المشي مع الكتابة

mohammed Al fakharany

محمد الفخراني 

في إحدى تمشياتي بالشوارع، خرَجَتْ لي “الكتابة” هذه المرَّة من أحد الممرَّات، التصَقَتْ بكتفي فالتصقْتُ بها، أُحب هذه “الَّلزْقَة”، عيناها في عينَيَّ، وابتسامتي في ابتسامتها، وأصابع يدها ويدي تُخَرْبِش بعضها بعضًا، بقينا على وَضْع الَّلزْقَة والخَرْبَشَة لعِدَّة خطوات، ثم قالت: “محمد، تعال أَفَرّجك”.

كثيرًا ما فرَّجَتْني وفرَّجَت الدنيا عليَّ، أُحِبُّ هذا.

أمسكَتْ بإصبعين من يدي، ودخلنا مَمَرًّا جانبيًّا، لم يكن مَمَرًّا ولا شارعًا، لكنه مَمَرٌّ وشارعٌ على طريقته، قالت لي الكتابة: “اسمع الأصوات، محمد”، أصوات أصابع تُطَرْقِع على الآلة الكاتبة، وبعد ثوانٍ أصابع تُفَرْقِع على كيبورد، وأسمع صرير قلمٍ يجري على ورق، ورفيفَ ريشةٍ تكتب في صحيفة، ونَحْتَ سِنٍّ في حَجَر، وحَجَرٍ في حَجَر، وعَصًى على سطحِ ماء، ولمساتِ أصابعَ لشاشةٍ زجاجية، وشاشةٍ طيفيَّة، وتقول لي الكتابة: “هنا يا محمد..”، وأرى على جدارٍ ظِلًّا لكاتبٍ يجلس إلى مكتبه، ويكتب بالقلم والورقة في ضوء شمعة، وكاتبًا يكتب في إضاءة خفيفة، وكاتبًا يبكي ويضحك في الوقت نفسه، وكاتبًا يرقص، ومن رقصَتِه أعرف أنه حصل على جُملَة رائعة، وظِلًّا يكتب واقفًا، وآخَر مُقْرفِصًا، وثالثًا مستلقيًا في سريره، وكاتبًا يكتب في منديل ورقي، وآخَر يكتب في نوت بوك على طاولة بالمطبخ، وآخَر جالسٌ في الحمّام يتلفَّتُ حوله بَحْثًا عن ورقة وقلم، وكاتبًا يكتب في باطن يده.

 تبتسم الكتابة، وتُشير إلى الهواء فوقنا: “محمد، هنا..”، فأرى كاتبًا يمشي على خيطٍ ممدودٍ بين هواءَيْن، وكاتبًا يمشي على هواءٍ بين خَيْطَين، وأرى ظلًّا بعيدًا لكاتبٍ يصرخ في شُرْفَتِه، فأعرف أنه انتهَى من روايته للتوّ، وبَعده كاتبٌ يصرخ، وأعرف أنه يبحث عن روايته، ألمح كاتبًا يقف على رأسه في زاويةِ غرفته، وكاتبة مستلقية على ظهرها فوق سريرها ورأسها باتجاه الأرض، موسيقا صاخبة من غرفةِ كاتب، وموسيقا هادئة من غرفةِ كاتبٍ آخر، وأرى كاتبًا يمشي متوحِّدًا في شارع قريب، وآخَر يجلس متقوقعًا تحت شجرةٍ على رصيف، وكاتبًا يمشي وهو يُكَلِّم نَفْسَه ويُحرِّك يديه في الهواء، وكاتبًا يلهو مع كلاب الشارع، وآخَر مع طاولته وقهوته في زاويةِ مقهى، وكاتبة تجلس القرفصاء على حافة رصيف، وأصابع قدميها مُعلَّقَة في الهواء على الأسفلت، أتفرَّج على كاتبٍ يتكلَّم إلى روايته في شاشة اللاب توب، ويطلب منها أن تقول له اسمها الذي لم يعرفه بَعْد: “قولي لي اسمِك”، وكاتبٌ ينظر إلى روايته على الشاشة بإعجاب، ويقول: “كل هذا الجمال، أنا عبقري”، وكاتبٌ بغضبٍ إلى روايته: “ما هذه التفاهة، مَنْ يهتم بهذا”، وكاتبٌ يهمس لروايته: “متى أراكِ في كتاب”، وآخَرُ يهمس لنفسه بتصميم: “لن أنشرها، مستحيل”، وأرى كاتبًا يسأل شخصياتِ رواياته إنْ كانوا يرغبون في شيءٍ يشربونه معه: “سأُعِدُّ قهوة لنفسي، هل يريد أحدكم شيئًا، قهوة؟ شاي؟ أنتَ؟ وأنتِ؟ ليس الآن؟ طيِّب، قهوة لنفسي وأرجع لكم”، وكاتبٌ يعتذر لروايته: “أنا آسف، لم أقصد أن أشتمك فِعلًا”، وآخَر يُؤكِّد لها شتيمته: “أنت فِعْلًا سافلة منحَطَّة”.

وأمشي والكتابة، ونشعر معًا بنَقْصِ الهواء، وتسألني: “هل انقطعَ الهواء؟”، وأسْحَب نَفَسًا لأتأكَّد، فأجده فارغًا من الهواء، وأقول لها: “يبدو ذلك، ماذا سنفعل؟”، قالت: “نتصرَّف، لطالما تَصَرَّفنا في مواقف أصعب من هذا”، قلت لها: “عندي اقتراح”، وخرْبَشْتُ أصابعها بأصابعي، فابتسمَتْ وقالت: “هل تحب أن تبدأ أم أبدأ أنا؟”، “اسمحي لي”، وأحَطْتُ وجهها بين يديَّ، واحتويت فمها كله داخل فمي، أُعطيها من أنفاسي، لم يكن هواءً، إنما شيءٌ من داخلي، ويمكنها أن تتنفَّسه، أظن أنه بعض روحي، أعطيتها ثلاث دفقاتٍ من روحي، تنفَّسَتْني، ثم مشَيْنا خطوة، وقالت لي: “الآن دوري”، وأحاطت وجهي بيديها، وفمي بفمها، وأعطتني ثلاث دفقاتٍ من روحها، تنفَّسْتُها، ومشينا خطوة، ودون أن أقول لها “حان دوري”، أحَطْتُ وجهها، وفمها، وأُعطيها من روحي، ومشَيْنا خطوة، وتعطيني من روحها، ثم خطوة، وأُعطيها من روحي، نتنفَّس بعضنا بعضًا، حتى شعرنا بالهواء حولنا، فتوقَّفْنا، لو لم نتوقف لكان في هذا شيء من افتعال، يمكننا أن نفعلها مرَّة أخرى كأنها لعبة، وما أكثر الألعاب بيننا، وما الألعاب إلّا أكثر بيننا.

ودَخَلْنا شارعًا مُتفرِّعًا، قابَلْنا في منتصفه كومةً كبيرة من أوراقٍ مكرمشة، كأنها جبلٌ صغير، وعرِّفَتْني الكتابة أنها الأوراق التي يَنْزَعها كاتبٌ ويُكَرْمِشَها ويرميها، أو السطور التي تُحْذَف من شاشات الكمبيوتر، أو ملفّات كاملة ضاعت، أو صفحاتٍ حُذِفَتْ دون قَصْد، أو حتى أفكار ينساها الكُتّاب، كلها تتَحَوَّلَ إلى أوراقٍ مكرمشة، قالت لي الكتابة: “أنا أحب الورقة المكرمشة شَكْلًا ومضمونًا، مغوية ومثيرة للفضول، بما تحويه من خطأ أو سِرّ”، والتقطَتْ ورقة مكرمَشَة من الجبل، ومرَّرَت حوافها المخرْبِشَة على سطح يدها، وقالت: “الورقة المكرمشة صادقة وعفويَّة وحقيقية”، وفتَحَتْ زاوية صغيرة في الورقة، ونظرَتْ بعينٍ واحدة، ثم قرَّبَتْها من عيني، فقرأتُ كلمةً ونصف، وسحَبَت الكتابةُ يدها وكَرْمَشَت الورقة ورمَتْها إلى الجبل.

 ومشينا أنا والكتابة في الأوراق المكرمشة، كأننا نتسلَّق جبلًا ونُجدِّف في بحر ونتوغَّل داخل غابة، ونشعر بتلك “الخربشات”، أنا والكتابة نحب “الخربشات”، حتى خرجنا إلى الجهة الأخرى، الشارع خالٍ، وطارت إلينا من إحدى النوافذ ورقةٌ مكرمشة، التقطَتْها الكتابة من الهواء، وفتَحَتْها، ثم نظرَتْ إليّ: وقالت: “هذا خَطُّك”، وقرَّبَتْ منِّي الورقة.

أنا والكتابة نمشي متلاصقَيْن، نقرأ من ورقة مكرمشة كتَبْتُها، وأفكر في لعبة “انقطاع الهواء”، أعرف أنها أيضًا تفكر فيها، نلعبها بعد قليل، وما زلنا نمشي، نمشي.. أنا والكتابة..

…………………….

* مقطع من رواية “إنها تُمطِر روايات”، قيد الإصدار

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع