سامح قاسم
حين نقترب من تجربة وديع سعادة، نجد أنفسنا في منطقةٍ رخوة بين الحياة والغياب، كأننا نمشي على حافة ظلّ لا نعرف إن كان لنا أم أننا عالقون فيه. هو الشاعر الذي يترك القصيدة تحدث، كما يحدث الغبار حين يسقط من سطوح الأشياء.
ولد في قريةٍ صغيرة في لبنان، لكن قريته الحقيقية كانت شعوراً دائماً بالاقتلاع. كأن الطفولة عنده لم تكن زمناً مضى، كانت جرحاً ظلّ مفتوحاً، يتسرّب منه العالم. حين غادر إلى باريس، ثم استقر في سيدني، لم تكن الهجرة انتقالاً من مكان إلى آخر، وإنما انتقالاً من يقينٍ إلى فراغ، من اسمٍ إلى سؤال.
في شعره، يغيب ذلك الصوت الذي يريد أن يُقنع أو يُدهش، ليتجلى الصوت الخافت، الذي يكاد يكون اعتذاراً عن الوجود نفسه. كأن الشاعر يمشي على أطراف أصابعه داخل اللغة، خشية أن يوقظ المعنى. هذه الهشاشة لا تعبرعن ضعف، إنها موقفٌ وجودي: العالم، في نظره، ليس صلباً بما يكفي لنقيم عليه خطاباً مرتفعًا، لذلك يكتفي بالهمس، كأن الحقيقة لا تُسمع إلا إذا خُفِّض صوتها.
قصيدة النثر عند وديع سعادة ليست تمرّداً شكلياً بقدر ما هي ضرورة داخلية. لقد تخلّى عن الإيقاع الخارجي لينصت إلى إيقاع أعمق، إيقاع الخسارة نفسها. لا وزن يحمله، ولا قافية تسانده، فقط فراغٌ شاسع، والكلمات كأنها تحاول عبوره دون أن تسقط.
في نصوصه، يتكرّر الغياب كأنه كائناً حياً. الغياب عنده ليس نقيض الحضور، ولكن شكله الأكثر صدقًا. الأشخاص يغيبون، الأماكن تتلاشى، حتى الذات نفسها تتفكك، وتتحول إلى أثرٍ باهت. يقول، أو يوحي، بأننا لا نعيش الحياة بقدر ما نمرّ خلالها، مروراً خفيفاً، يكاد لا يُرى. كأن الإنسان، في جوهره، عابرٌ لا يملك من العالم سوى ما يفقده.
اللغة عنده وسيلة للاختفاء. الكلمات قليلة، مقتصدة، كأنها تخشى أن تستهلك المعنى. لا استعارات مدهشة، ولا صور متكلفة، تأتي الجمل عادية إلى حدّ الصدمة. لكنه، من خلال هذه العادية، يفتح هوةً عميقة. فجأة، تجد نفسك أمام عبارة بسيطة، لكنها تقودك إلى حافة وجودك.
الدهشة في شعره تتجلى في ما يتركه غير مكتمل. هو شاعر الفراغات، شاعر ما بين الكلمات. كل نصّ عنده يشبه غرفةً نصف مضاءة، عليك أن تكملها بقلقك الخاص. وربما لهذا السبب، يشعر القارئ بأنه شريك في الكتابة، لا مجرد متلقٍ.
ثمّة حزنٌ شفيف يسري في كل أعماله، حزنٌ صافٍ، كالماء. حزنٌ بلا شكوى، بلا اتهام، بلا محاولة للتفسير. كأن الشاعر تقبّل هشاشة العالم، واكتفى بأن ينصت إليها. هذه القدرة على التقبّل، دون أن يفقد حساسيته، هي ما يمنح شعره تلك القوة الهادئة.
وإذا كان كثير من الشعراء يكتبون ليتركوا أثراً، فإن وديع سعادة يكتب كمن يمحو أثره. كأن القصيدة عنده تمرينٌ على التلاشي. كأنه يقول: كنت هنا، ثم لم أعد. أو ربما: لم أكن هنا أصلاً.
في مجموعاته مثل “ليس للمساء إخوة” و”رتق الهواء”، نرى هذا المشروع يتبلور أكثر: محاولة لترميم ما لا يُرمّم، للقبض على ما يتسرّب باستمرار. لكنه يدرك، في العمق، أن كل محاولة فاشلة. ومع ذلك، يكتب لأنه لا يملك إلا السؤال.
شعر وديع سعادة ليس دعوة للفهم، إنه حالة يعيشها ونعيشها معه. وربما هذا هو سرّه: أنه لا يقدّم لنا العالم كما هو، ولكن كما نشعر به حين نصمت طويلًا. حين تتعب الكلمات، ويبدأ المعنى الحقيقي في الظهور، خافتاً، هشاً، ومؤلماً.
لا يمكن اختصار تجربته في تعريف أو حكم. هو شاعر يذكّرنا بأن الحياة ليست حدثًا عظيماً كما قال لنا الآخرون، بل تفصيلاً صغيراً يتكرّر، ثم يختفي. وبأننا، مهما حاولنا الإمساك بها، سنبقى دائمًا متأخرين عنها.. بخطوةٍ واحدة











