حاتم مرعي
عن بيت الحكمة للثقافة صدرت مؤخرا رواية حارس الطابية للكاتبة عفت بركات والتي تندرج تحت مسمى روايات المغامرة والتشويق ذات البعد المعرفي ضمن الفئة التاريخية. يتميز هذا النمط الأدبي بتركيزه على فئة عمرية وسيطة بين الطفولة المتأخرة والشباب؛ حيث تكون الشخصيات الرئيسة في نفس المرحلة العمرية تقريبًا.
وتبدأ مقاربة النص من عتباته الأولى إلى بعد أثري وتاريخي مرتبط بالدفاع عن الذاكرة حيث يحيل العنوان “الطابية” كحصن عسكري قديم وهو تناص فلسفي صريح لتكتمل العتبة بالشعار الذي اتخذه الأبطال لصفحتهم الإلكترونية “اعرف نفسك” وهو الحكمة السقراطية القديمة ليعطي إشارة إلى أن رحلة البحث عن القلادة هي رحلة بحث عن الهوية والذات في آنٍ واحد. وهنا برعت الكاتبة في رسم الفضاء المكاني وتوظيفه كعنصر فاعل في النص ولم يكن مجرد خلفية للأحداث، فرحلة سندباد الولد العماني للبحث عن إرث جده المفقود مرت بمحطات أثرية وتاريخية هامة في مصر، بداية بقصر البارون ، وصولاً إلى منطقة “الطابية” في قرية البرج في مزجٍ يحول الرواية من مجرد سرد ترفيهي إلى وسيلة لتعميق الوعي الأثري والجغرافي لدى القارئ اليافع من خلال انتقاله بين حيوية العاصمة وتاريخها ، ثم عراقة الإسكندرية وتفاصيل معالمها الأثرية، وصولاً إلى البيئة الساحلية ذات الخصوصية لقرية “البرج” عند مصب نهر النيل.
عبقرية المكان
الملفت في سرد الرواية الوصف الدقيق للأماكن ولأن الكاتبة ابنة مدينة “البرج” فجاء الوصف دقيقا لتدخل القارئ منطقة الأحداث بيسر كما جاء في وصفها لما يحدث من انتهاكاتٍ لبحيرة المنزلة المطلة على المدينة وما تتعرض له من لصوص ” الزريعة”- الأسماك الصغيرة، ووصفها للطابية تلك المنطقة الأثرية المهملة ووصفها من الخارج والداخل كأننا نعيش معها. وصفت الكاتبة بدقة حياة أهل البرج المرتبطة بالبحر، من صيد، وتعليب أسماك، وغزل الشباك، وصناعة المراكب، وسلطت الضوء على طقوس محلية فريدة مثل “يوم الكرنفال” (فترة حظر الصيد السنوية للحفاظ على الثروة السمكية) هذا التوظيف يساهم في نقل ثقافة المكان ويجذر الهوية المحلية لدى القارئ.
الرواية تقدم وجبة معلوماتية تاريخية عن الأماكن مثال تشييد عمود السواري وتاريخ تسميته، “مدينة البرج الساحلية وعادات أهلها وتفاصيل حياة الصيادين، تشريح الطابية ووصف المكان من الداخل والخارج بصورته الحقيقية التي عليها بالفعل بأسلوبٍ سردي مشوق.
براعة السرد
طرحت الرواية بُعداً عروبياً من خلال العلاقات الإنسانية التي تجمع بين عائلتين من بلدين شقيقين (مصر وعُمان) هذا الرابط يتجاوز الصداقة الفردية ليتقاطع مع التاريخ المشترك؛ حيث تُعقد مقارنات أثرية وتاريخية بين الآثار الرومانية في عمان وآثار “تامياتس” (دمياط القديمة)، مع الإشارة إلى دلالات الأسماء مثل مدينة “فيلادلفيا” (عمان قديماً) ومعناها المتمثل في الحب الأخوي.
تميزت لغة عفت بركات بالبسَاطة الواعية المناسبة لجيل اليافعين دون الوقوع في السطحية؛ فالرواية محملة بقيم إيجابية كالشجاعة في مشهد انقاذ السيدة من اللص، والاندفاع العفوي عند التدخل في حادثة عمود السواري. والترابط الأسري المتمثل في دور الجد الداعم للأبناء. كما نجحت في تقديم نص يحترم عقلية المراهق الذي يتعامل مع التكنولوجيا والشبكات العنكبوتية؛ فلم تقف الرواية موقفا معاديا للتكنولوجيا بل جعلت من وسائل التواصل الاجتماعي محركا ايجابيا للبحث المعرفي وتوثيق التاريخ وتبادل الثقافات بين الشباب العربي.
لذا تُعد “حارس الطابية” نموذجاً مميزًا في كتابة أدب اليافعين المعاصر، لقد استطاعت الكاتبة عبر هذا النص أن توازن بكفاءة عالية بين متعة الحكاية وتشويق المغامرة، وبين الرسالة الوطنية والمعرفية التي تهدف إلى ربط النشء بجذورهم التاريخية وبمحيطهم العربي.
في رصد تفاصيل الحياة اليومية للصيادين عند نقطة التقاء النيل بالبحر قدمت الكاتبة رصدا سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا دقيقا للبيئة من خلال حبكة اتخذت شكلا دائريا يبدأ من الفضاء الرقمي “الفيس بوك” ونهاية بالواقع الملموس بعودة سندباد إلى وطنه بعد انتهاء المهمة؟
اعتمدت الكاتبة على ألية التشويق القائم على لغز نصف القلادة المفقود لتبرز القيمة الأكاديمية للحبكة في توظيفها للتناص الرمزي والثقافي من استدعاء لرمز الرحالة العربي المغامر السندباد وتجسيده في صورة شاب عماني معاصر يبحث عن روابطه التاريخية في مصر رمزية واضحة للوحدة والتكامل فنصف القلادة في عمان ونصفها في مصر ولا يتضح اللغز إلا بالتقائهما وهو اسقاط سياسي ثقافي ناضج حول حتمية الترابط العربي لكنها تأخذنا إلى الرغبة في الوصول إلى نهاية الحكاية التي جاءت مفتوحة لتترك الباب مواربا لتخمينات القارئ، هل ستكتمل القلادة وماذا سيحدث فيما بعد؟
في الختام
تُعد “حارس الطابية” أطروحة سردية متميزة في أدب اليافعين، لتبرهن على أن هذا الفن لا يقل أهمية أو تعقيداً عن أدب الكبار. نجحت خلالها عفت بركات في صهر البيئة التاريخية والجغرافية والتكنولوجيا في بوتقة سردية واحدة، منتجةً نصًا يرسخ الهوية الوطنية والقومية بوعي جمالي وتربوي رفيع، مما يجعل الرواية جديرة بالدراسة والتعميم القرائي، والإشادة النقدية والأكاديمية كنموذج رائد في مجالها وتأتي الرواية لتقدم نموذجا تطبيقيا واعيا يحاول ملء الفراغ السردي عبر نص يتكئ على جدلية الواقع الافتراضي والمحلي القومي مستهدفا هذه الفئة العمرية الوسيطة بأليات جذب تشويقية على تصنيفها الدقيق ومدى نضج أدواتها الفنية كما حافظت الكاتبة على سلاسة التعبير المناسبة للمرحلة وبين رصانة اللغة وتحويل المادة التاريخية الجغرافية الجافة إلى مادة سردية مشوقة واحترام ذكاء اليافع حيث لم تقدم له عالما مثاليا بل عالما واقعيا مليئا بالأحداث والمفارقات الحياتية التي قد يتعرض لها؛ فهنيئا للكاتبة ولبيت الحكمة.











