المغامرة الشعرية وتجليات الذات في مجموعة “طفل شقي”

marwan yasseen

د. جاسم خلف الياس

تنطلق هذه المقاربة من رؤية نقدية ترى أنّ الكتابة الشعرية فعل اقتحام لا فعل خمول وسكون، ومغامرة جمالية تتجاوز حدود القول المألوف إلى أفق الكشف والتجلي؛ فالشعر هنا ليس تمثيلا للعالم بقدر ما هو إعادة خلق له عبر ذات تتشكل وهي تكتب، وتنكشف وهي تغامر في مجاهل اللغة والرؤيا. ومن ثم تغدو المغامرة الشعرية مسارا وجوديا وجماليا في آن واحد، تختبر فيه الذات قدرتها على خلخلة الثابت، ومساءلة اليقين، وابتكار صيغ تعبيرية تعيد ترتيب علاقتها بذاتها والعالم. وفي ضوء ذلك يظهر مفهوم تجلي الذات بوصفه لحظة انبثاق داخلي تتجاوز فيها الذات حدودها المعطاة، لتغدو كيانا متحولا، يتشكل عبر اللغة. إنها ذات تقدم نفسها بوصفها أثرا يتكون داخل التجربة الشعرية، إذ تتداخل الرؤيا بالانفعال، والوعي بالحدس، والصوت بالصمت. ومن هنا تسعى هذه المقاربة إلى تتبع الكيفية التي تتحول فيها المغامرة الشعرية إلى أفق لتجلي الذات، بوصفه صيرورة مفتوحة على الاحتمال، والاختلاف.

تحتكر مجموعة (طفل شقي) لمروان الدليمي خصائص شعرية، تتيح لنفسها فضاء تجريبيا في اللغة والخيال، يتسم بروح المغامرة والانزياح، للتعبير عن الذات بوصفها مركزا للتموضع الشعري، ويقودنا نحو أفق جمالي مفتوح. إذ تبدو المجموعة وكأنّها تنحاز إلى جوهر الشعر بوصفه فعلَ مغامرةٍ لغويّةٍ واشتغالًا تخييليًا ينهض على الانزياح، وتكثيف الدلالة، وتحرير العبارة من مألوفها التداولي. ومن ثمّ، تُقدِّم النصوص ذاتًا شعريّةً متحوّلةً، تتّخذ من اللغة مجالًا للتموضع، ومن الخيال أداةً لإعادة تشكيل العالم. هكذا تنفتح القصائد على أفقٍ جماليٍّ رحب، تُصاغ فيه التجربة بوصفها بحثًا دائمًا عن معنى الوجود، وعن إمكانات القول الشعري حين يتجاوز حدوده المألوفة. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه المقاربة إلى قراءة مجموعة (طفل شقي) الصادر عن دار الشؤون الثقافية – بغداد، ط1، 2024. في ضوء خصائصها الشعريّة، وتمثّلاتها اللغويّة والتخييليّة، بوصفها تجربةً تجريبيّةً تنحاز إلى المغامرة الجماليّة، وتؤسّس لرؤيةٍ شعريّةٍ تنفتح على احتمالات الدلالة وتعدّد آفاق التأويل.

تجلّت ملامح التمرد في مفارقة غنية بالدلالات في العتبة النصية الأولى (العنوان)،  فـ(الطفل) علامة تقود إلى البراءة والانفتاح على العالم بعيون نقيّة، ولكن حين يُقرَن بـ(الشقي)، يصبح تمثيلا للرفض الفطري، وبهذا المعنى، فإن الذات الشاعر تنصّب ذاتها مركزا متحركا يسعى لفهم العالم، عبر تشظياته اليومية الصغيرة، ومكابداته الحسيّة والروحية التي تفيض من الداخل:

ألقي نظرة أخيرة على فهرس اللايقين/ لعلي أستنسخ عناوين ملائكة/ تعودت أن تخبئ مشاعرها خلف رموش اصطناعية/ كانت أحلامها على الدوام أن لا تكون خطوة نائية/ تنتهي بها إلى سلة المهملات/ وهذا لا يحدث إطلاقا/ لولا العمل على تراكم الأشياء على ضفاف العتمة/ كما لو أنها أرقام في صحيفة تهتم بمبتدئين سود/ يتعاقبون على سرد تخميناتهم حول ضبابية الأشياء/ واحدا بعد الآخر.” (المجموعة: 8).

في هذا المقطع الشعري، تتضح الذات عبر مسار باطني، مولّد للصور والدلالات، فتظهر بوصفها وعيا قلقا يتشكل في مرايا اللايقين. وما التعبير الشعري (ألقي نظرة أخيرة) إلا لحظة انعطاف تأملية تنظر فيها الذات إلى أرشيفها الداخلي (فهرس اللايقين) الذي يغدو استعارة لذاكرة مثقلة بالاحتمال، وعبر صورة شعرية تمثّلت في (ملائكة تخبئ مشاعرها خلف رموش اصطناعية). وهنا تتجلى الذات في نقاء داخلي يقابله قناع خارجي، ما يدل على تشظي ما تخفي الذات في جوهرها وآليات تمويهها. ثم تتعمق هذه التجليات عبر هاجس الإقصاء ، فتعلن الذات خوفها من التهميش والعدم، ساعية إلى تثبيت معنى لوجودها في عالم مهدد بالمحو. وتنعكس الذات وعيا مثقلا ببقايا التجربة، فتعيش زمنا نفسيا راكدا، تراقب العالم وهو يتحول إلى مادة باردة؛ أي إلى واقع منزوع الحيوية. أما الذين يسردون تخميناتهم حول ضبابية الأشياء فهم إسقاط رمزي لحالة الذات نفسها، إذ تتبدى وعيا يحاول الوصول إلى يقين، ولكن لا يصل، ويبقى يواصل الدوران في فضاء الاحتمال. هكذا تتجلى الذات في النص بوصفها كينونة قلقة، متشظية، تبحث عن معناها وسط العتمة، وتعيد تشكيل وجودها عبر الكتابة بوصفها فعلا لمقاومة المحو وتثبيت الأثر. وهذا واضح في الاشتغال على تفكيك اللغة اليومية وتحويلها إلى وسيلة لاكتشاف التوترات الكامنة في الوجود، مستفيدا من قدرة قصيدة النثر على التدليل، وتوليد دلالات تتغاير مع كل قراءة. فـ”في الشعر، تختزن القصيدةُ دلالتها في منطقها الخاص، وبنائها، ووحدتها، وفي بلاغة الصياغات، وما في لغة القصيدة من توتّرات صُورية، وتوازنات إيقاعية، ومطابقات، وتكرار، وتعيينات، تعكسها ضمائر التلفّظ أو الماورات والوصف، وسوى ذلك ممّا يقوم باكتشافه القارئ، الذي يتولّى تنظيم المقروء وبناء الدلالة”. (الصكر، حاتم، 2004، ص19).

ولا تخلو قصائد المجموعة من الإحالات إلى القلق الوجودي، إذ تتجلى مفردات اليومي والاغتراب والشيئية بوصفها سمات ما بعد الحداثة. ولكن الذات الشاعرة لا تذهب باتجاه خطاب تشاؤمي سطحي، وإنما توظف هذه العناصر لتبني فضاء شعريا قلقا، يعكس تآكل يقينيات الإنسان المعاصر، ويشخّص ميله إلى تضمين مفردات الحروب والمآسي، ولكن من منظور ذاتي، يقدّم الحدث الشعري بوصفه تجربة حسّية لا وعظا اجتماعيا:

“وأنت تعد ندوب الأمس/ خرجت سالما من أشباح ليلك/ فكيف درأت رماد محطات لا تستحق التفاتة منك؟ / وكيف سهوت عن أرصفة تأجل وصولها إليك؟ /  دون اكتراث كتبت انسلالك من رعب/ تصدعت أيامك من هشاشته/ ستقول ذاتك لذاتك: الحشود لا يهمها سوى دفع السراب”. (المجموعة: 11).

وهنا تنتقل الذات من مركز البوح المباشر إلى فضاء المحاورة مع نفسها، إذ يتجلى الوعي في لحظة انقسام تأملي، تتحول فيها الـ(أنا) إلى مخاطب. فالاستهلال النصي يشير إلى فعل إحصاء باطني، تستعيد فيه الذات آثارها بوصفها علامات هوية، وكأن الندوب نص خفي تقاربه الذات لتفهم ما صارت إليه. غير أن التحول إلى ضمير المخاطب (وأنت) لا يعني حضور آخر حقيقي، وإنما يمثل انشطار الأنا إلى ذات ناظرة وذات منظورة، ذات تراقب وذات تُراقب، وبذلك تتخذ الكتابة شكل مساءلة داخلي. وتتجلى الذات وهي ناجية من خوفها الخاص، فالليل فضاء نفسي تتأثث فيه أشباح القلق، والخروج منه لحظة وعي تتأملها الذات من خارجها عبر ضمير المخاطب، كأنها تراقب نجاتها بوعي مزدوج. ثم تتعمق هذه المحاورة في السؤالين المتتاليين، لتتحول الذات إلى موضوع للاستجواب، ويغدو المخاطب هو الـ(أنا) ذاتها وهي تعيد تفكيك اختياراتها، فتبدو المحطات والأرصفة استعارات لمراحل مؤجلة أو معطلة في مسار الكينونة. وتنغلق الدائرة على حوار داخلي صريح، وتنقسم الذات إلى قائل ومستمع، وتصل إلى معرفة مرة، وهي أنّ العالم الخارجي محكوم بالوهم، والحشود قوة عمياء لا ترى سوى سرابها، وما فعل الكتابة إلا شكل من أشكال استعادة الكينونة، فتتحوَّل القضايا الكبرى إلى تجارب ذاتية صغيرة وعميقة، مثل نظرة في المرآة، أو رغبات مؤجلة، أو خيبات متلاحقة:

 (في مرآتي/ تركت وجها يشبهني كثيرا. (المجموعة:16).

(باتت رغبة مؤجلة أن تجلس فوق  صخرة تشبه غيمة/ وأنت تطلّ على ذلك النهر المستجير بدفء المدينة القديمة. (المجموعة: 23).

(في الخيبات المتلاحقة لنساء عاشقات. (المجموعة: 26)،

 فضلا عن الذكريات، والجلوس في الحدائق العامة، ولحظات الرعب، وانتظارات غودو….، وهذه التفاصيل وغيرها جاءت في معمار تشكيلي، أكسبها خصوصيتها الجمالية في حراك تغايري، يتجاذبه بعدان متشابكان داخل نسيجها البنيوي، ولا سيما على المستويين اللغوي والتصويري، هما البعد الدلالي، والبعد السردي (ينظر: الصكر، 2019، ص11.) ومن أهم الموضوعات التي تكررت في المجموعة موضوعة الطفولة المهدورة أو البراءة المسحوقة. ولا يخفى أن العنوان (طفل شقي) يحمل في طياته إحالة مزدوجة إلى الداخل الفردي وإلى الذاكرة الجمعية، فثمة طفل في داخل الذات الشاعرة لم يُتح له أن يكبر في عالم متصالح مع نفسه، وثمة طفولة تعرضت للخذلان والانكسار:

 “ذبل مثل وردة / ذاك الفضول الطفولي في معرفة شكل السيارة التي يقودها الله/ وأي طريق يؤدي إلى البيت الذي يقطنه الضباب/ ولماذا يغادر الآباء فجأة” (طفل شقي ص23)

تقدم الذات الشاعرة هذا المقطع في صورة بلاغية حساسة، وهي تشبيه مباشر يحيل إلى انطفاء أو اضمحلال شيء ما كان مزهرا، ربما ذبول وجداني أو معرفي، ويمثل تراجع رغبة الاكتشاف، بسبب صدمة أو فقد ما. والفضول الطفولي هو المحرك الأول للخيال، فالطفل يريد أن يعرف كل شيء، فينشغل في معرفة الأشكال والطرق،وهذه الصور ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها تجليات لخيال طفل يُسقِط أدوات الفهم البسيطة على أسئلة (الغياب). وهو لا يعرف هذا الغياب إلا عبر الحضور ( السيارة، الطريق، البيت، الضباب). وهنا تنتقل القصيدة من الخيال إلى الواقع بتقانات المفارقة، والتوتر الشعوري، واللغة المجازية ، والتكثيف الدلالي. وعبر السؤال الذي فجّر كل تلك الصور السابقة، مغادرة الآباء – سواء بالموت، أو الهجر، أو الغياب المعنوي – لحظة لا يستطيع الطفل أن يفهمها؛ لذلك يستعين بخياله كي ينسج له إجابة. وهذا يعكس في الوقت ذاته احتجاجا داخليا صامتا، فلا يسأل الطفل الله مباشرة، بل يتخيل مركبة يقودها، ومسكنا يكتنفه الغموض، وهو يتوسل إلى الكون أن يفسر رحيل الآباء عبر أدوات خياله المحدودة. لكنه يصطدم بجدار الغياب الصلد، فيذبل فضوله كما تذبل وردة.

ويتكرر موضوعا الفقد والانكسار، ولكن دون نبرة رثائية، إذ يتم الاشتغال عليهما بوصفهما شروخا وجودية، وعلامات على تشقق المعنى، لا بوصفهما مواقف وجدانية نهائية، وهنا يمكننا القول: إن الذات الشاعرة لا تكتب الـ(مراثي) بقدر ما تكتب (الأسئلة الشعرية) حول كيف يمكن للذات أن تستمر في الحياة على الرغم من هذا العطب المتراكم:

“ايتها الحياه المكتظة بالطرقات المطمئنة/ أخذتنا أحذية الغرباء إلى حيث اصبحنا حفاة/ وما من سبيل يقودنا إلى ملائكة ينتظرون أمام الأبواب” (المجموعة: 31).

يشتغل هذا المقطع الشعري على المفارقة بطريقة دقيقة ومقصودة، لاسيما في توظيف عبارة (الطرقات المطمئنة) التي تبدو لأول وهلة باعثة للسكينة، لكنها سرعان ما تنقلب دلاليا لتؤسس لانعدام الأمان والتيه، مما يمنح النص شحنة شعرية ودلالية تقوم على الخذلان والاغتراب وسقوط اليقين. وهنا تنقلب الدلالة، فالطرقات التي بدت مطمئنة كانت خادعة، والطمأنينة كانت سطحية أو مموّهة، ولا تنتمي إلى الذات بل إلى سلطة خارجية (أحذية الغرباء) وهي تُرمز إلى القوى القهرية، الاستعمار، المنفى، القمع. والمفارقة في كلمة (مطمئنة) تعمّق الخيبة الوجودية في النص، فهي تهيئ القارئ لجو من الراحة، ثم تسلبه إياها. وهذا التوظيف الواعي للمفارقة يخلق توترا شعوريا ووجوديا، يجعل القارئ شريكا في التجربة، من الإيهام بالأمان إلى الاصطدام بالفقد.

ويستمر الشاعر في رسم تجلّي الذات، متسلّحًا بوعي دقيق بضمير الـ(أنا)، محولًا صراعاته الداخلية إلى لوحات لغوية تفيض بالانكسار والحنين، فتتحول التجربة الفردية إلى فضاء شعري عام، إذ يتداخل الزمني النفسي مع المكاني الرمزي، ويصبح كل شعور، مهما بدا شخصيًا، مرآة لانكسارات الإنسان في مواجهة ذاته والعالم. إن تحويل ضمير الـ(أنا) من صيغة الظاهر إلى المستتر تقانة لإظهار الصراع بين الداخل والخارج، وما يُخفى وما يُعلن، فتحقق النصوص بذلك حالة من التواطؤ مع القارئ، الذي يشارك الشاعر في الكشف عن أعمق مشاعره وأفكاره:

“ساعة تستدير هواجسي ناحية إنهاك مقبل/ لا أملك ما يكفي من ضوء / حتى أقتحم عتمة خساراتي/ ولا الذي ستمضي إليه من أبواب لم تطرقها/ على الرغم من أني / مسترسل معها /بأقنعة لها رائحة العشب/ لست مهتماً / سواء كنت أحيا مثل عن عندليب/ أو مثل شجرة عذبها النعاس في غابة موحشة”. (المجموعة: 34-35).

وهنا يتجلّى حضور الذات الشاعرة عبر استحضار انكساراتها وهواجسها الداخلية، فالضمير المستتر (أنا) يُبرز موقف الشاعر من عالمه النفسي، حيث يبوح بالعجز أمام (عتمة خساراته) وعدم كفاية (الضوء) لاختراقها، وهو تصوير مباشر لصراع الذات مع الظلام الداخلي والأزمات. الحركة بين الضمير والمكان الرمزي تعكس بحث الذات عن المعنى أو الخلاص، لكنها تصطدم بالمجهول. وما استخدام التعبير الشعري (أقنعة لها رائحة العشب) إلا إشارة إلى محاولة الذات التستّر أو التماهي مع محيطها، في حين تظهر المقارنة بين حياة عندليب وحياة شجرة عذبها النعاس، انفتاح الذات على كل احتمالات الوجود، من الحرية المطلقة إلى الخمول والاغتراب.

ويستمر الشاعر في تقديم تجربة شعرية ناضجة، تنتمي إلى جيل يرفض القوالب الجاهزة، ويؤمن بأن الشعر هو الشكل الأكثر قدرة على التعبير عن تعقيدات الذات والواقع، ولكنّ  الشاعر في هذه المجموعة لا يكتب من أجل النقاء النوعي، وإنما من أجل الانغماس في التداخل النوعي بوصفه شكلا من أشكال التجنيس:

“هل باتت الطريق اقرب مما ينبغي اليك/ فأصبحت تشم رائحه ملوك تشققت محابسهم/ وهم ينفخون طيلة الليل في ناياتهم؟/ لم يعد حلما بعيد المنال/ أن تمسك الهواء بكفيك/ أن تعود بشخابيط الطفولة لتجمع شظايا أشجار تشبه وجهك/ أن تستنشق هواء بلون البنفسج على ذاك الجسر العتيق/ وأنت كما لو انك قنديل يبعث رسائل لصيادين ينامون في قواربهم/ ويحسبونها احضان عشيقاتهم/ من بعد أن خذلهم الانتظار” (المجموعة: 41-42)

يقدم هذا المقطع نموذجا ثريا ومكثّفا من التداخل السردي بالشعري، ويقع بوضوح ضمن نطاق النصوص عابرة النوعية، إذ يتعمد الاشتغال على التداخل النوعي بوصفه مشروعا جماليا ورؤيويا، فيأخذ من التداخل السردي/ الشعري بنية شعرية لكنّه لا ينقطع عن السرد، بل يستدعي آليات السرد من حيث التدفق الزمني والانتقال المشهدي، فنلاحظ افتتاح سردي موارب، تجلّى في سؤال سردي تأملي، يفتتح النص بالحيرة والانتظار، وينطوي على توتر سردي يفتح أفقا لحكاية غير مكتملة، وما تتابع الصور ذات الطابع الحكائي الرمزي في (ملوك تشققت محابسهم)، و(ينفخون طيلة الليل في ناياتهم)، إلا إيحاء بماضٍ ملكي منحلّ، أو سردية انكسار السلطة. وحتى ضمير المخاطب يؤدي وظيفة سردية داخلية، فيخاطب الذات في لحظة عبور أو صحو، فتتحول لحظة التأمل إلى مشهديّة سردية مشوّشة، قائمة على استعارة مركّبة تسرد أكثر مما تصف، فما روي لم يُرو بتقنيات السرد التقليدية، وإنما عبر لغة شعرية مشبعة بالترميز والتكثيف من دون أن تفقد قدرتها على تصوير فضاء سردي داخلي، تُصبح فيه اللغة ذاتها حقلا للمراوغة والاختبار. إنه نص لا يُطمئن القارئ بل يقلقه، وهذا جوهر الكتابة العابرة التي تؤمن بأن التداخل النوعي أداة لخلخلة الثابت وتوليد المعنى.

ويتكرر انتقال الضمير من الـ(أنا) إلى الـ(أنت) في قصيدة (قنينة من زجاج في مياه الأطلسي) بوصفه آلية أسلوبية تكشف انقسام الذات وتحوّلها من مركز القول إلى موضوع له، إذ  تتخلى الـ(أنا) عن يقينها لتعيد تشكيل حضورها عبر مخاطبة الآخر الذي ليس سوى مرآتها العميقة. وبهذا الانتقال تتوتر البنية الخطابية بين بوح داخلي واستدعاء حواري، فينشأ فضاء تأويلي تتحرك فيه الذات بين الاعتراف والتشيؤ، وبين الرغبة في التماهي والخشية من الانكشاف، مما يجعل الضمير أداة لإنتاج المعنى:

“تتراجع منكسرا إلى الخلف كندبة سوداء/ بعيدا عن خرائط اليقظة/ محشورا في زاوية الوقت الهارب منك أنّى شاء”. (المجموعة: 43)

ولكن سرعان ما ينقلب الضمير ذاته إلى الـ(نحن)، فتغادر الذات عزلتها الفردية لتدخل أفقا جمعيا يتسع لتعدد الأصوات وتشابك التجارب، فلا تعود الـ(أنا) مركزا مغلقا للقول، وإنما نواة تتكاثر داخلها الذوات الممكنة. إن هذا التحول لا يشي بذوبان كامل في الجماعة بقدر ما يكشف رغبة في الاحتماء بضمير مشترك يخفف وطأة الانقسام، ويعيد توزيع عبء التجربة على أفق أوسع من الوجود. وبهذا يغدو الانتقال من الـ(أنا) إلى الـ(أنت) ثم إلى الـ(نحن) مسارا حركيا لتشكل الذات، تتدرج فيه من البوح الفردي إلى المخاطبة ثم إلى التشارك، فتتأسس بنية خطابية تتناوب فيها العزلة والتواصل، والانكفاء والانفتاح، بما يجعل الضمائر علامات على صيرورة الذات لا على ثباتها:

“السماء منذ ألف عام تقطن هنا/ فلماذا تاهت عنّا ولم تعد تحتفي بنا ولا بالورد في حدائقنا؟/ لماذا قصائد اللوعة أعجوبة أشعارنا؟/ ربما نجلس على الدكة الخطأ/ أو أن للصورة وجها آخر”. (المجموعة: 45).

ونخلص في نهاية المقاربة إلى تناوب تجلي الذات في مغامرات مروان الشعرية بين الـ(أنا) والـ(أنت) والـ(نحن)، بوصفه حركة داخلية لا تستقر على هوية واحدة، وإنما تواصل عبورها في دروب الكشف والتشكل؛ ففي كل تحول ضميري تعيد الذات اختبار حدودها، وتعيد صياغة علاقتها بذاتها والآخر والعالم، فتغدو المغامرة الشعرية فضاء تتولد فيه الذوات الممكنة، بوصفها كينونات في طور الصيرورة. ومن ثم يتأكد لنا أن المغامرة الشعرية مسار تتجلى فيه الذات وهي تتخلق داخل اللغة، وتغامر في تفكيك يقينها، لتبلغ عبر هذا التوتر الخلاق لحظة حضورها المتجدد، ويصبح الشعر نفسه مجالا لاكتشاف الذات وهي تعبر احتمالاتها المفتوحة بلا نهاية.

…………………….

1. حلم الفراشة (الإيقاع الداخلي والخصائص النصية في قصيدة الشعر) د. حاتم الصكر، وزارة الثقافة اليمنية، 2004م.

2. غواية التجريب، دراسة في التجريب الشعري عند جيل السبعينات في العراق، مناف جلال الموسوي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2012.

3. الثمرة المُحَرَّمة، مقدِّمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر). حاتم الصكر، سلسلة نقد1، شبكة أطياف الثّقافيّة للدراسات والترجمة والنشر، ط1، 2019م.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع