د. رضا عبد الرحيم
تشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى مدى عمق التمييز الثقافى بين الجنسين عبر دورة الحياة؛ حيث تنشأ فكرة التمييز بين الذكور والإناث قبل أن يأتى الطفل إلى الحياة ابتداء من مرحلة الحمل ومعرفة نوع الجنين حتى الولادة والعادات المصاحبة لها والتسمية ومظاهر العناية الجسمية والصحية بالطفل، وصولا إلى ما قبل البلوغ. وفى كل مرحلة تتخذ التفرقة بين الجنسين ملمحا محددا حتى تكتمل الفروق الاجتماعية الشديدة فى ملامح الصور الذهنية للذكورة والأنوثة فى الموروث الثقافى.
والأنثى تنقش على جسد أعمالها هذه السلطة النابعة من ثقافة الأعراف والتقاليد والثقافة السياسية والاجتماعية وتصبح منتجا اجتماعيا قابلا لأن تتسلط عليه عوامل الإضافة والحذف وعوامل التهميش، وعندها يصمت الصوت الأنثوى المتمرد ، ويغيب الصوت البيولوجى المحايد ، ويعلو الصوت الثقافى (سعيد المصرى، تراث الاستعلاء).
وتمثل الأديبة سميرة المانع هذا الصوت الأنثوى المتمرد داخل عملها الأدبى “ القامعون” فالمرأة أفصح الأمثلة على وضعية القهر بكل أوجهها ودينامياتها ودفاعاتها فى المجتمع، كما أن التوجه الوجودى للمرأة فى وضعية القهر تتحكم فيها وسائل السيطرة الخرافية على المصير، فهى أكثر العناصر الاجتماعية تعرضا للتبخيس فى قيمتها، فلم يعد من الممكن تجاهل الدراما النسائية أو الاستهانة بها فى النصف الثانى من القرن العشرين؛ حيث اهتمت بالنواحى الاجتماعية والنفسية، والتأريخ لاستكشاف المناطق المجهولة، والعناية الفائقة باللغة والتحكم فيها، وطرح التجارب الحياتية البسيطة بمنظور أعمق وأوسع، ومحاولة استعادة أصوات النساء، ومناقشة العلاقات الإنسانية بعيدا عن الصور النمطية وبعيدا عن فكرة الهجوم على الرجل أو إدانته كما يُظن، فالرجل بصورة أو بأخرى هو الآخر ضحية لمنظومة القهر التى تسيطر على الجنسين.
ومنظومة القهر بوجه عام شديدة الصلة بالمرأة أولا، والرجل ثانيا، فهى تشير إلى أن القهر النسوى هو نتاج لقهر الرجل أيضا من مؤسسات أخرى، وأولها الرأسمالية التى تهيمن على الاقتصاد وتسخر الإنسان، فالرجل حينما يستغل المرأة بحكم النظام الأبوى القائم على سلطة الرجل صاحب السيطرة الاقتصادية يُستغل هو أيضا كما ذكرنا آنفا من مؤسسات أخرى (أسماء بسام،خطاب القوة فى مسرح فتحية العسال) كيف حولت الكاتبة العراقية سلمى المانع الدراسات الاجتماعية عن مفهوم القمع بين الجنسين إلى صورة حية ملموسة فى عملها البديع القامعون؟
تدخلنا الكاتبة الراحلة إلى المجتمع العراقى المحافظ، الذى يرى النساء ودائع ، ولابد من أمان لهن(ما جاء على لسان عميد كلية الآداب).. حيث تصطحبنا إلى القسم الداخلى المنيع المقفل لإحدى سكن الطالبات ، ومن خلال زيارتنا تلك نقف على أسباب القمع فى المجتمعات العربية بصفة عامة ، وفى المجتمع العراقى على وجه الخصوص.ومن خلال حادثة سرقة أو تلصص على هذا المكان الحصين ، تتحرك الدولة لحمايتهن ، مشددة على ضرورة وجود حراسة للدار باستمرار من قبل جهازها الشرطى جنبا إلى جنب مع الحارس المدنى”جاسم”(عشائرى النزعة)، والذى واجه تبويخا من الست “مارى”، مديرة الدار؛ لتقصيره فى عمله. نقرأ: وقفت تحاسبه متمكنة، وجها لوجه باسلوبها الجنائية المقتدر، وكأنها واحدة من الطالبات المشتكيات قائلة: هؤلاء الذين دخلوا الحديقة، ألم تسمعهم أو تراهم؟!(ص 9) كان الحارس “جاسم” ، بحكم عمله، هو الرجل الوحيد الذى يحل له رسميا دخول البناية متى شاء، وهو المدافع عنهن، عن كل ما يخطر أو لا يخطر بالبناية. له السلطة أيضا بالتحدث مع الداخلات والخارجات،,,,,,، كان أدبه يمنعه من الدخول إلى غرفهن دون استئذان. فهيئتهن لابد أن الحارس جاسم واجد فيها شيئا يخدش الحياء. فهن ما بين نائمات، خالعات، ضاحكات. وحين يسألنه شراء شىء لهن ، مرطبات أو دفاتر ، كان يلبى الطلب باستنكاف وحرمة،قارعا باب الغرف، متنحنحا، منبها من شاء منهن أن جاسم قد جاء. (ص11 )
إننا هنا أمام سلطة القانون الإدارى والتى تُعرف بأنها الحق القانونى والوظيفى المخول للمسؤول أو المدير لإصدار الأوامر ، والتعليمات والقرارات إلى مرؤوسية الذين يرتبطون معه برابطة الخضوع والتبعية القانونية، وذلك لضمان سير العمل بانتظام.
الست مارى: هذه شكوى وظيفية واضحة عليك. أقدمها غدا لإدارة الجامعة بهت جاسم محتفظا ببقية رباط جأشة ، كان متعودا على تهديداتها ثم رضاها أحيانا .(ص 10)
تقوم إدارة الشرطة بتعيين حراسة على الدار متمثلة فى الشرطى المختال “حسن” ، الذى يرى في عمل جاسم بطالة مقنعة، في حين يرى جاسم وجود الشرطى المختال من المنظور الإدارى وبيئة العمل رمزا للمنافس (التنافس الهدام) الذى ربما كان سببا فى قطع عيشه. نقرأ على لسان جاسم: فهذا الشرطى منافس، يحسب له حساب، سيمر الماء من تحته، وتسرح وظيفته.(ص14) هذا الشرطى كالضرة، ينافسه فى المقام، يعامل بالمثل. يراقبهن متى شاء. يبتسم معهن أحيانا. يرد لهن تحية المساء والصباح.(ص 20 )
ولعل العبارة التالية خير دليل على كل ما سبق: انبسطت أسارير الشرطى حسن . خاله -جاسم- يقول: ما رآيك استاذ الآن، من أصلح للجلسة على هذا الكرسى المريح(كرسى الحراسة) أنا وبنطالى ومسدسى فى جنبى أم أنت ودشداشتك وطاقيتك السخيفة.
فهل كان مجيء الشرطى المختال لمزاحمة الحارس جاسم هبة أم نقمة من السماء؟إن التغيرات التى طرأت على شخصية الحارس جاسم لا تقف عند الأهتمام بالملبس والشكل الخارجى ، بل اكتسب صفات سيئة من الشرطى المختال أيضا فنجده يقوم بما كان يأخذه على الشرطى، فالحارس الذى كان يخجل من بنات الدار ، ويزعجه لدرجة جعلته يفكر فى أبلاغ مديرة الدار عن تصرفاته . جاء إلى سعدية(خادمة الدار) مهموما مؤخرا ، شاكيا من ازعاج الشرطى له، أخبرها بعصبية، أن عيونه ما فارقت الفتيات ، مكثرا فيهن تعليقاته العابثة وأنواع همسه ووصفه. قال أنه سيخبر المديرة بالأمر. فقد حان موعد ارجاع الشرطى من حيث جاء بل طرده، نتفاجأ بأنه يتلصص على البنات أثناء غسلهن للملابس، ويتعقبهن خارج الدار، ويسرق ملابسهن الداخلية ! والنوم على أسرتهن الخالية منهن فى الإجازة الصيفية ، ويخطط للإيقاع بالخادمة!!( ص40:51) ، ويرجع هذا التغير المفاجىء إلى إشارة الشرطى للحارس فى مجمل حديثه- دون قصد-واقعة مماثلة لخيانة زوجة الحارس له ، وهو سره الدفين، الذى دفع به خارج قريته ، نقرأ : ود لو هجر بغداد كلها.سافر إلى أهله فى القرية لولا وجود زوجته نعيمة هناك، وهى التى خانته مع سائق التاكسى ، فلم يجدها عند أهله لدى عودته للقرية بعد هجرها وغيابه عنها ثلاثة أعوام ، وخوفة من أن يلاحقه قومه مطالبينة فى قتلها.(ص 15، ص 52)
المرأة هنا أيضا تقمع بسبب العادات والتقاليد البالية ، نقرأ: تذكرت سعدية رابطتها الوحيدة . أن أقرب من تعرف لها اخوها “عبود”. لم تستطع الزواج لممانعته لمن يتقدم من الرجال، لأنهم أقل منه مقاما وطبقة، لو وافق لتزوجت واستحدثت عيالا وصارت لها أسرة ،يقول عبود لسعدية: هناك ثلاثة لا نقبل بمصاهرتهم، النداف، والكناس، ومنظف الأردية. (ص 46) ، وحتى بعد سقوطها المروع مع الحارس جاسم الذى كان يراها كعظمة الكلب مرماة سهلة- ربما هذا أسقاطا نفسيا على زوجته نعيمة- ويتحدث عنها مع “سليمان “المكوى عنها بكل سوء، مما جعل الأخير يلاحقها ، ويهددها بكشف أمرها إذا ما رفضت الانصياع له.
نقرأ: وإلى متى يا سعدية؟
سألها لحوحا مطالبا. اظهر حاجته عندها وهى لا زالت المسؤولة عن التأخير . أتريدين الليلة؟ تعقدت وقفتها فى حرج. تشبثت يدها بسله الخوص كقلب، متنمرة تحت العباءة، لبوءة فى فروة قماش سوداء. (ص 70: ص 76) وعندما وصلت سمعتُها السيئة إلى أخيها “عبود” ، خشى على نفسه من عقوبة السجن سنتين إذا ما أقدم على قتلها ، نقرأ : كان يحسب ما سيناله من عقاب لدى الحكومة بعد قتلها، ومن المعلوم أن عقاب سنتى حبس له هى غاية ما سيحصل حسب القوانين العراقية، ما دام القتل غسلا للعار.(ص79)، نقرأ: نظر لبرميل النفط نظرة مشتهية. النفط. النفط. أنه الحل الأمثل للمشكلة كلها.انتبه، مسرعا، للشرف مرة أخرى، ففضيحة حول اخته ستؤدى بسمعته بين جميع معارفه وأصحابه. ليتدارك الأمر فورا: عود ثقاب واحد وتكفينا. تركها وحدها لتقرر مصيرها، فى نهاية الأمر. مصيرها الذى اتفقا عليه دون الحاجة إلى بصمة أبهام.

















