بين الفقد والعطاء: العالم الإنساني في “الموتى لا يحتسون قهوة عزائهم”

أحمد المسيري

تُقدم المجموعة القصصية “الموتى لا يحتسون قهوة عزائهم” للأديب “إيهاب القسطاوي”، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، نموذجاً مختلفاً للقصة القصيرة، ليس فقط لأنها تبتعد عن البناء الدرامي التقليدي، أو تسعى إلى حبكات محكمة وتصاعد درامي معتاد، بل لأنها تنحاز إلى شكل أكثر هدوءاً، يُقدم لحظات إنسانية قصيرة تلمس واقعنا المُعاش، وتنحاز إلى نوعية النصوص التي تقوم على الحالة أكثر من الحدث، ما يمنحها خصوصيتها، واختيارها الجمالي، الذي يجعل القارئ يتوحد مع كل قصة باعتبارها حالة إنسانية خاصة به، تبدو في ظاهرها مواقف حياتية بسيطة لكنها محملة بأحاسيس عميقة تجمع بين الفقد والعطاء.

الفقد في هذه المجموعة القصصية لا يُقدم كلحظة صادمة، بل كحالة مستمرة تحيط بالشخصيات دون أن تفرض نفسها كحدث محوري، وفي داخل هذا الإطار تظهر تيمة العطاء، لا بوصفها فعلاً بطولياً أو قيمة أخلاقية، ولكن كاستجابة إنسانية طبيعية، وأحياناً مرتبكة لمحاولة التعايش مع الوحدة والغياب.

الفقد والعطاء: حركات داخل كادر واحد

في كثير من القصص، يبدو الفقد كأنه خلفية ثابتة لا تتغير، بينما تتحرك بداخلها التفاصيل والشخصيات، ففي بعض القصص التي تستخدم تيمة الفقد سنجد أننا لا نواجه لحظة صدمة أو انفجار درامي، بل نرى شخصيات تعيش بعد الفقد لا أثناءه، فالكاتب لا ينشغل بلحظة الغياب نفسها بقدر اهتمامه بما تتركه في الحياة اليومية، في الوحدة، الصمت، الروتين، وفي الإحساس بأن الزمن يستمر في الحركة، بينما تظل الروح عالقة في مكانها، من هنا يتحول الفقد من مجرد حدث إلى حالة مزمنة، وجزء من إيقاع الحياة.

في مقابل هذا الفقد بمناخه المثقل، تظهر لحظات من العطاء أشبه بالمشاهد الجانبية، ولكنها شديدة الدلالة في بعض القصص القصيرة المؤثرة، فلا نجد في هذه القصص أفعالاً كبيرة أو مواقف بطولية بل تصرفات إنسانية بسيطة، قد تمر في الحياة الإنسانية المعاشة دون أن تلفت الانتباه، فالعطاء هنا لا يُقدم كموقف أخلاقي بل كحركة هادئة داخل المشد، وكأن الشخصية تحاول فقط أن تؤكد حضورها الإنساني، وأن تقول أنها ما زالت ترى الآخر، هذه الأفعال لن تغير العالم، لكنها تمنحه قابلية للاستمرار.

كما تناقش بعض القصص زاوية أخرى أكثر واقعية للعطاء حين يتحول إلى عبء، وحين تعطي الشخصيات أكثر مما تتحمل، فتخسر نفسها وهي تحاول إنقاذ غيرها، وهنا يصبح العطاء الغير منضبط شكلاً من أشكال الإذاء الذاتي، ليس فقط كنتيجة لشر العالم واستغلال البعض، بل لغياب الحدود بين العطاء لمن يستحق ومن لا يستحق، وبين مساعدة الآخر وحماية الذات.

اختبار الهشاشة والإنسانية

تقترب بعض القصص من مناطق شديدة الحساسية، حين يصبح الطفل ضحية لصمت الكبار، وجسد المرأة ساحة للاستغلال، والقرارات تُتخذ تحت ضغط لا يترك مجالاً للاختيار، وحين ندرك أن الحرية قيمة عليا تستحق المجازفة أياً كانت العواقب، بينما يصبح الانتظار بحد ذاته بطلاً، فيصوره الكاتب كحالة عامة يعيشها الجميع دون يقين بما سيأتي،  كما ينتقل الكاتب إلى منطقة أخرى رمادية، ينكشف فيها الإنسان في أكثر حالاته هشاشة، حين يتحول الفضول والمراقبة إلى تجربة إنسانية حية تعكس الشعور بالغربة والحنين، وتتحول الدُمى والأقنعة إلى امتداد لذات إنسانية مقيدة، وصراخ مكتوم لا يسمع صداه إلا صاحبه، ويصبح البوح الصامت بديلاً للعجز.

الكاتب لا يلجأ إلى الصدمة المباشرة، بل يسرد هذه المشاهد ويجعلها تمر بهدوء مما يجعلها أكثر قسوة وتأثيراً، وفي النهاية لا تقدم المجموعة حلولاً أو نهايات مريحة، بل تُبرز الحالة الإنسانية في أبسط صورها، بين فقد وعطاء، بين ثقل الوحدة وانسياب العمر سريعاً، حيث يبقى الإنسان رغم كل القيود والألم حياً بما يكفي ليشعر، ويمنح، ويصمد في صمت، حتى يمضي زمنه.

……………………

*كاتب وناقد سينمائي مصري

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع