«تلابيب ليبية»: الكتابة في مواجهة الفشل

تلابيب ليبية

طاهر الفراح

يصعب تصنيف إلى أي نوع ينتمي «تلابيب ليبية» لسعد العشة الصادر عن دار وزيز. قد يكون أقرب وصف له أنه كتابة تجريبية تجمع بين أمور عديدة، من السيرة الذاتية إلى القصص القصيرة، وترجمات الرسائل، واليوميات والمقالات النقدية. تقدم دار وزيز نفسها على أنها دار غير تقليدية، ويتضح ذلك من تبنيها لمشاريع خارج التصنيف العام وذات طابع فني وتجريبي، بالتالي فإن إصدارها لكتاب العشة غير مستغرب، فالكتاب أصدره المكان المناسب. هذا النوع بالتحديد يحمل الكثير من الجرأة والمخاطرة كونه لا يتتبع موضوعًا واحدًا، والسرد غير خطي أو منظم، ويستخدم الكاتب فيه أساليب غير مباشرة لإيصال أفكاره، وهذا منعكس جدًا في فصول الكتاب. بعضه يبدو متماسكًا وذا معنى محدد، والبعض الآخر يبدو غامضًا وربما أكثر ذاتية. لذلك أجد أنه من المناسب عرض الكتاب على أنه انعكاس لهواجس وهموم العشة نفسه التي تتكرر عبر الفصول بصور مختلفة.

البحث عن سينما مفقودة

يتابع الطفل ذو الخمس سنوات مع أخواله شاشة التلفاز وهو مذهول، والأسئلة لا تتوقف في عقله، هكذا هو سحر السينما في المرة الأولى. المعروض لم يكن فيلمًا عاديًا بل ما سيحفر في ذاكرته إلى الأبد، وهو فيلم «The Terminator» لم يكن الطفل يعلم بعد أن هذا السحر سيشكل له في المستقبل خيبة أمل. ماذا يمكن أن يفعل الإنسان عندما يكون الفشل أمرًا محتومًا عليه منذ الولادة في بلد بلا حاضر ولا مستقبل؟ بيروقراطية حولت الصناعة السينمائية إلى أدوات بروباغاندا، ومؤسسات تعليمية متهالكة تلقّن بدل أن تعلّم، وسينمات ودور عرض انهارت وتحولت إلى ركام أو إلى مقاهٍ ومطاعم، وأرشيف دولة كامل مفقود أو منهوب، لا أحد يعلم ولا فارق في الحالتين. هكذا يصوّر العشة واقع السينما الليبية و يختار العشة أن يقاوم ذلك بتصوير فيلمه الوثائقي وأن يكون موضوعه هو رحلة البحث عن هذا الأرشيف الضائع. هذا التوثيق نفسه يحمل مفارقة فلسفية، كيف توثق ما هو أصلًا غائب؟ لم يأبه العشة بهذا التناقض واستمر في بحثه. مآلات هذا البحث تتلخص في هذا الاقتباس القاسي لأي سينمائي أو مشتغل بالفن: ❞ لكن من حاورناهم جميعًا لا حول لهم ولا قوة فيما خص «البحث عن الستة». يخبرني صلاح قويدر أنه لا يعرف مكان نيغاتيف فيلمه الأول. كذلك يخبرني الزروق أنه لا يملك نيغاتيف فيلم واحد من أفلامه الطويلة. ❝

قد يكون الاستثناء الوحيد من هذا العبث أن الفيلم صُوّر وخرج للنور وشارك في عدة مهرجانات. يستخلص العشة من تجربته أسباب فشل السينما في ليبيا، ومردها ليس الصنّاع أنفسهم، ولكن أن أسباب ازدهار السينما نفسها غير موجودة، دولة لا تقوم بواجبها في دعم الصناعة، وشعب غير مهتم وأغلبه لا يزال يرى في السينما تابو محرّمًا.

رسائل من تاريخ مفقود

يتنقل العشة بين ذكرياته ويومياته في فصول عدة متفرقة وغير متسلسلة كمن يحاول أن يلملم شتات هذه الذاكرة، تارة يبحث عن عمه المتوفى في الحرب وتارة عن يومياته هو نفسه عن حرب طرابلس. تتوسط هذه الذكريات ست رسائل غامضة بلا مصدر ولا يربطها سوى أن مرسليها ليبيون. تمتد هذه الرسائل على ستة تواريخ (1916، 1973، 1986، 1998، 2006، 2014). يمكن أن نفهم الرسائل على أنها تمثيل لحالة الغربة الليبية، فهذه الرسائل مرسلة لعدة دول، والليبي فيها يشعر دائمًا بالغربة والشك أينما استقر. في الرسالة الأولى مثلًا يصر المرسل من بريطانيا على تأكيد قلقه وعدم يقينه من الحالة التي ستؤول إليها ليبيا بعد الحرب العالمية الأولى، ثم يكرر شكه فيما إذا كان الليبيون سيتحررون من الاحتلال الإيطالي، وتنتهي الرسالة بالشك في مصدر الشغف الذي يدفع المرسل للاستمرار في ممارسة مهنته كمدرس للغة العربية في بريطانيا. تتسلل السينما إلى الرسائل كلما تقدمنا في الزمن، من خلال تشبيهات لأفلام وإحالات لمخرجين، وتُستخدم السينما للتعبير عن حالة التشتت التي يعيشها هؤلاء الليبيون. ففي رسالة 1998 من بنغازي يستعير المرسل من فيلم بريسون L’Argent صورة اليد المعزولة والفأس المعلّق ليصف بهما ألمه الشخصي وحاجته لمراجعة ماضيه، وكأن السينما هي اللغة الوحيدة التي تفهمه وتصف ما يمر به. في الرسالة الأخيرة ينكسر خيط الغموض، وتدخل الأسماء إلى الصورة، حمزة ورائد، ومع اقترابنا من الزمن الليبي المعاصر والثورة وما بعدها، هنا يختفي الخيال وندخل في صلب الواقع، كهرباء مقطوعة، وسيولة مفقودة، وانعدام الأمن والأمان، حتى السينما يبدو أنها اختفت من الواقع المعاصر. يمكن أن يفسر ما فعله العشة على أنه حقيقة أدبية بالمعنى الذي قدمه الناقد بيير بايار في كتابه «كيف نتحدث عن وقائع لم تحدث»، حيث تأخذ الحقيقة معاني عديدة وأغراضًا أدبية مختلفة. في حالة العشة، القصد ليس خداع القارئ، ولكن في غياب أرشفة وتأريخ فعليين لتلك الفترة لا يتبقى سوى الخيال الذي لا يمكن فصله فعليًا عن الواقع. بالتالي، فالرسائل الخمس المجهولة ليست كذبًا بل اعترافًا ضمنيًا بأن كل ما تبقى من هذه الحقب هو تخييل معقول يسد فراغ وثيقة مفقودة، والرسالة السادسة هي الوحيدة التي يمكن الادعاء بموثوقيتها لأنها تصور واقعًا لا يزال معاشًا ولم يغب عن الذاكرة الجمعية إلى الأرشيف.

الكتابة والسخرية كمنفذ

في أحد الهوامش ينقل العشة بعض التعليقات الساخرة من فيلمي «تاقرفت» و«الشظية» التي حُذفت من فيلمه «السينما ولا شيء بسواها». هذه السخرية لا تقتصر فقط على الهوامش المتكررة أو الجمل الاعتراضية داخل النص نفسه، ولكنها تمتد لفصول بعينها. يخصص في ذلك فصولًا وملاحق يعيد فيها العشة، بأسلوب ساخر وفاضح إن صح التعبير، رواية السيرة الهلالية باللهجة العامية. تزيد هذه السخرية من عبثية الواقع الذي يصوره العشة، لكن في نفس الوقت تكسر الجدية التي كان من الممكن أن تحول الكتاب إلى تراجيديا شخصية، عدا عن أنها تدفعنا للتصالح مع واقع ليس بأيدينا تغييره. وربما أقرب وصف لنوع السخرية الذي يقصده العشة هو مقولة تشارلي تشابلن «الحياة مأساة في اللقطة القريبة، لكنها كوميديا في اللقطة البعيدة». في الفصل الأخير يأخذني العشة لأبعد لقطة ممكنة، فيلم سريالي عن الاحتلال الليبي لإيطاليا، هكذا في فيلمه الذي لم يكتمل ليكمل مسيرة الفشل السينمائية في ليبيا، يرسم العشة صورة متخيلة وساخرة يعيد فيها ترتيب التاريخ، مستعينًا ببونويل، مشهد لليبيين وهما يرسمان خريطة ليبيا وهي تشمل إيطاليا، ورجال يمثلون أدوار نساء، وفي ختام الفيلم يثور الإيطاليون ويقتلون جميع الليبيين في معسكر الاعتقال. وفي النهاية حتى هذا الانتقام المتخيل يتعثر ولا يكتمل إنتاجه لتتصل دائرة الفشل.

ربما لا يتضمن «تلابيب ليبية» رسالة واضحة أو معنى واحدًا، بقدر ما أنه يعود إلى هاجس الفشل بأشكال مختلفة: أرشيف ضائع، وذاكرة مشتتة، ورسائل تحاول سد فراغ التاريخ، وصناعة سينمائية تعجز عن الاستمرار. تبدو هذه العناصر المتفرقة وكأنها تعود في النهاية إلى معضلة واحدة، وهي كيف يمكن للمرء أن يكتب ويوثّق ويصنع الفن في بلد تتعثر فيه المؤسسات وتضيع فيه الذاكرة؟ لا يقدم العشة إجابات مباشرة، بل يترك هذا السؤال يتكرر بين فصول الكتاب وحتى في محاولاته الساخرة لإعادة تخيل التاريخ. وربما تكمن المفارقة في أن الكتاب نفسه، بما فيه من تشتت وتجريب وتعثر، يصبح محاولة لمقاومة هذا الفشل، حتى إن لم ينجح في تجاوزه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع