محمد عثمان أبوزيد
اعتاد الأستاذ إبراهيم زيارة الفرن الآلي كل صباح. يصطف في طابوره الخالد كحبة لحم في جسم ثعبان طويل متعرج.
اليوم وجد الثعبان فارغاً من حباته، أراح دراجته إلى بناية إسكان شعبي مجاورة، نشعت فيها مياه الصرف ضاربة جدارها الأيمن.
استنشق هواء الصباح النقي، لفته فرحة وملكه شعور بالتحقق؛ لأول مرة سيقف على رأس الطابور.
ومن خلف قضبان نافذة الفرن الصغيرة رأى العاملين بالداخل وهم يخبزون في نعاس خالطته تعاسة.
“بعشرة جنيه الله يكرمك”.
ألقاها الأستاذ إبراهيم في لهفة، التفت نحوه فتى مغمور بحبات الدقيق الأبيض حتى باتت حركة رموشه ملحوظة. صاح في غلظة:
“لسه بنخبز”.
قالها ثم سعل سحابة دقيق أبيض، تحررت من خلف القضبان خالقة فوق رأس الأستاذ إبراهيم سحابة أخرى صغيرة هشة.
لم يجد بداً سوى الانتظار، ربط على قلبه أن رأى بعين الخيال تحصله على أول دفعة من الخبز الأسمر الساخن.
رنا إلى ما خلف كتفيه، رأى قطيعاً من الكلاب الضالة تتهادى أجسامها البالية بلا اكتراث. واستقبل جسم الثعبان حبة لحم ثانية من خلفه فتوجس، بعد خمس دقائق أصبح قوام الطابور خمس حبات، بعد عشر دقائق عشرون حبة. استطال حتى بات ذيل الثعبان عرضة للدهس تحت العجلات، انكمش الثعبان لحماية الذيل فانضغطت حبات لحمه، تلوى جسمه الطويل في ثنايات غير متناسقة حتى وصلت موجة الضغط إلى الأستاذ إبراهيم.
ألقى نظرة خاطفة صوب دراجته، مائلة في تكاسل إلى الجدار، تتدحرج صوبها علبة زبادي بلاستيكية، شردت من تل زبالة مجاور بفعل الرياح، وأدت العجلة الأمامية فعل الدحرجة، حط أمامها غرابان أملاً في تبلغ بقايا العلبة، نقراها في لهفة فنالت الدراجة ثلة من النقرات، وتمتم الأستاذ إبراهيم في رجاء:
“ياعم خلصنا الله يخليك”.
ومن الفرجة الصغيرة لاحت له في العتمة الداخلية أرغفة الخبز الطازج تتحرر من جوف الفرن، تُلقى تباعاً فوق بسطة إسمنتية لتفقد بعضاً من حرارتها فلا تتعجن.
هانت، هو رأس الثعبان، واستنهضت الشمس الآخذة في الارتفاع حرارة الأشياء، مسترقة نظرة حامية إلى حبات لحم الثعبان. وتعرق وجه الأستاذ إبراهيم، متمايلاً بفعل موجات الدفع القصيرة القادمة من الخلف، واستقبل أظافر طويلة قذرة ناقرة كتفه، وسمع صوتاً يلحن في نطق العامية:
“إيه اللي بيحصل عندك يا حجوج!”.
“العيش طلع”.
“طب ما تخلص”.
“العيش بيبرد أصله مولع”.
“مولع! والله عيب ده انت راجل كبير”.
قالتها امرأة جسيمة كانت قد أبكرت فاصطفت كأول الحريم حاجبة من اصطففن خلفها فلم يعرف لهن عدداً.
واعتصره كدر داست فوقه خيوط الشمس الحامية فوشمته فوق صدره، ومن وراء تل الزبالة تراءت له سيارة رباعية الدفع سوداء فارهة، اقتربت في نعومة صامتة حتى جاورت بناية الإسكان الشعبي، تقهقر سائقها مستظلاً بالبناية فاصطدم بدراجة الأستاذ إبراهيم. انضغطت الدراجة بين البناية وقائم السيارة المعدني المرتفع فتكأكأت متحطمة.
تك.. تك.. تك..كرااااش..
“العجلة!!!!”.
كذلك صاح، وكاد يغادر رأس الثعبان الطويل ثم ما لبث أن تراجع. هي المرة الأولى التي يتقدم فيها طابور العيش.
ودراجته قديمة متهالكة، صدمتها سيارة فاخرة، يمتلكها – بلا شك – رجل فاخر مثلها، قادر على ثمنها وصيانتها وإهانته إن حادثه في شأن تحطمها. آثر السلامة الغذائية وتجنب مهانة مؤكدة، واحتسب دراجته شهيدة للواجب، وترامى له صوت حبة لحم من جسم الثعبان:
“شوف الراجل الجبان!”.
وآخر قصير احتل كرش عملاق جل جسمه قال:
“معندوش دم”.
وآخر مرتدياً ملابس مزركشة:
“عجلته اتكسرت وبرده لسه واقف في الطابور”.
مضى في طريق السلامة فلم يلتفت إلى التعليقات المستفزة، سرت بنصفه السفلي هزة، تبطنت قدماه بتنميل جارف، هي عادته كلما توتر منذ إصابته بداء السكري.
وازداد فضول الشمس هي الأخرى في رؤية ردة فعله فارتفعت طامعة في رؤية أفضل، لسعته حرارتها فنبت العرق فوق جبينه وأسفل إبطيه.
ومن باب السيارة الأمامي خرج عليهم شاب محايد القسمات، لا هو بقصير ولا بطويل، معتدل القامة له جسم توازن بدقة بين النحافة والسمنة، تحرك نحو الفرن محافظاً على إيقاع ثابت ممل، حاملاً في يديه أكياساً بلاستيكية محتواها ساخن، قصد باب الفرن المعدني الصدئ الكبير فابتلعه.
ذلك حين انسدل زجاج المقعد الخلفي للسيارة كاشفاً عن حسناء آسيوية قليلة الجسم مفاتنها كالمنمنمات، قابضة على منديل قطني ماسحة به ريالة ثمانيني زاملها المقعد، هزيل الجسد مترهل الوعي والإدراك، يتدلى جلد وجهه ورقبته كأنما هو مستقر فوق بؤرة لتجمع الجاذبية، كأنه نجف من الشمع اللين.
ومن داخل الفرن تسرب دعاء جماعي إلى الله لإطالة عمر أحدهم مصحوباً بخرشفة الأكياس البلاستيكية، ثم فاحت رائحة شواء.
مع ازدياد حدة الشمس صعب الإلمام بتفاصيل الفرن المعتم، وتساءل أحدهم:
“إيه اللي بيحصل عندك يا أستاذ!”.
“مش شايف كويس”.
“المفروض اللي يقف أول الصف يبقى بيشوف كويس”.
“تقريباً اللي دخل وزع كياس أكل”.
“فيها إيه؟”.
“شكلها كباب وكفته”.
“يادين أمي”.
واستشعر ذو الأهداب البيضاء أعين حبات اللحم المتطفلة فحجب بجذعه مجال الرؤية.
وتساءلت المرأة الجسيمة:
“هم فعلاً بياكلوا كفته؟”.
“مش شايف حاجة”.
“يا أستاذ ياللي في الأول لازم تنقل المعلومات بوضوح”.
“في واحد سادد الرؤية”.
“بلاش لؤم فلاحين”.
وغادر الشاب محايد القسمات باب الفرن الحديدي حاملاً فوق رأسه سبتاً خشبياً انتشرت عليه أرغفة الخبز الساخن، أسكنه سقف السيارة ثم اتجه نحو حقيبتها الخلفية. أخرج منها قطعاً حديدية ميكانيكية؛ مواسير وأسطوانات، تروساً كبيرة مزجزجة السطح، ووعاءً بلاستيكياً ضخماً يقترب ارتفاعه من طول طفل في السادسة.
بعثرها كلها أسفله فوق الأسفلت المتسخ.
ومن داخل السيارة اهتزت طيات جلد العجوز المتهدلة، خلجت شفتاه متمتماً فألصقت الحسناء أذنها على شدقيه مستوضحة المعنى، استغل العجوز التلاصق فأحاط ذراعه بخاصرتها وأخرج لسانه لاعقاً صوان أذنها.
انفرج ثغرها عن بسمة، مالت بجسدها الصغير صوب النافذة الملاصقة له حتى صارت فوق حجره، قالت للشاب المنهمك في إخراج القطع الحديدية:
“بيقولك العيش كله”.
لغتها العربية مكسرة، ومخارج ألفاظها مائعة لعوب.
كان الشاب قد أتم إخراج القطع الحديدية.
وأمام الأعين أبرز من جيبه رزمتين ضجتا بالأوراق النقدية، لوح بهما صوب جسم الثعبان الكامن أمام الفرن، وصاح في برود وآلية:
“اتنين رجالة”.
ولما لم يتلقَّ رداً، أردف:
“محتاج اتنين رجالة يساعدوني في التركيب”.
ارتفعت عدة أيادٍ، أعقب مسرعاً:
“أنا اللي هختار، بس اللي هيطلع من الطابور مش هيدخله تاني”.
ثم مشيراً صوب البناية المتآكلة:
“بعد ما يخلص، هيسند ضهره هنا جايز أحتاجه بعدين”.
لم تهبط الأيادي بل ازدادت، تزاحمت فوق حبات اللحم كرؤوس نعام جائع.
أشار الشاب صوب رجلين انتصف عمرهما عن جسدين لحيمين. غادرا جسم الثعبان عن فراغ سرعان ما اندمل، تلقيا قناعين بلا تعبير، أخفيا وجهيهما بالكامل، رُتَّلت عليهما تعليمات لتركيب القطع الحديدية.
شرعا في العمل، برزت العضلات ونفرت العروق حتى تم التركيب فوقفا يلهثان. أمرهما الشاب بالانزواء إلى جدار البناية الرطب،
تفحص الآلة حديثة التركيب، خلاطاً عملاقاً يتجاوز السيارة رباعية الدفع ارتفاعاً.
صعد في خفة فوق سقف السيارة، تلقَّف سبت العيش فوق رأسه، قدَّر زاوية الميل ثم صاح في الممرضة:
“شغلي”.
ضغطت زراً ما، دارت تروس حديدية مضرسة حول محورها في قعر الإناء، أحدثت صوتاً ميكانيكياً مزعجاً، أجفل له كلبان فوق تلة الزبالة، انتصبت أذنا أحدهما وزمجر الآخر، ألقم الشاب سبت العيش حد الإناء، لطمت الأرغفة بطن الخلاط فاختل صوته قليلاً ثم سرعان ما انتظم، تقطعت الأرغفة ثم هرست.
ولما انتهى الشاب أغلق غطاء الخلاط ثم برك فوقه، تحولت الأرغفة إلى عجين، وتمتم الأستاذ إبراهيم من أسفل شاربه الكث:
“العيش ده يأكل نص الطابور”.
وقال آخر قصير القامة عظيم اللغد:
“دي مؤامرة”.
واندفع الفتى المغمور بالدقيق منذراً بأهداب واضحة الحركة:
“الراجل اشترى العيش، مفيش قانون يمنعني أديله عيش”.
في تلك اللحظة قفز الشاب من فوق الخلاط، ومن مؤخرة السيارة أخرج خرطوماً شفافاً، أغمد أحد طرفيه قاعدة الإناء، مناولاً طرفه الآخر للممرضة، استقبلته بيدها الصغيرة دقيقة الأنامل وأسكنته جوارها.
كانت منشغلة بأمر آخر، وجهها مطبوع بالملل، بدت وكأنها تقوم بعملية روتينية مكررة رغم اتساع أعين حبات اللحم.
شرعت تدس أنبوباً مطاطياً شفافاً في إحدى طاقتي أنف العجوز المترهل، بدا مقاوماً لكن وهنه جعل من مقاومته شيئاً لا يذكر، تلوك علكة قائلة في نمط متكرر:
“ابلع..ابلع..ابلع”.
يزدرد ريقه في آلية، ترتفع يده الكبيرة المجعدة مقاومة يدها فتردها عنها بلا اكتراث، تستمر في إيلاج الأنبوب حتى يتبقى الثلث الأخير منه خارج تجويفه ويصعب دسه.
عندها تمتطي العجوز في رشاقة، ساعدها قصر تنورتها أن تُعشِّق فخذيها في حجره، تملكَّت الأنبوب بكلتا يديها دافعة ما تبقى منه داخل طاقة أنفه، وانكشف أمام حبات اللحم فخذان كأسطوانتي شمع، قبض عليهما العجوز بقسوة في لحظة تألم ليدرك الرجال أنهما ألدن مما قدروا.
لما انتهت التقطت طرف الأنبوب المتصل بالخلاط، أولجت فيه طرف الأنبوب الخارج من أنف العجوز، هبطت من فوقه وجاورته مصلحة من حال ثيابها البيضاء الضيقة، أشارت نحو الشاب فضغط زراً في قاعدة الخلاط.
هذه المرة جاء الصوت بطيئاً متخماً، ورأت حبات اللحم معجون الخبز الكثيف وهو يمور خلال الأنبوب، ينتقل من أنبوب إلى أنبوب حتى يعبر من طاقة أنف العجوز.
اختلج ثغر العجوز عن شبح ابتسامة، سرت في صفحة وجهه دفقة حياة مبهمة، أسبل جفونه عما يشبه اللذة، وبطرف عينه لمح الأعين المراقبة فاغتمر الاشمئزاز أخاديد وجهه، ثم بطرف سبابته ضغط زراً فارتفع زجاج سيارته المعتم.
مرت دقائق، قالت المرأة الجسيمة إن السيارة تبدت لها وكأنها تهتز، وأرهف الأستاذ إبراهيم السمع فوصلته كلمات غير مفهومة مدبوغة بتأوهات، ومرت قطة جوار السيارة فأجفلت، ألصقت جسدها بالأرض، نشرت أذنيها وأبرزت نابيها، ثم عطس أحدهم فولَّت الفرار.
أخيراً انسدل زجاج السيارة، الممرضة تلهث وصدرها يلمع بالعرق، أصلا نهديها يعلوان ويهبطان في تؤدة وتناسق فخطفا الأعين. بينما اهتم الأستاذ إبراهيم بملاحظة العجوز، نعم ارتد فيه ماء الحياة نوعاً، وتماسك جلد الرقبة المتهدل قليلاً، إلا أن وجهه طفح بالقنوط.
استوقفت تعبيراته غير الراضية الممرضة، غاصت نظرتها في وجهه، قاربت وجهيهما ثم تشممته، حررت الأنبوب الأنفي الغارق في تجاويفه من طرف أنبوب الخلاط، أدارت خنصرها الدقيق ماسحة ما علق فيه من بقايا لزجة ثم لعقتها.
استطعمت شاردة ثم قالت للشاب:
“العيش ناقصه هديد..هديد..”.
عربيتها ركيكة، والخبز يفتقر لعنصر الحديد، والشاب ينصت ثم يشتعل غضباً.
اتجه صوب نافذة صرف الخبز، ومن بين القضبان أمسك بتلابيب الفتى المغمور بالدقيق:
“بتستغفلني”.
“تتقطع رقبتي قبل ما افكر حتى فيها”.
“العيش مغشوش”.
صفق براحتيه مستنكراً فأثار عفرة من دقيق أبيض:
“يبقى مورد الدقيق”.
“ناقصه حديد”.
قالت حبة لحم من جسم الثعبان:
“عليك بالجرجير”.
وقالت أخرى:
“مكملات غذائية من الصيدلية”.
ونطق ملتحٍ بالفصحى:
“عليك وعلى عسل النحل الجبلي فيه الشفاء”.
وسمع الممرضة الدقيقة من السيارة تقول:
“العجلة”.
مشيرة نحو دراجة الأستاذ إبراهيم المحطمة المستكينة جوار الجدار البالي، ولمعت عينا الشاب، نظر للثعبان المتململ:
“محتاج أربع رجالة شداد”.
وقبل أن يأتيه الرد أردف:
“كل واحد هيتصرفله عيش لمدة سنة”.
فارتفعت أياد، حتى النساء، رفعن بعض الأيادي.
اختار هذه المرة ثلاثة رجال والمرأة الجسيمة، اتبعوه حيث أشار، وعند حقيبة السيارة ناولهم ذات الأقنعة ثم أشار إلى جوفها.
وقتها هدرت محركات الفرن الآلي مرة أخرى، وقال الفتى المغمور بالدقيق:
“بدأنا نخبز تاني، ربعاية والعيش يطلع”.
فاعتدل الأستاذ إبراهيم في وقفته، همهمت حبات اللحم، تبول كلب جوار تل الزبالة ليضمه إلى مملكته، شرع الرجال المقنعون والمرأة الجسيمة في إضافة قطع ميكانيكية جديدة للخلاط، رُبطت صواميل بسواعد مشروخة، استبدلوا إناءه الحالي بآخر أكبر حتى فاق السيارة طولاً، وغمرت الأجواء رائحة الخبز فدبت الحياة في جسم الثعبان، وقال الفتى المغمور بالدقيق:
“قولتلي عاوز بكام ياحاج؟”.
لم يجبه الأستاذ إبراهيم، ولَّى وجهه شطر دراجته المكسورة، اهتز شاربه الكث في توتر حين رأى المرأة الجسيمة تلفعها فوق رأسها، تبخترت بها ثم باسطة ذراعيها ناولتها أحد الرجال المنتصبين فوق قاعدة الخلاط. سلمها بدوره إلى آخر مستوٍ فوق سقف السيارة.
غمغم الأستاذ إبراهيم:
“هيعملوا إيه في العجلة؟”.
ويسأله الفتى المغمور بالدقيق عبر القضبان:
“بكام ياحاج؟”.
ويأمر الشاب الرجل القائم فوق السيارة:
“احدف العجلة”.
فيقذفها بلا تردد، يسكنها بطن الإناء ثم يسدل غطاءه، يضغط رجل بالأسفل زراً معدنياً بارداً، ترتفع ضوضاء آلية أعلى من سابقتها، على أثرها تجفل طيور أبي قردان المجتمعة حول الزبالة فتطير صامتة، تنسحق عظام الدراجة، ويلقي الفتى المغمور بالدقيق خبزاً أسمرَ ساخناً شهياً أمام الأستاذ إبراهيم، لكن الأخير كان قد غادر جسم الثعبان راكضاً صوب الخلاط.
بلا تردد ترقى آخر من خلفه رأس الثعبان، ألقى ببضع عملات متلقفاً أرغفة الخبز في لهفة. وقتها كان الأستاذ إبراهيم يقبض على تلابيب الشاب بيدين مرتعشتين، ترجرج الأخير بين قبضتيه لكنه تمالك رباطة جأشه وقال بتؤدة:
“اهدا ياحاج”.
لكن الأستاذ إبراهيم كان قد تردى في سخطه. اعتاد طيلة عمره السير جوار الحيط، بل السير فوقه مثل برص، حتى وإن نشعت فيه المجاري، قضى سنواته الأخيرة موظفاً كبيراً داخل غرفة صغيرة، مرتكناً بقعة مملة، قائماً على أداء مهمات غير مهمة، أكسبته الوظيفة رتابة، عشش في صدره رضا قوامه يأس.
لكن أن تأتي على دراجته الصينية!
لم يحتمل، وهم لاعناً الفتى لكن عُنَّ لسانه عن لفظها وسرعان ما انطفأ هياجه، فقد رأى أحد المقنعين يضغط زراً، ثم شاهد حطام دراجته يذوب كرائب أسود، يتمطط خلال الأنبوب متهادياً في ثقل حتى يختفي داخل طاقة أنف العجوز. واستعاذت حبات لحم، وتوتر المقنعون، وارتجف الأستاذ إبراهيم مبسملاً وقد تراخت قبضتاه، وقال الشاب للمقنعين في لهفة:
“حاوطوا العربية بسرعة”.
سعوا إلى إخفائها بأجسامهم، حُجبت تفاصيلها عن الثعبان، لكن الأستاذ إبراهيم كان شديد القرب منها، رأى من خلال فجوة صغيرة زمجرة العجوز وتشنج ملامحه، وللحظة تلاقت نظراتهما حينما خانت العجوز عيناه، فلتت منه نظرة خبيثة كهربت الأستاذ إبراهيم فحوقل مرتجفاً، اهتز شاربه الكث وشابت بعض شعيراته، ثم التحم جسدان أمامه فانقطعت عنه الرؤية، وحبات اللحم ما انفكت تنفرط من جسم الثعبان بفعل عملية شراء الخبز النشطة.
وقال الشاب للأستاذ إبراهيم:
“عاوز حديد”.
لم يتلقَّ رداً، انشغل الأستاذ إبراهيم في محاولة ضبط إيقاع قلبه المنفلت، أردف الشاب:
“إنت ياأستاذ!”.
تنحنح واستعاذ بالله من غضب الله، وغمغم:
“عجلتي منكم لله”.
“هتاخد تمنها وفوقه هدية”.
“إيه؟”.
“حصة يومية من العيش مدى الحياة”.
“والمقابل؟”.
“تلف حولين الفرن تجمع مسامير وأي حاجة فيها حديد”.
“ليه؟”.
أشار إلى سماعة سكنت صوان أذنه:
“الست كلمتني من العربية، عجلتك مصدية ولسه ناقصه حديد”.
هم بالاعتراض حينما انسدل زجاج السيارة مرة أخرى فطالع وجه العجوز متضخماً محتقناً، واستعاد نظرته إياها، رآه ممسداً شعر المرأة مزدرداً ريقه، وصله صوت الازدراد مجسداً عميقاً، سرت الكهرباء في جسده واهتزت قدماه بفعل السكري، انقبض صدره على شعور بهلاك وعانقته رغبة في الفرار، وسمع الشاب يقول:
“هتجَمَّع المسامير ولا لأ؟”.
“هجَمَّع، هجَمَّع”.
ساقته قدماه بعد أن أوكَّلها عقله القيادة، تَيمَّن جدار الفرن، مر جواره كلب منكسر القامة فسبقه، شاهد ذيله محصوراً بين فخذيه فتأكد له خوفه، وصل لنهاية الضلع القصير للفرن الآلي، وبينما ينعطف يميناً سمع الشاب يصيح في جسم الثعبان:
“محتاج متطوعين أكتر، والفلوس المرادي أكتر”.
وتعالت صيحات حبات اللحم، تقافزت متزلفة، انشرخت حناجر داعية في إخلاص زائف، آحاد وواحدات آملين في الاختيار.
يختفي المشهد من خلفه ليبدأ آخر عن أشجار سامقة سكنت خلف الفرن، هاله التضاد، تخللت مسامه زقزقة العصافير واستنشق هبة هواء بارد نادرة الزيارة، شرع يستلقط مسامير صدئة مبعثرة كيفما اتفق، عثر على مقبض معدني قديم وابتهج لما وقعت عيناه على نصف قاعدة مكواة معطوبة، رغب في إتمام المهمة بدقة، استشعر أن أمنه رهن رضا العجوز.
فكر في الهرب لكن سرعان ما أذعن، تخيل نفسه راكضاً تلاحقه عينا العجوز أسفل حاجبيه النافرين في كبد السماء، كما يفعل قرص الشمس مع عربات القطار الجارية.
وبينما يكمل دورانه حول الفرن اشتم رائحة كيروسين قوية، وسمع صوت احتكاك أسنان التروس ببعضها، أدرك أن خلاطاً أكبر قد نشأ قائماً، تلتها أصوات مكتومة متكررة، كأنه صوت أشولة متخمة تلقى من عل مدموجة بآهات مبتورة، فلتت من قلبه دقتان، أخذ في الانحناء فتكويم المسامير في راحتي يده، رأى مسماراً كبيراً لامعاً فانبسط.
أخيراً أكمل دورته حول الفرن الآلي عائداً إلى نقطة البداية حيث نافذة صرف الخبز ذات القضبان.
توقف يلهث قابضاً على المسامير الصدئة، راعه أن حبات اللحم غير موجودة، رمى ببصره فرأى بعضهم آفلاً بأكياس الخبز، راكضين خلف تل الزبالة، ولَّى وجهه شطر البناية المتآكلة فلم يتبينها، حجبها خلاط عملاق أسود اللون خشن التروس، يقوم عليه إناء بلاستيكي قارب البناية طولاً، تلطخ جداره الداخلي بمادة لزجة متخثرة تتزحلق فوقه بإصرار وبطء، يندلق بعضها فوق بعض فتهوي في قلب القاع محدثة صوتاً مكتوماً بشعاً.
حول السيارة وفوق سطح البناية تبعثر التابعون بأقنعتهم الخالية من التعبير. ويتساءل الأستاذ إبراهيم:
“هو الناس فين؟”.
يقترب منه الشاب ملتقطاً المسامير:
“عفارم عليك”.
ويناوله الفتى المغمور بالدقيق أكياساً بلاستيكية ملأى بالأرغفة.
فجأة تلتقط أذناه صرخة نسائية حادة قادمة من السيارة، لم يدرِ أهي عن تألم أم تلذذ؟ في أحايين كثيرة يختلط عنده الشعوران فيصعب عليه التمييز.
لتنفتح بعدها نوافذ السيارة الأربعة في أريحية، لم يرَ الممرضة أو العجوز، فقط شاهد لحماً سميناً مكسواً بجلد عار متعرق عبَّ فضاء السيارة الداخلي كله، طياته تتموج بلا توقف، مغطى بكتل من شعر أسود كثيف، يبظ من النوافذ مضغوطاً منكبساً، كثير الحركة يُسمع من بعض نواحيه تغيظ حتى كاد منه أن يتقيأ.
ومن بين ثنايا اللحم لاحظ لحماً مختلفاً بضاً هو ساعد المرأة وكفها، يجاهد للتحرر من إحدى النوافذ لكن قوة أكبر امتصته ليختفي بين ثنايا اللحم العظيم.
وقام الشاب على إحدى قوائم السيارة خاطباً في رهط من التابعين خلف أقنعتهم، سمعوه في جلال حتى أذن لهم بالحركة، وسرعان ما غادرت السيارة المكان ببطء والأتباع يهرولون من حولها.
وقبع الأستاذ إبراهيم في موضعه ممسكاً بكيس الخبز، وانزوى جوار جدار البناية العطن حيث كانت دراجته، فاحتل من الشارع وحدة قياسية بائسة، وتربع على الأرض محتضناً كلتا ركبتيه، وبينما هو يرتجف تذكر أن عليه شراء دراجة جديدة.








