محمد عبد الحافظ ناصف
السيد نجم كاتب يمتلك تجربة فريدة، يخط قلمه السردى فى القصة و الرواية و أدب الطفل كل ما يشكل ملامح الحياة، يمتلك خبرة متميزة مع حرب التحرير التى خاضها فى عام 1973، فجرب حلاوة و فرحة النصر و أمل استراد الأرض و الكرامة فى أيام العبور الأولى حتى يوم 14 أكتوبر، ثم قسوة الحصار كمستشفي ميداني بين الجيشين الثاني و الثالث حين وقعت الثغرة التى كان من الممكن تصفيتها لكن كان هناك دوائر سياسية و عسكرية أخرى تتطلب الصبر و الصمود.
و من الأعمال الجديدة للروائي الدكتور السيد نجم رواية ” حصار الحمام الأبيض” التى تتناول حصار مستشفى ميداني تابع للجيش الثاني الميدانى فى حرب أكتوبر فى فترة الثغرة و جاء عنوان الرواية متميزا و متوافقا مع أصحاب الرداء الأبيض -الأطباء – المحاصرين، كما جاء متسقا مع الحمام الواقعي الذى جاء ليحوم حول صاحبه الجندى فوزي الذى يربيهم رغم دهشة كل الكتيبة/ المستشفى الميدانى، و قد بدأ ذكر هذا الحمام فى الرواية منذ لحظة ترحيل دفعة سالم من مركز التدريب إلى الكتيبة ص 96 على لسانه قائلا: ” لم تكن بسمته البلهاء هى اللافتة منه، بل بسر سرب من الحمام الأبيض البلدي لم يبرح سماء السيارة منذ تحركها من خلال بوابة المركز في الحلمية.” و يعبر هذا الحمام في الرواية بما يعرف نقديا بالمعامل الموضوعي الذى أشار إليه الشاعر و الناقد و المسرحي الفذ ت إس أليوت، و كأن السيد نجم أراد بالعنوان بداية أن يعبر عن أن هذا الجيش الإسرائيلي المحتل الغاصب جاء ليحاصر أناسا جبلوا على الحرية و الطيران و التحليق عاليا و لن يرضخوا لحصار أو هزيمة أو نكسة أبدا و أنهم سوف ينتصرون في القريب العاجل.
قسم الدكتور السيد نجم الرواية إلى خمسة أقسام و ثمانية فصول مع القسمين الأول و الثاني، و عنّون كل الأقسام و الفصول بعناوين جاءت موفقة و تعبر عن الأحداث التى تواجدت داخلها و منها على سبيل المثال عنوان الأقسام الثالث و الرابع و الخامس مثل؛ معنى أن تصبح رقما، الحصار يفضح نواياه و الحصار لخمسة أيام .
و تناولت الرواية مرحلة ما قبل الحرب و أسباب الهزيمة في 67 و مرحلة حرب الاستنزاف ثم الاستعداد لحرب أكتوبر و النصر و أزمة الحصار ، وجاء ذلك من خلال شخصية سالم المحورية مع زملاء الكتيبة/المستشفى الميدانى بداية من مرحلة الذهاب لمركز التعبئة و التجنيد مرورا بمرحلة مركز التدريب و وصولا لمرحلة الواحدات العاملة و المقاتلة ، و تميزت كل مرحلة من المراحل بتفاصيلها المختلفة و المتنوعة عن المرحلة الأخرى، فكل مرحلة أحداث مهمة أثرت فى مجريات الأحداث السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و العسكرية فى مصر و العالم العربي، و جاءت كل مرحلة بتوثيقها المرحلة دون أن تغفل الرواية حقيقتها بانها رواية و عمل فنى له منطقه الفنى و الأدبى الخاص به و دوائر الأحداث الفنية الخاصة به و التى تقبل بكل أريحية و يخدمها الصدق الفنى، مثل حكاية سالم و أميرة على سبيل المثال و ما تحمله تلك الحكاية من إشارات للاحتلال و الغزو السافر و السافل من العدو الاسرائيلي فى 67 و في كل وقت الأراضى الدول العربية و منها مصر.
و تبدأ فكرة الحصار فى الرواية منذ التأسيس لذلك حين تم ولادة سالم ناقصا و يحتاج ليكتمل نموه، فتعود الأسرة لفكرة شعبية قديمه وهى وضع الرضيع الذى ظلوا يبحوث له عن اسم مناسب تحت طست حتى يكتمل نموه كما ذكر المؤلف ص 24 ” فلم يجد أفضل من اسم سالم و كأنه يخبر الدنيا كلها أن ولده سلمه الله و عفاه و أتمم مواقيت الميلاد الطبية الربانية.. و شاع خبر نجاح الطست و حصاره لشهرين كاملين في اكتمال بنيان الوليد سالم”. و تتعدى و تتنوع أشكال الحصار التى كانت تنتهى بالنصر أو الحل في النهاية و كأن استمرار الطفل سالم فى الحياة بشرة للنصر الذى سوف يأتى بعد ذلك، فالشعب المصر ظل محاصرا بشكل إيجابي بفكرة الحرب و النصر حتى حرر الأرض، فلم يهدأ يوما واحدة و لم يقبل إلا بتحرير الأرض و دفع من أجل ذلك الكثير من عيشته الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية و الصحية، ترك كل شيء من أجل التحرير و هزيمة الكيان الصهيوني الغاصب المحتل بدعم غربي و أمريكي سافر و سافل و منحاز و عنصري.
و لم يكن حصار الحمام الأبيض و المستشفى الميداني إلا خطوة فى اتجاه النصر فقد تعرضت القوات الاسرائلية لكثير من التدمير و الهزيمة و الانهيار و ما كان وجوده بعد ثمانية أيام من الحرب إلا بدعم أمريكا كما أكد الكاتب؛ و ما كان ذلك إلا لتسويق سياسي، و كان من الممكن القضاء على تلك الثغرة لولا أمريكا التى ضغطت وقتها من أجل الحل الدبلوماسى بعد أن حققت الحرب أغراضها لمصر و أرادت أن تضع إسرائيل على مائدة المفاوضات بشيء و انتهت الحرب بنتائج كانت تريدها مصر في النهاية و هى خروج إسرائيل من كل سيناء .
و من الملامح الرئيسيئة لرواية ” حصار الحمام الأبيض” التعبير عن الإنسان وقت الحرب بصفة عامة و الإنسان المصري بصفة خاصة، فقد ركز المؤلف على صور مختلفة و متنوعة لهذا الإنسان، فنجد الشخصية العادية التى تأثرت بفعل الحرب و فضلت أن تعيش تحت الحصار النفسي و الاقتصادي و الاجتماعي حتى تحقق النصر المبين فى حرب أكتوبر عام 1973 . فسالم شخصية الرواية لم يعد يهتم كثيرا بالفتاة التى تزوجت غيره و لم تنتظره لأنه يعرف أنه لا حياة إلا بعد الانتصار، وأن تعلقه بها لن يفيده و سيزيد من أزمته الخاصة، فأخذ القرار أن يعيش حياته مركزا فى وجوده الوحدة الخاصة به، و لعبت شخصية سالم دور الراوى العليم المشارك في أحداث الرواية، و كأنه جاء ليلعب دورين؛ دور سالم الشخصية المحورية و المركزية و دور الرواي الراصد و المعلق على الأحداث، الموثق لكل ما يدور من أحداث في تلك الفترة الحساسة من تاريخ مصر.
و شاهدنا شخصية فوزى الجندى الطيب الذى يعامل معاملة خاصة نظرا لحالته النفسية و الذهنية التى لم تقلل من دوره في الحرب رغم عدم سويته، لكن الكاتب يؤسس لدوره جيدا بما يحقق تواجده كشخصية من لحم و دم تعيش بيننا، و نجد الموفي الإنسان الذى يرفض أن يغادر الجيش رغم أن كان من الممكن أن يحصل على المعافاة من الخدمة العسكرية لكنه أصر أن يكمل مع زملائه الحرب رغم أنه كان يتركب بعض الهنات الإنسانية لكنه في النهاية مواطن مصري صميم عاشق لوطنه أكد على ذلك دون مزايدة:” رفض كى يأخذ بالثأر..لما قالها و هو يبكي صادق النية و المقصد، وصلتنا رسالة العتاب و الاستنكار أن استقبلنا مشاعره بتلك الروح المستهترة و بالمزاح؟” و الغريب أن سعيد المنوفي الذى لم يصم طوال حياته و كان يعربد يصوم فى الحرب، و شاهدنا تعلق الأرواح بالنصر و استشرافها من خلال شخصية الدكتور ناجي الذى ظل يكتب على كل الروشتات شهر أكتوبر من بداية العام حتى أحدث ذلك خللا إداريا يجب أن يتم تداركه ، و كان يؤكد قائلا:” يا جماعة صدوني.. أقسم بأيمانات المسلمين.. الحرب سوف تبدأ في هذه الأيام من شهر أكتوبر هذا العام” فيطلب منه الجندي حمدي أن يحدد اليوم فيقول له ان الملائكة لم تقل له، فيقول آخر له إنها العفاريت.
ويقدم لنا الكاتب الدكتور السيد نجم شخصية أخرى غريبة لرجل عجوز يخدم فى الكتيبة معهم فى المستشفى دون أن يكون له أى تواجد رسمى، اطلقوا عليه “أبو المفقود” لأنه كان ينتظر ابنه المفقود في حرب يونيه لعله يأتي أو يتعرف على جثته و الغريب أنه كان يعمل معهم بهمة و نشاط و جد و يعطي القائد الإنسان أوامره رغم اعتراضه على وجوده بعد أن عرف حكايته ص144″ اتركوه.. سلموه ملابس ميري، و يتناول الواجبات الثلاث من المطبخ، و إلا دخلنا المحكمة العسكرية بسببه.. مدني مقيم في وحدة عسكرية ، مهزلة”
و نشاهد في الرواية حالة من الوحدة الوطنية و نسيجا وطنيا قلما نجده فى أى وطن حين كان يجهز الجندي المسيحى للصائمين من الجنود المسلمين طعام الإفطار بمحبة كبيرة و حين أعطى القائد أوامر بدفن الجنود الذين ماتوا، فلم يكن أحد يعرف المسلم من المسيحى فحضر مراسم الدفن أربعة من الجنود؛ كان يقرأ المسلمون الفاتحة و يقرأ المسيحيون من الانجيل أبانا الذي في السماء، أعتقد أن هذا المشهد أحد المشاهد الجيدة جدا فى الرواية و المغايرة و الفارقة؛ فقد أكد على لحمة هذا الوطن العظيم.
و من المميزات التى تضاف لرواية “حصار الحمام الأبيض” رؤية التوثيق الجيدة التى تخللت الكثير من مواضع الرواية و جاءت على لسان البطل المحوري سالم، أو على لسان بعض الشخصيات الأخرى من الضباط أو الجنود، أو حتى في شكل فقرات من البيانات العسكرية التى صدرت خلال حرب أكتوبر.
و كانت تلك الخاصية من المميزات التى أصبحت إضافة مهمة و كشفت عن بعض الحقائق التى قد تظل محبوسة فى بعض التقارير الاستراتيجية و السياسية مثل حالة الخداع السياسي الذى كان شركا لمصر قبل نكسة يونية من خلال الترويج أن الغرب سوف يقف مع من لن يبدأ الحرب و ظهر جليا موقف فرنسا التى أعلنت ذلك و أعتقد أنها كانت تمثل الغرب كله، فأعطى فرصة لإسرائيل أن تبدا الحرب و تدمر قدرات مصر الجوية على الأرض دون أن يكون هناك فرصة لتلك القوات أن تقلع من أماكنها أو تدافع عن نفسها، و تكون فرنسا بذلك قد خدعت مصر التى لم تبدأ و لم تستطع أن ترد إلا بعد الأيام الست من خلال معارك صغيرة لكنها حاسمة و ذات دلالة قوية مثل رأس العش و المدمرة إيلات و انطلاق أوى معركة استنزاف فى التاريخ على ما أعتقد.
و أخيرا أرى أن الدكتور السيد نجم قد قدم لنا رواية بها خلطة مهمة من الواقع و الخيال، كشفت لنا عن مرحلة من أهم المراحل في تاريخ مصر المعاصر، و ذلك من خلال تقنيات مختلفة من السرد مزجت بين روح الواقع و التوثيق و الخيال، و كشفت عن تحد و صمود أبناء الشعب المصري بعد نكسة يونيو و أعطت درسا قاسيا -يستحقه- للعدو و كل عدو أن إحتلاله لمصر سيكون دائما إلي زوال، فعليه أن يراجع نفسه و لا يفكر فى إحتلال شبر من أرض الوطن الذى سيكون وبالا عليه و على شعبه الغاصب المحتل.


















