د. سامي نصار
منذ أن تعرفت على الصديق المبدع أشرف الصباغ في بدايات هذا القرن وأنا أتابع إبداعه الأدبي والفكري، ومساهماته على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتناول بسخرية مرة، وعميقة، وحادة، وموجعة كل ما نمر به من أحداث، وما ينزل بنا من مصائب.
وفي إحدى جلساتنا، بوسط البلد، أهداني صديقي العزيز “الكَتِّيب” المبدع أشرف الصباغ بعضا من أعماله هي (أول فيصل)، و(لارا)، و(مراكب الغياب). وما أن وقعت عيني على مجموعة (أول فيصل) حتى تذكرت عصر يوم قائظ في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي عندما توقفت بسيارتي أمام محل لعصير القصب في أول فيصل، وكنت ذاهبا إلى الإسكندرية عبر الطريق الصحراوي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها هذا الشارع الجديد الذي كان يبدو وكأنه قد شق عنوة مخترقًا مزارع مترامية الأطراف، ليعكس باسمه وبابتلاعه المساحات الخضراء من حوله بداية عصر عاصفة الصحراء التي أخذت تهب على مصر. وما أن نزلت من السيارة حتى صك أذني صوت مكبر صوت عال يجلجل في أرجاء الشارع بآيات قرآنية يرددها بنغمة قاطعة ومخيفة ” إن الحكم إلا لله” “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون” “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون” وكان الشارع يعج بأسراب من لابسي الجلابيب البيضاء القصيرة وأصحاب الذقون المطلقة وبجماعات من المتسربلات بالسواد والحجاب، وهذا ما جعلني أبدأ بالمجموعة القصصية (أول فيصل).

وهنا أحب أن أؤكد أنني لست بناقد أدبي، ولا أملك الأدوات التي تمكنني من تحليل ما يتضمنه هذا الإنتاج الثري من إشارات ومعان وموضوعات ومواقف، فأنا مجرد قارئ تنعكس على عقله الومضات التي تنبعث من ابداعات الكتاب والأدباء ويفسرها في ضوء خلفيته المعرفية كباحث في التربية والعلوم الاجتماعية، فيحاول أن يستخلص منها مفهوما أو معنى كليا يساعده على تفسير ما يجري حوله من أحداث ووقائع وظواهر اجتماعية، ويعينه على الاشتباك مع قضايا المجتمع ومشاكله.
وما إن انتهيت من قراءة الأعمال الثلاثة حتى اكتشفت أن أشرف الصباغ قام خلالها بتطوير أحد المفاهيم المركزية في الفلسفة الماركسية، وهو مفهوم البروليتاريا. فالأعمال القصصية تطرح طبقة جديدة أسماها في (أول فيصل) “البروليتاريا الكلبة” والتي تتجاوز بعلاقاتها ووعيها الزائف خصائص البروليتاريا الرثة التي وصفها كارل ماركس بأنها تلك التي تشمل المجرمين والمشردين والعاطلين عن العمل والتي تمثل حثالة كل الطبقات الذين فقدوا الوعي بمصالحهم الجماعية. كما أنها تتجاوز أيضا تجلياتها في المجتمعات الأوروبية وفي أمريكا اللاتينية لتتشرب عند أشرف الصباغ روحها المصرية فيتسع نطاق “البروليتاريا الكلبة” ليضم الباعة الجائلين، واللصوص الصغار جدا، وأصحاب الديون متناهية الصغر، وراتقي الأحذية القديمة، والعاملين في سوق البالة، ومصلحي الأجهزة، والقهوجية، وبائعي الهياكل البشرية لطلاب كليات الطب، والحانوتية، والعرضحالجية.
ولا تعدم البروليتاريا الكلبة أن يكون لها مثقفوها وكتابها ومفكروها وإعلاميوها الذين أثروا ثراء فاحشا، والذين نبتوا في داخلها، ونشأوا في ظلها، وتربوا على مبادئها، ولكنهم باعوها في أول منعطف يوصلهم إلى السلطة، ومارسوا كل أدوارهم وألاعيبهم في خداعها وتأبيد خضوعها للسلطة ولكل أصحاب الأموال، وتبرير استكانتها لما يمارس عليها من عسف نظير لقمة العيش. وهم في هذا السلوك يمارسون دورهم الطبيعي– ليس خيانة لطبقتهم– وإنما تطبيقا لما تربوا عليه وتشربوه من تفاعلهم مع كل مكونات طبقتهم. فهؤلاء الإعلاميون والكتاب اللامعون هم أبناء هذه الطبقة ولم ينقلبوا عليها، وإنما يعبرون عما زرعته فيهم البروليتاريا الكلبة من قيم، وأنماط سلوك تقوم على الاستكانة والمسايرة والخنوع. وبالتالي، فإن الفرق كمي وليس كيفيا بين أولئك الذين وصلوا لأعلى المناصب والمكانات في السياسة والإعلام والمال والأعمال وبين ذويهم الذين ما زالوا يجاهدون طامحين فيما وصل إليه بعضهم، فهناك فكر واحد يجمع بينهم.
وهذه “البروليتاريا الكلبة” هي التي تحملت الظلم على مدى التاريخ من عصر “التكوين” حتى عصر ما بعد الكولونيالية، فتم تزييف وعيها على مختلف المستويات، وبكل الطرق والوسائل. ويرى الصباغ أن البداية دائما تكون من التعليم كما ورد في قصة “اللكمة” في المجموعة القصصية (لارا) حيث تزرع الدولة في رؤوس الأطفال والتلاميذ وطلاب الجامعات بأننا المصطفون، وأننا الأرقى، وأننا خير أمة، وأصحاب السبق والأسبقية. وهذا لا يختلف كثيرا عما كان يقوم به مسئولو التثقيف في الاتحاد السوفيتي السابق الذين تولوا تدجين الشباب، وإشباعهم أحلاما عن قوتهم وتفردهم واسبقيتهم. ولا ينسى الصباغ أيضا جهود السلطة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي التي، وعلى الرغم من عدائها للدين ولأي شكل من أشكال الغيبيات، قد حولت كتب كارل ماركس إلى كتب مقدسة.

ولا يتوقف الظلم التاريخي للبروليتاريا عند حدود تدجينها وخداعها واستعبادها واستبعادها، بل يصل إلى تحميلها مسئولية الأخطاء التي تقع فيها السلطة وأعوانها من المسئولين. ففي الكوارث الكبرى مثل حوادث القطارات لا يقترب الحديث من المسئولين ورؤساء الإدارات، وإنما عادة ما يكون المسؤول في كل مرة هو عامل التحويلة كما ورد في قصة “حارس الدباسات” من مجموعة (أول فيصل).
و”البروليتاريا الكلبة” ضحية لثقافة الاستعلاء التي تمارسها عليهم جماعات المثقفين. فأعضاء البروليتاريا الكلبة لهم مصطلحاتهم الخاصة التي يعبرون بها عن ثقافتهم على رأي الرفاق من دارسي الوعي الطبقي الذين ينكرون عليهم استخدام مصطلحات تعبر عن مشاعرهم، ومعاناتهم، ورغبتهم في الخلاص باعتبارها مصطلحات فجة دخيلة على الحلقات الماركسية المعتبرة التي تضم نخبا ممن تم تزييف وعيهم فغابوا عن الوعي من المنظور الإنساني والفكري والاجتماعي.
و”البروليتاريا الكلبة”، في (أول فيصل)، تربي أبناءها على الخضوع للحاكم، وحب الزعيم، ويوم خطاب الزعيم أو جولته بين أبناء شعبه وبين أبنائه هو يوم عيد يخرج فيه الكبار والصغار هاتفين بحياته. ويتوارث أبناء البروليتاريا الكلبة حب الزعيم، ولا يفصلون بين حبهم للزعيم وحب مصر. والزعيم محب، ومصاب بداء التوحد والتأله إلى درجة رفضهم تصديق أن يتنحى ويغادرهم حتى عندما يخطئ، أو أن يهبط إليهم من عليائه فيأكل الطعام ويمشي بينهم في الأسواق، وإن تصادف وحدث ذلك فيظنون أن أحدا قد ملأه الشر يقلده فيخرجون من كل حدب وصوب مسلحين بالشوم والهراوات وسكاكين المطبخ فيضربونه ضربة رجل واحد ليصعد بعدها مرة أخرى إلى أعلى.
وما أن انتهيت من قراءة الأعمال الثلاثة حتى أدركت أن “البروليتاريا الكلبة” عند اشرف الصباغ ليست مجرد طبقة اجتماعية، بل مفهوم كاشف عن التكوين الاجتماعي للمجتمع المصري وشبكة العلاقات بين جماعاته وأفراده. فسواء أكنت مقيما في الزمالك، أو الشيخ زايد، أو مصر الجديدة، أو التجمع الخامس، أو كنت من الجمالية، أو المغربلين أو باب الشعرية أو شبرا، أو كنت من العمال السريحة أو الموظفين أو رجال الأعمال أو المثقفين، وسواء كنت من مرتادي مقاهي وبارات وسط البلد، أو كنت في بوظة “الست هوانم” جالسا تحت مسمار منتظرا قرعة البوظة، فأنت من أول فيصل.
اقرأ أيضاً:










