عاطف محمد عبد المجيد
إن دراسة شعر العامية أمر مثير للعديد من الإشكاليات التقليدية، ونحن نراه كذلك حين ننظر إليه من شرفة النقد الأدبي المستند في جوهره إلى التمييز بين ما هو أدربي وما هو غير أدبي إلى معيار لغوي، وقد تضيق حدود هذا المعيار وقد تتسع بحسب فهم النقاد في زمانهم ومكانهم للغة والعلاقة بين مستوياتها.
هذا ما يقوله د. سيد إسماعيل ضيف الله في كتابه “صورة الشعب بين الشاعر والرئيس..دراسة في النقد الثقافي بالتطبيق على خطاب فؤاد حداد الشعري والخطابات السياسية لرؤساء مصر: ناصر، السادات ومبارك” الصادر عن مكتبة الأسرة بالقاهرة، وفيه يرى أن هذا المنظور لا يستطيع أن يخرجنا من دوامة هذه الإشكاليات حتى في أكثر تجلياته مرونة في فهمها للغة، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي يُسمح فيه بدراسة شعر العامية على أساس التمييز بين ما هو شعر وما هو غير شعر، والتخلص من النظرة النقدية القديمة ذات الموروث البلاغي للغة ومستوياتها باعتبارها ذات تراتب قيمي وجمالي، فإن هذا المنظور للنقد الأدبي ينطبق من تصور مؤسسي للشعر رسخته المؤسسات التعليمية والثقافية وأقسام الأدب واللغة والمستند لسنن أدبية يُطالب النقادُ الأدباء المعاصرين لهم بالامتثال لها باعتبارها النماذج الجمالية، ذاكرًا أن هذه السنن الأدبية ليست سوى دليل على استمرار خضوع منظور النقد الأدبي في تمييزه بين ما هو شعر وما هو غير شعر إلى معيار لغوي تراتبي وثيق الصلة بتراتبية اجتماعية وثقافية.
هنا يذكر الكاتب، الذي اختار أن ينصب بحثه على الثقافة في الخطاب الشعري والخطاب السياسي، أن السبب وراء اختيار فؤاد حداد نموذجًا للدراسة ليس باعتباره ممثلًا لشعر يعاني الإهمال النقدي، إنما بوصفه شاعرًا استطاع أن يعيد تشكيل هويته بإرادته الفردية في مخالفة صريحة للتقاليد المجتمعية المتوارثة، فهو المسيحي الذي يختار الإسلام دينًا، وهو المسلم الذي يختار الإسلام من أجل الإنسان لأنه دين الأغلبية الفقيرة، وهو خريج المدارس الفرنسية الذي يختار أن ينطق ويكتب بالعربية، بل بالعامية وهو السابح في ملكوت الفصحى وفي بحور موسيقاها.
الشاعر والحاكم
كذلك يعتقد الكاتب هنا أن القول بآخرية الجماهير تجعلنا ننزع عن النقد الثقافي رداء المدافع عن الفئات المهمشة بنفس القدر الذي ننزع به عن النقد الأدبي رداء المدافع عن الجمالية، ومنطلقًا من هذا فإن دراسته لتمثيل الشعب في خطاب فؤاد حداد مقارنًا بتمثيلات ذات الشعب في الخطابات الرئاسية لجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك يمكنها أن تكشف عن حقيقة واحدة هي أن الجماهير / الشعب ذاته آخر يتم تمثيله باعتباره كذلك، وهو في آن استراتيجية بلاغية، وقد حاول الكاتب الكشف عنها بدراسة التصورات الاستعارية عن هذا الشعب / الجماهير من مواقع ثقافية مختلفة لتكون النتيجة أننا أمام هويات يتم بناؤها باختلاف مواقع تمثيل الذات الجماعيىة في الخطابات الاستعارية.
الكاتب الذي يسلم بأنه توجد ثقافات أخرى وأنساق ثقافية مختلفة داخل الثقافة الواحدة ومن ثم توجد تخيلات مختلفة ومتعددة للذات القومية وبالتالي من الطبيعي أن توجد تمثيلات متعددة ومختلفة للشعب، يطرح سؤالًا هنا يقول هل هناك فرق مفترض مبدئيًّا بين التعبير اللغوي لتمثيل الرئيس للشعب والتعبير اللغوي لتمثيل المثقف / الشاعر للشعب؟ مشيرًا إلى أنه هل ينبغي التمييز عند تطبيقنا لمعيار التوازن في رسم صورة الآخر / الشعب لغويًّا بين خطاب رئاسي وخطاب شاعر / مثقف؟ معتقدًا أنه حين يلتقي الشاعر مع الحاكم على حافة بئر لرؤية الذات بالقياس إلى الذات، رغم تنوع الأنساق الثقافية وتنوع أشكال القومية فإنهما يمتحان منه قومية واحدة وإن تنوعت تخيلاتها، دينية / عرقية / أيديولوجية وغيرها، وبالتالي، يرى الكاتب، فهما أسيران لنهج واحد في تعيين هوية الذات الجماعية / الشعب وإن اختلفت المواقف السياسية منها.
غير أن الشاعر، حسب رؤية الكاتب، إذا انتهج نهج إدراك الذات بالقياس إلى الآخر فإنه لا شك سيختلف عن ذات الحاكم في نسقه الثقافي لشكل قوميته المتخيلة، وهو ما يؤسس لميلاد وعي كتابي / فردي لدى الشاعر لتمثيله للشعب دون الامتثال للنماذج الثقافية المهيمنة ولا السنن الأدبية التي يُتوقع منه أن يمتثل لها، مؤكدًا أن مأزق الشاعر هنا أن آخره الذي ينبغي أن يدرك ذاته بالقياس إليه هو الشعب، مشيرًا إلى أن تماهي الشاعر مع الشعب يعني موت فردية الشاعر وانفصال شاعر عن تراث الشعر مستحيل، متسائلًا أي شاعر كان فؤاد حداد؟ وأي شعب أدرك فؤاد حداد ذاته الشعرية بالقياس إليه؟ وكيف يؤثر ذلك في نهجه في الامتثال أو الخروج على السنن الأدبية؟
الشعب باعتباره آخر
في هذا الكتاب / الأطروحة يسعى الكاتب / الباحث للإجابة عن هذه الأسئلة: كيف قرأ فؤاد حداد الثقافة عبر قراءته لذاته الشعرية في علاقتها بالشعب باعتباره آخر؟ وإلى أي مدى نجح حداد في تشكيل الهوية الثقافية لذاته الشعرية في حوارها مع السنن الأدبية؟ وإلى أي مدى يختلف نسق تمثيلات الشعب من موقع التكلم الخاص بالشاعر عن نظيره من موقع التكلم الخاص بالرئيس في الخطابات الرئاسية لناصر والسادات ومبارك الموازية زمنيًّا للخطاب الشعري؟ وهل هناك علاقة بين نسق تمثيلات الشعب في الخطابين الاستعاريين الشعري والرئاسي، وإخفاق مشروع التحديث في الصبغة القومية التحررية الذي بدأ في النصف الثاني من القرن الماضي؟ راصدًا توقف النقد الأدبي عن أن يكون ثقافيًّا حين أصبح صدى صوت للمؤسسة التعليمية التي انتقت النصوص المنمذِجة للسنة الأدبية وجعلت منها الممارسة الأدبية الوحيدة الصحيحة في مخالفة واضحة لسنة الثقافة ذاتها وهي التغير، وفي انتهاك أوضح لحق مختلَف أفراد المجتمع في أن يُمثَّلوا في هذه السنة الأدبية دون معايرة مصطنعة على أساس لغوي أو جمالي، مؤكدًا أن إعادة النقد الأدبي التطبيقي في العالم العربي إلى دائرته الثقافية خطوة ضرورية يستلزمها المشهد النقدي العربي، غير أن هذه الخطوة، يقول ضيف الله، لا تتحقق بمجرد إلصاق صفة الثقافي بالممارسات النقدية من بابا التلفيق للهروب من فعل النقد إلى فعل الثرثرة في موضوعات الساعة لتوسيع دائرة القراء والمشاهدين.
هنا أيضًا يعتقد ضيف الله أن النقد الثقافي يحمي نفسه إلى حد بعيد من السقوط في وهم امتلاك الحقيقة من خلال حرصه على تأكيد أمرين مهمين، الأول أن الناقد الثقافي خلافًا لما اعتاده الناقد الأدبي الذي أخذ ينهل لفترة طويلة من نبع الشكلانية والبنيوية والنقد الجديد لا يدعي الموضوعية والحيادية في ممارسته للنقد، وإنما يؤكد تورطه كذات ناقدة في موضوع نقده، مشيرًا إلى أن الناقد الثقافي غير مطالب بأن يغلق نصه النقدي، ما يعني أن يصل لقراءة تتسم بالانسجام والاتساق المنطقي لإنتاج معنى وحيد للنص الأدبي يعلن الوصول إليه، بل إنه مطالب بالعكس إن كان العكس هو المتحقق في النص، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي أمام الناقد الأدبي الثقافي ليس الوصول لمعنى واحد نهائي مثلما هو الأمر عند دعاة الأحادية المنهجية، وإنما التملص من موروثه الثقافي المهدد لهويته الفردية الإنسانية حتى يمكنه أن يرى الآخر على نحو يمكنه من تمثيله ثقافيًّا.
صور حداد المتنوعة
كذلك يشير الكاتب هنا إلى أن فؤاد حداد في مسيرته لم يكن مجرد شاعر وقع في أسر عقل الأمة، وإنما كان قادرًا على الخروج منه ببطء وبثبات، فكانت هناك صور متعددة لحداد على مدى رحلته للخروج من أسر عقل الأمة ليكون ذاته الفردية، وأن ناصر لم يكن بالنسبة إليه مجرد رئيس جمهورية ولم تكن خطاباته مجرد خطابات رئاسية، بل إن ناصر وخطاباته كانا حافزين على الكتابة الشعرية عند فؤاد حداد، سواء أكانت كتابة شعرية حالمة بالوعد الموعود أم كانت شاكية باكية، فيما يذكر أن حداد اختار في ديوانه “على أعتاب الحضرة الزكية” أن يقاوم السياق التاريخي الساداتي بعد أكتوبر وآثاره المحتملة على الذات المتخيلة للشعب والأمة في خطابه عن طريق “إرادة الرؤية” التي تمكنه من انتقاء أحداث دون غيرها، مشيرًا إلى أن عقل الأمة بمثابة خبرة حياة تكفل للذات الجماعية طريقة لإدراك الذات والعالم المحيط بها استنادًا إلى مصادر معرفية مقروءة ومسموعة تشكل في مجموعها النماذج الثقافية للأمة المتخيلة التي يعيد أبناؤها إنتاجها ليؤكدوا انتماءهم إلى ذات الأمة، مؤكدًا أن الحرية هي جوهر عمل النقد الثقافي على مستوى التنظير والتطبيق لأنها الضامن الوحيد للحق في التجريب قرين الإبداع وأن الإبداع في النقد تنظيرًا وممارسة حاجة ثقافية ملحة ليس لثقافتنا العربية فحسب بل لكل الثقافات الإنسانية باعتبارها ثقافات لأمم تتم بعضها بعضًا.
ما توصل إليه ضيف الله هنا أيضًا هو أن وعي فؤاد حداد بالعلاقة بين الشكل الشعري ورحلته الشعرية الطويلة التي سعى خلالها للقيام بمراجعة نقدية لمفهوم الأمة والهوية الثقافية لا يظنها وعيًا برز فجأة في الفترة من 1981 وحتى 1985، وإن كانت هذه الفترة قد شهدت كتابة شعرية للتجريب فيها حظ وافر مقارنة بما سبقها من كتابة شعرية عنده، مشيرًا إلى أن تمثيل اللغة إنسانًا قادرًا على مواجهة أعداء الشعب / الأوثان يكشف عن مدى الصراع بين الخطابات الاستعارية بين موقع الرئيس وموقع الشاعر من أجل صناعة الإنسان لغويًّا لبناء الهوية الثقافية للذات الجماعية / الشعب، وقد كان هذا ألإدراك عميقًا لدى فؤاد حداد.











