بلاغة الاتصال في ديوان “الوحوش دخلت البيت” للشاعر كريم عبد السلام

د. مصطفى الضبع

القصيدة خطاب والخطاب قناة اتصال، والشاعر يجتهد في تشكيل خطابه وفق بلاغته وقدراته على التوصيل، الاتصال عملية جمالية تعمل على توظيف البلاغة لصالح نجاحها في التواصل مع متلقيها،

والشاعر في حالة دائمة من التجريب، تجريب أدوات اتصالية تعتمد بالأساس على المادة الوحيدة المتاحة له، اللغة التي يروح يشكلها منتجا منها أسلوبه الجمالي، ذلك الأسلوب القادر على المنافسة أولا، فهناك آلاف غيره يستخدمون المادة نفسها، لذا فإنه في حالة دائمة ودائبة من الإنتاج المتميز، وهنا يتجلى دور البلاغة بوصفها وسيلة اتصالية فعالة وذات قدرة على إقامة عملية اتصالية ناجحة.

يتفاضل الشعراء والكتاب بما يتمكن به كل منهم من إدارة اللغة وإنتاج تراكبيها وصورها وأساليبها، وبالجملة بقدرة كل منهم على تحقيق عملية اتصال ناجحة، ليس فقط لمجرد توصيل المعنى أو الرسالة بقدر ماهي عملية اتصال ذات طبيعة جمالية تجمع بين قوانين اللغة والجمال وقواعد الفن ، والشاعر يوظف كل ذلك لإنتاج قوانينه هو ، بحث تتجلى قوانين اللغة وقوانين الفن وغيرها من القوانين الجمالية لتبدو القصيدة كأنها تنتج قوانينها من داخلها لا من خارجها ، وكل كتابة لا تستطيع إنجاز قوانينها كتابة لا يعول عليها ، وتفقد كثيرا من مقدرات جمالها ومعطيات فنها. 

الوحوش دخلت البيت

في ديوانه ” الوحوش دخلت البيت” للشاعر كريم عبد السلام الصادر عن  مؤسسة يسطرون بالقاهرة 2026 ، تحقق النصوص قوانينها عبر نظامين:

–    نظام فردي تعم القصيدة فيه على إنتاج قوانينها الجمالية.

–    نظام جمعي تتشارك فيه النصوص لإنتاج قوانين العمل مجتمعة، والقوانين في جمعيتها تستمد قوتها من القوانين الفردية ، حيث تكون بمثابة العناصر المؤهلة للاتساق في دائرة أوسع .

ويكون اعتماد الشاعر على طرح عدة تقنيات جمالية في قصيدة واحدة ممهداً لتقديم التقنيات الكبرى لتجربة الشاعر ، فهناك نص يعتمد السرد ، وهناك نص يعتمد السرد خارج النص ، وهناك نص يعتمد التناص ، وهناك نص يعتمد الاستدعاء من التراث، وهناك نص يعتمد أسطرة الوجود، وهناك نص يعتمد المونولوج، وغيرها من التقنيات التي ينفرد كل نص ببعضها أو بواحد منها

في النظام الأول يمكن مقاربة النص من حيث هو كيان قائم بذاته، له لغته الخاصة وله علاماته القادرة على توجيه أفق تلقيه، والنص هنا يقدم مجموعة من العناصر التي تقدم بلاغة اتصالها بمتلقيها، مثال على ذلك النص صاحب السطوة النصية ( لكون عنوانه تصدر عنوان الديون محتلا المساحة الأبرز في الديوان) ويكاد اختياره يشير إلى كونه وما يتضمن من مفاتيح لقراءة عالم التجربة بأكملها.

” الوحوش عادت من العمل

ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية

وتناولت العشاء مع العائلة

ثم جلست أمام التلفزيون”

هكذا يستهل النص بجملة تتأرجح بين شفرتين مجازيتين ، انطلاقا  من مفردة ” الوحوش” ، الشفرة الأولى كونها حقيقة مما يجعلها على سبيل الاستعارة المكنية ( تشبيهها بإنسان ) و تكون الأفعال التالية (ساعدت – تناولت – جلست ) بمثابة تقوية لطاقة الاستعارة ، والشفرة الثانية تقوم على كون الوحوش استعارة تصريحية عن بشر يمثلون نوعا من الاحتلال للأسرة ومقدراتها ، وهو ما يحاول النص أنسنتها بقدر ما حين يطرح عودتها من العمل كونها تعود عودتها الطبيعية مما يؤهلها لأداء واجباتها التقليدية مع الأسرة .

هنا تعتمد الصورة على علامة أساسية ( الوحوش) بوصفها علامة لها مرجعيتها في ذهن متلقيها ، ويكون عليها بعد ذلك أن تضع لها قانونها الخاص عبر الاستعارة أو عبر الشفرة المجازية.

والتقنية نفسها تتحقق عبر عشرات الصور التي تتضمنها القصيدة  الواحدة أو القصائد المتوالية :

” جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة

والنهر قسم الصالة نصفين”

فتوالي الأحداث هنا على وتيرة متشابهة ظاهريا لكنها حركة في العمق تأخذ المتلقي إلى مساحات متداخلة تأكيدا للشفرة الأولى، وتعميقا للحركات المتوالية التي تجعل المتلقي يتصالح مع المشهد متناسيا شفرة المجاز ومتعاملا مع المشهد في كينونته الجديدة الواقعية أو الحقيقية، وهي لعبة فنية أو تقنية شعرية يمارسها الشاعر مع متلقيه حتى إذا ما توالت الصور أصبح المتلقي في عمق المشهد دون الشعور بالغرابة، فقد نجح الشاعر في ترسيخ الفكرة وتصويرها في ذهن متلقيها.

تحريك الكائنات إلى منطق القصيدة

وعلى شاكلة توظيف الوحوش فإن علامات أخرى طرحها الشاعر للتداول الشعري تمثلت في توظيفه الحيوانات و الطيور وغيرها من كائنات الطبيعة، وهو تداول قائم على معرفة سابقة للمتلقي بهذه الكائنات، مما يجعل المتلقي في حالة من التأهب انتظارا لما ستسفر عنه الصورة الشعرية وما يطرحه النص الشعري، محركا العلامة من واقعها وما تحمله من معرفة خارج النص إلى منطق النص وتعامله معها، انطلاقا إلى المنطقة الثالثة أو ما يسميه بورس المؤول النهائي حيث تستقر العلامة في ذهن متلقيها بوصفه منتج المعنى النصي، مما يجعل من الحية / الحيات، الفهد ، و العصافير والبلابل والنسور ، جسرا إلى المعنى، وهو توظيف دال في سياق النصوص على مدار المدونة الشعرية .

فإذا ما أضفنا لهذه العلامات علامات أخرى إنسانية فإن ثمة انتقالات أساسية في إنتاج الدال الشعري تقوم على مجموعة من التقنيات الشعرية ذات الطبيعة الفنية والجمالية القائمة على إدارة الشاعر للصورة : السرد خارج القصيدة ، التناص ، توسيع أفق التلقي.

والانتقالات تتضام لتشكل في النهاية آلية الشاعر الخاصة في إنتاج الخطاب، و هو ما يبدو عاديا أو مألوفا في الأدب عامة والشعر خاصة، غير أن ما يحسب للشاعر طريقة تضفيره لهذه التقنيات وتدرجها في الإنتاج، على نحو يليق به وبإيقاع القصيدة:

1-   العلامات المستمدة من خارج النص ينبني عليها بقية التقنيات، فالعلامات البشرية في مقدمة العلامات المؤسسة لذلك: كورساكوف، فروست، السياب، المرسي أبو العباس، سان ماثيو، إيزادورا، الأسود بن عفار، عفيرة، جديس، جولييت روميو، جنكيز خان، أوكتاي، عم خليل، عفيفي مطر، محمد سليمان، إبراهيم عبد المجيد، أحمد الشيخ، محمد عيد إبراهيم…..إلخ ، هذه العلامات تحضر في النص متخلية عن سرديتها خارج النص فلكل منها سرديته الخاصة التي يكون هو عنوانها ، والنص إذ يكتفي بالعنوان فإنه يدفعك لمعرفتها خارج النص، و الشاعر حين يمنحك العلامة فإنها يترك لك فرصة البحث عن سرديتها.

2-   البحث عن السردية عملية أساسية للوصول إلى التأويل، مما يفتح لك طريقا للمعرفة، فلن تدرك أو لن تستطيع تأويل حضور عفيفي مطر أو غيره دون معرفة سرديته، من هو وماذا فعل ليكون حاضرا هنا؟، وإن لم تدرك السردية وتجتليها فلن تكون قادرا على تأويلها.

وسائل اتصال الشاعر بالمتلقى

لك في النهاية أن تنطلق من الوحوش بوصفها علامة محورية ساحبا الأمر على بقية العلامات، ولكن أن تقف عند العلامات البشرية وصولا لدلالة حضورها وسرديتها خارج النص التي يكون عليك استقطابها لإنتاج الدلالة، ولكنها جميعا في النهاية تكون بمثابة وسائل اتصال الشاعر بمتلقيه، يديرها الشاعر فنيا عبر مجموعة من الفنون البلاغية موظفا من خلالها، الاستعارة والكناية والتشبيه وغيرها من فنون الأسلوب البلاغي التي يصنع منها الشاعر سبيكة فنية مع التناص بوصفه وسيلة اتصالية تحرك ذهن متلقيه بين نصين : سابق وراهن ، أو سابق ولاحق متخذا من نصه مساحة احتضانية لأثر النص السابق، ومن أبرز الأمثلة ذلك قصيدة ” الزمن يشرب القهوة مع الشيشة ” مستثمرا نص أغنية ” هو صحيح الهوى غلاب” لأم كلثوم من كلمات بيرم التونسي ومن ألحان زكريا أحمد (ديسمبر 1960).

في القصيدة يجمع الشاعر بين الاستعارة والتناص ببراعة فنية دالة، تتقدم الاستعارة لتفرض وجودها في العنوان تجسيدا للزمن شاربا القهوة مع الشيشة، هنا يمكننا أن نرى مستويين للصورة:

–    مستوى الاستعارة الواحدة: حيث الزمن استعارة مكنية يشرب القهوة ويدخن الشيشة.

–    مستوى الاستعارتين: حيث الزمن والشيشة شخصان يتشاركان في شرب القهوة.

وما يطرحه العنوان فارضا المستويين لا يغيره النص كثيرا حيث تظل الصيغة الافتتاحية حاملة القدر نفسه من الإلغاز دون أن يسلب الاستعارة قوتها وطاقتها الدلالة، وإنما يعمد النص إلى تأكيد قوة الزمن عبر تشخيصه أولا ومنحه صلاحيات الإدارة ثانيا، حيث يبدو الزمن مهموما ينوء بمسؤولياته:

“اليوم،

عليه أن يرتب ألف سنة مقبلة

بأحداثها

وبشرها

وأزيائها

وكوارثها

وموسيقاها

وشعرائها

 وحشراتها 

وأوبئتها

وزعمائها المجانين”

موسعا من دائرة المسؤوليات الخاصة بالزمن، ومعمقا فعله بقدراته على أداء مهامه.

هنا يقيم الشاعر منظومته التواصلية معتمدا عناصر يدركها المتلقي بوصفها أدوات ولكنه يستخدمها بصورة خاصة تليق بشاعر عميق الرؤية ، يتكئ على وعي خاص يحيط بالعالم ، وهو ما يسهل له إقامة عملية التواصل عبر نصوص تليق بتجربته الفريدة .

من إصداراته: - هالة القمر النصفى ( مجموعة قصصية) نصوص 90 – القاهرة- 1992 . – رواية الفلاح/فلاح الرواية (…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع