“بطل من هذا الزمان” خالدة ليرمنتوف وقدرهُ

بطل من هذا الزمان

أيوب الطالبي

خطَّ ليرمونتوف روايته البكر «بطل من هذا الزمان» بنَفَسِ مَن يكتب أثره الأخير، ساكباً فيها عبقريةً فذةً طمعاً في خلودٍ أزليّ كالمأمول في ملحمة جلجامش. وبإحساسٍ خفيّ بقصر مأواه في الدنيا، صاغ أحداثها لتتطابق لاحقاً مع واقع فاجعته؛ فبدت كلماته كأنها لم تُخَطَّ على الورق، بل كانت قدراً محتوماً سُطِّر في اللوح المحفوظ ليرسم مأساة حياته ونهايته الحتمية.

وجد ليرمونتوف نفسه في مناسبتين منفياً خارج بطرسبرغ نحو جبال القوقاز بسبب قصائده ومواقفه الحرة التي أزعجت القيصر نيقولاي الأول، في فترة استبدادية سمّاها الروس بـ”العصر المظلم”. ولم تكن الأيام، حتى عند عودته من المنفى، تجري كما يشتهي، بل كان القدر يحيك تفاصيل نهايته سارقاً أحداثها من نصّه الأدبي. فكانت خاتمته مبارزة خاضها مع زميل سابق في المدرسة العسكرية، نيكولاي مارتينوف، أثناء استراحة عسكرية في مدينة “بياتيجورسك” الجبلية. بدأت المواجهة بسبب سخرية ليرمونتوف الحادة من تصنّع مارتينوف ومظهره الذي يتظاهر فيه بدور الفارس القوقازي الرومانسي مع خنجره الكبير، حيث واصل ليرمونتوف (بتهكم وسوداوية تشبهان بطل روايته بيتشورين) التنمر عليه أمام الملاء ويلقبه بـ “القاتل ذو الخنجر الكبير”؛ وانتهت به صريعاً على سفح الجبل جثة هامدة.

ولم تكن تلك الخاتمة المأساوية على سفح جبل “ماشوك” سوى إعادة إخراج واقعية ومذهلة للمبارزة التي خطّها قلمُه من قبل في فصل «الأميرة ماري» بين بطل روايته “بيتشورين” وغريمه المتصنّع “غروشنيتسكي”؛ وكأن ليرمونتوف قتل نفسه مرتين: مرة على الورق، ومرة في الواقع.

إن “بيتشورين” ليس مجرد شخصية متخيلة، بل هو المصل الذي استخرجته جبال القوقاز من روح عصر الصمت القيصري؛ العصر الذي خنق الأحلام وحوّل الشباب الاستثنائيين إلى “رجال زائدين” لا يجدون لطاقاتهم مخرجاً سوى العبث بأرواح الآخرين. يتنقل بيتشورين بين أروقة الرواية كظاهرة نفسية معقدة؛ ففي «تَامَان» يرمي بنفسه في عالم المهربين المظلم بدافع الفضول والخواء، وفي «بيلا» يطارد عاطفة الفتاة الجبلية الصادقة حتى إذا امتلكها زهد فيها وقتل براءتها، ثم يتجلى جفافه العاطفي في لقائه المؤثر بالضابط الطيب «ماكسيم ماكسيميتش» الذي حفظ له الود القديم فردّ عليه بيتشورين ببرودٍ قاتل يختصر غربة روحه. أما في «الأميرة ماري» فيمارس ألعابه النفسية ودسائسه الاجتماعية ليداوي خللاً داخلياً ومللاً قاتلاً، ليبلغ الذروة الفلسفية في فصل «الجبري» وهو يتحدى الموت ويثبت أن الإيمان بالقدر لا يمنع الإنسان من اختبار حريته وشجاعته.

في هذه التحفة اليتيمة، لا يقدم لنا ليرمونتوف بطلاً لِنُعجَب به أو نتخذه قدوة، بل يقدم مرآة قاسية تضعنا في مواجهة أعمق أسئلتنا الوجودية: هل نحن من نصنع مصائرنا، أم أننا مجرد بيادق تحركها كف القدر؟

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع