب عربي كبير أن من سيئات الجوائز قدرتها على منح الفائزين حماسا وزخما للمواصلة يحبطان الخاسرين ويدفعانهم إلى الإنكفاء وفقدان الثقة بموهبتهم “على الرغم من أن سبب إستبعاد أعمالهم قد يكون مرتبطا في أحسن الأحوال بذائقة المحكمين الشخصية إن لم يكن مرتبطا بعوامل أخرى” أكثر بعدا عن المعايير الفنية .

تفقد مراجعات الكتب معياريتها في نظر رهيف تمساح “لما كنت قد إعتزمت كتابة المراجعة، فانني لن أتراجع عن ذلك لو إنقلب محتواها إلى نقيض ما نويته من تشجيع ودعم، وباتت كتابتها بالنسبة إلي تحمل معنى تعويض المال الذي صرفته والجهد الذي بذلته والوقت الذي اهدرته في قراءة الرواية، وإن كان الوقت لا يعود، والمراجعات تنشر من دون بدل مادي، ولكنه تعويض معنوي على الأقل وإنصاف للأدب ذاته” لكن الأمر لم يخل من صدمة “الحق أن مستوى كتابة الرجل السردية لم يكن قد تطور قيد انملة، وقد خرجت مع قراءة روايته الثالثة بانطباع ستثبت لي الأيام صحته وهو أنه لم يقرأ رواية واحدة” قبل الشروع في كتابة رواياته.

لا تبتعد العلاقات الداخلية في النوادي الثقافية المفترض أن ترتقي بالذائقة والمستوى الإبداعي عن هذه المناخات فـ “لم تكن الهيئة هيئة بالمعنى المعروف، يحتاج اعضاؤها إلى إنتخاب وتثبيت عضويتهم ببطاقة إنتساب، كان الأمر برمته عبارة عن إتفاق شفهي بين عدد من الأشخاص على التعاون في تسيير شؤون هذا المرفق تطوعا، ولكنه كان يستلزم الإجتماع والتنسيق ووضع خطة عمل واضحة بطبيعة الحال” والمفارقة أن رئيسة اللجنة الثقافية “اختفت تماما بعد أن نالت ما تبتغيه واستفادت من منصبها الجديد مرتين، مرة بوصفها روائية بارعة ومرة بوصفها ناقدة لا يشق لها غبار” مما يضع علامات استفهام على الجدوى.

يعزز الإعتقاد بغياب جدوى هذه الأندية تحول الأنشطة الأدبية إلى كرنفالات للتطبيل للكاتب الضيف، وغياب مساحة النقاش النقدي الجاد حول العمل الأدبي وهي سمة تكاد أن تكون طاغية على الفعاليات الثقافية.

ينتقل الحكاء في إحدى حكاياته إلى أثر الحياة الأكاديمية على الإبداع، حيث تتحكم مزاجية الأستاذ الجامعي في تطبيق الشروط الأكاديمية على الأعمال الأدبية التي يمكن إستخدامها مادة للبحث في رسائل الماجستير والدكتوراة.

ما يمكن تسميته بالإعلام الثقافي جزء من الخلل، يتوقف عنده رهيف تمساح في حكاية أخرى، فهو يستغرب “إستسهال محاورة كاتب حول كتابه من شخص لم تتسن له قراءة كلمة واحدة من الكتاب ولا يعرف شيئا عنه سوى عنوانه وصورة غلافه، وملء وقت الحوار بأسئلة أقرب إلى التكهنات والاستنتاجات والتصورات الساذجة حول العنوان والغلاف” مما يعني وصول النتاج الثقافي مسطحا الى القارئ.

المتلقي شريك ضمني في حالة الخراب التي ينبشها رهيف تمساح خلال رصده لمنظومة العلاقات في المشهد الثقافي حيث “يحمل زوار معارض الكتب إصدارات أصدقائهم من الكتاب، يلتقطون صورا لها في قبضاتهم، أو مستلقية في أحضانهم تحت الوجه المبتسم مباشرة، قبل أن يعيدوا الكتاب إلى مكانه على الرف ويرسلوا الصورة إلى الكاتب لإرضائه وإيهامه بتحقيق ما أراده لكتابه من الإنتشار، من دون أن يتكبدوا كلفة تتجاوز إمكانياتهم المتواضعة المخصصة لزيارة المعرض” ولا تخلو الممارسة من خداع للمبدع والمتلقي حين يتم نشر الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تأخذ صناعة الخداع شكلا آخر، مشفوعا بالعلاقات الإجتماعية، يسميه رهيف تمساح بالقراء  الوهميين الذين  يحضرون الحفل لحبهم للكاتب وليس الكتاب، وقد تفضي مثل هذه الممارسات الى إنخداع الناس بالكتّاب باعتبارهم الفئة الراقية مما يصيبهم بالصدمات في وقت لاحق.

يضيق الهامش بين الأدب والسياسة في كثير من الأحيان، وقد يتلاشى حسب ما توصل اليه رهيف تمساح بقوله “في الأدب لا يختلف الوضع كثيرا عن السياسة، فهذا الشاعر يهجو الرواية في الثمانينيات ليعود ويدخل جنتها من باب ضيق في التسعينيات بعد أن غدت قبلة الناشرين والقراء ومنظمي الجوائز السخية فاكتشف أنها فن عظيم، وذاك راوئي شاب يكتب بانسحاق عن حلمه بأن يقرأ له أستاذه فلان، ثم يشارك في هجاء الأستاذ ذاته بعد سنوات قليلة كانت كافية كي يرفعه تطور موهبته درجة ومهارته في العلاقات العامة درجات” ولا يخلو الأمر من طغيان الفرز السياسي على القيمة الثقافية.

يطفو التداخل بين السياسي والثقافي على السطح بأشكال اخرى في ظل ثورة الاتصالات حيث يتحول الناقد الفني الدنيء بقدرة قادر الى محلل سياسي، وتنتقل الغشاشة في الجامعة التي صارت من نجوم الوسط الأدبي الى الحراك الشعبي الناقم على الفساد لتصدر أحكامها الأخلاقية على الآخرين.  

يكتمل مشهد الخراب الثقافي الذي يعاينه زلزلي من خلال حكائه الوهمي بظهور الذكاء الصناعي الذي حوّل الحاج رضا الأعور الى مفكر يحاول توسيع انتشاره من خلال البحث عن كتّاب مأجورين.

القى مهدي زلزلي من خلال حكائه رهيف تمساح بحجره في البحيرة، وترك مسافات بين سطور الحكايات التي غرفها لهجاء مشهد ثقافي مهترئ، تخفي الكثير مما يمكن البحث عنه واكتشافه، وتفتح هامشا للنبش في خبايا بنى إجتماعية وعمق ثقافي مشوب بالرداءة.

 

 

 

  

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع