المنفى بوصفه سردية

قراءة في كتاب الدكتور قاسم الأسدي عن عبدالرزاق قرنح

أحمد رجب شلتوت

    لم يأتِ كتاب “دراسة نقدية في روايات عبدالرزاق قرنح”، للمترجم والناقد العراقي الدكتور قاسم الأسدي كمجرد استجابة عابرة لفوز كاتب إفريقي– بريطاني بجائزة نوبل للآداب، ولكنه جاء كمحاولة واعية لتجسير فجوة عميقة بين السرد العالمي المعاصر وبين التلقي النقدي العربي له. فالكتاب، وهو أول كتاب عربي  يتناول  مشروع قرنح الروائي، ( صدر في بغداد 2023) لم يتعامل معه فقط كأحد الفائزين بنوبل الآداب، وإنما لكونه يحوّل المنفى من تجربة شخصية إلى بنية سردية كاملة.

بين الاحتفاء والقراءة

   كثيرًا ما تتحول الجوائز الكبرى إلى لحظة مربكة للقراءة، حيث يُختزل الكاتب في خطاب التتويج، وتُقرأ أعماله على عجل، بوصفها شواهد تؤكد أحقية الجائزة. وما يحسب لكتاب الأسدي أنه تجاوز هذه اللحظة، وأعاد ترتيب العلاقة بين النص والحدث، فالكتاب يتعامل مع روايات قرنح باعتبارها مشروعًا سرديًا مركبا، تشكّل عبر أكثر من ثلاثة عقود.  وينطلق هذا التعامل من تصور واضح، خلاصته استحالة قراءة قرنح بشكل صحيح من خارج سياق الرواية الإفريقية الحديثة، أو بتجاهل تصنيفه ككاتب ما بعد كولونيالي. وهذا التصور لا ينفي البعد السياسي أو التاريخي في أعماله، ولكن يبحث عما هو أعمق من خطاب الإدانة المباشرة. صحيح أن الاستعمار حاضر بقوة في عالم قرنح، لكنه ليس الحدث المركزي الصاخب، بل الأثر المتسرب الذي يعيد تشكيل الحياة اليومية، والعلاقات الإنسانية، والوعي بالذات.

   فقرنح لا يكتب روايات مواجهة، وشخصياته أفراد عاديون، يعانون التناقض والهشاشة، يحملون تاريخًا لا يفهمونه كاملًا، ويعيشون حاضرًا لا يمنحهم يقينًا. وهو يكتب عن الذات بوصفها فضاءً متشظيًا، تتصارع فيه الذاكرة مع الواقع، والانتماء مع الخذلان. وهكذا يصبح قرنح كاتبًا كونيًا، ليس  لأن موضوعاته عابرة للثقافات فحسب، ولكن لأنه يشتغل على سؤال الإنسان في عالم فقد مركزه.

مفهوم المنفى   

   يشغل مفهوم المنفى مكانا محوريًا في الكتاب، ليس باعتباره  ثيمة متكررة في الروايات، وإنما بوصفه بنية سردية، فالمنفى عند قرنح حالة وجودية دائمة تحدث داخل الوطن نفسه، وليس مكانًا بديلًا عن الوطن، فالشخصيات منفية حتى وهي في عقر دارها، غريبة عن لغتها، وعن ذاكرتها، وعن علاقاتها الأقرب.  المنفى عند قرنح تكثف حتى أصبح طريقة في الحكي، بحيث يتحول إلى أداة بناء روائي. سرد متقطع، ذاكرة لا يمكن الثقة بها، اعترافات ناقصة، وصمت طويل، لا نجد عنده حكاية واحدة مكتملة، بل شذرات تتراكم ببطء، وكأن الرواية نفسها تعاني من المنفى، عاجزة عن امتلاك تاريخ متماسك أو صوت نهائي.

سردية القوة

   لا يتعامل قاسم الأسدي مع “القوة” بوصفها مفهومًا نظريًا مجردًا أو خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل بوصفها آلية سردية تتجلى في العلاقات اليومية. فالقوة في عالم قرنح لا تُمارس فقط من المستعمِر على المستعمَر، بل من الأب على الابن، ومن الزوج على الزوجة، ومن الذاكرة على الحاضر، ومن اللغة على التجربة، هكذا، ينتقل التحليل من السؤال عمن يملك السلطة؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا عن كيفية ممارستها،  وكيف نكتشفها في الإهانة العابرة، في الصمت الطويل، في الاعتراف المؤجل، وفي الشعور المزمن بالذنب أو النقص، القوة هنا شبكة علاقات  متعددة المراكز.

    يرى الكتاب أن البنية السردية في روايات قرنح أصبحت حقلًا لتجلي هذه القوة، ومن مظاهرها تعدد الأصوات، غياب الراوي العليم، السرد غير الخطي، كلها تقنيات تُستخدم لتجسيد عالم بلا يقين.  والقارئ، مثل الشخصيات، مطالب بإعادة تركيب الحكاية، وبالعيش داخل تجربة القمع نفسها، تجربة العجز، والارتباك، وانكسار المعنى.  

خذلان البحر والذاكرة

    من هذه البنية المتوترة للمنفى والقوة، تتفرع ثيمات قرنح الكبرى، وهي البحر، والذاكرة، والخذلان، تتشابك هذه العناصر لتنتج عالمًا روائيًا متوترًا، يقوم على عدم الاستقرار.   فالبحر، في روايات مثل “عن طريق البحر” و”الهجر”، كيان سردي قائم بذاته، هو المسافة بين ما كان وما هو كائن، بين الاسم القديم والهوية الجديدة. البحر يؤجل المواجهة، ويُبقي الشخصيات عالقة بين ضفتين، لا تنتميان بالكامل إلى أي منهما.

  أما الذاكرة، فهي القوة الأكثر قسوة في عالم الكاتب، فهي تمثل عبئًا أخلاقيًا ونفسيًا، الماضي يعود في شذرات، في اعترافات ناقصة، في صمت طويل، وكأن الذاكرة نفسها تعاني من المنفى، والشخصيات لا تستطيع أن تنسى، لكنها عاجزة عن الفهم الكامل لما تتذكره.   وبالتالي يكون الخذلان هو النتيجة الطبيعية لهذا التوتر المستمر، خذلان الوطن الذي لا يحمي، والعائلة التي لا تحتضن، والحب الذي لا يكتمل، بل خذلان الذات نفسها. لذلك نجد في روايات قرنح نوعًا من القبول المرّ بأن بعض الجروح لا تُشفى، وإنما يمكن التعايش معها.

اللغة والمنفى المضاعف

  ماذا يعني أن يكتب قرنح بالإنجليزية؟ هل هي لغة استعمار، أم لغة منفى، أم وسيط محايد؟ هكذا،   يثير الكتاب، ولو ضمنيًا، سؤال اللغة بوصفه أحد أشكال المنفى، الذي لا يقتصر على الجغرافيا أو الذاكرة، بل يمتد إلى اللغة نفسها. وفي النهاية يميل إلى قراءة اللغة بوصفها فضاء تفاوض، دون خضوع. فاللغة لا تهيمن بالكامل، لكنها لا تُحرر بالكامل أيضًا، وقرنح، في هذا السياق، لا يكتب بلغة الآخر بقدر ما يكتب من داخل توترها، محوّلًا إياها إلى أداة لكشف الهشاشة الإنسانية، لا لتزييفها. وهنا تتراجع اللغة بوصفها سلطة، لتصبح مجرد وسيلة للاقتراب من تجربة لا يمكن امتلاكها تمامًا.

    أعتقد أن ميزة  كتاب قاسم الأسدي تكمن في كونه مبادرة تأسيسية واعية، لا تدّعي الإحاطة الكاملة والشاملة بقرنح، ولكن تفتح بابًا جادًا لقراءته عربيًا. كما يُحسب له اتساع المتن الروائي الذي يتناوله، واعتماده على مرجعيات نقدية معاصرة، دون أن يتحول إلى كتاب تجميعي،  وفي المقابل، يلاحظ القارئ أن التركيز الثقافي في بعض المواضع يأتي على حساب التحليل الجمالي الخالص، خصوصًا فيما يتصل باللغة بوصفها إيقاعًا، والبناء الروائي بوصفه هندسة فنية دقيقة.

  لكن ذلك لا يقلل من قيمة الكتاب الذي نجح في وضع قرنح داخل أفق قراءة عربي جاد، بعيدًا عن الاحتفاء العابر، فالكتاب _ وعبر الروايات العشر التي يدرسها – يضع القارئ العربي أمام مرآة سردية قاسية، لا يصبح فيها المنفى حكاية بعيدة، ولكنه يمثل شرطا معاصرا نعيشه جميعًا، حتى ونحن نظن أننا في أوطاننا.

كاتب وروائي مصري. من أعماله: العائد إلى فرحانة 1996، «السعار والشذى» 1998، «دم العصفور» 2002، «ساعة قبل النوم» 2009، «رشفات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع