أحمد رجب شلتوت
أحد عشر مصباحا مضاء مربوطة كلها في حبل واحد، يحصيها مراد وهو جالس بالمقهى شبه الخالي، يبدو أن البرد صرف عن المقهى رواده، أشار مراد للنادل مستعجلا وصول الشاي ثم أخرج الورقة من جيبه، أعاد قراءة العنوان ربما للمرة الأربعين، تأكد أنه موجود في نفس الشارع المظلم الطويل، قطع نحو ثلثه، يحتاج إلى عشر دقائق أخرى ليقطع ثلثيه الباقيين سيرا، ويكفيه مثلها ليشرب الشاي ويستريح قليلا قبل أن يواصل، يثني الورقة وقبل أن يدسها في جيبه يأتي النادل بالشاي، فيعيد فتح الورقة المطوية، يتأكد من رقم البيت، يسأل عنه النادل، الذي يشير بيديه وكأنهما في الشارع يريان المكان، يقول:
_ هو أمامك بعد مائة، أو قل مائة وعشرون مترا، نفس اتجاه المقهى، ناحية يدك اليمنى، في مواجهة الباب الخلفي للمدرسة القديمة.
يضيف مراد ملعقة سكر إلى الشاي، يقلبها وهو يصفر، تساعده الملعقة في أداء اللحن، فيستغرق وقتا يكفي لإذابة زجاج الكوب نفسه وليس مجرد ملعقة سكر واحدة. يكاد يعلو صوته مدندنا بأغنية ألحت على خاطره، لكنه فجأة ينتبه لوجود آخرين في المقهى فيتراجع.
يحدق في صورة معلقة على الجدار، شاب مبروم الشارب يرتدي الجلباب البلدي والطاقية، يشبه إلى حد كبير ذلك الكهل الجالس في مواجهته يلوك وش القهوة بتلذذ، يقطعه سؤال النادل للكهل:
_ حسيت بالزلزال يا حاج؟
يشرد الكهل وكأنه يحاول أن يتذكر، يمسح شفتيه بلسانه قبل أن ينطق:
_ لا، فمن رحمة ربي أن عيناي غمضتا بعد صلاة الفجر، لم أصح إلا في الضحى والناس يتحدثون عن فزعهم.
_ كان مرعبا، لكن الحمد لله لم تطل مدته.
_ إنه إنذار من الخالق فلعل البشر يتعظون.
_ صدقت والله يا حاج، البشر معاصيهم لا تنتهي، لم يردعهم فقد الأمن وضيق الرزق فأرسل الله عليهم الزلازل ليفيقوا.
_ كل ذلك وهم في غفلة والعياذ بالله.
يلحظ الكهل صمت مراد، يريد أن يشركه في الحديث:
_ شفت النشرة يا أستاذ، زلزال هنا وفيضان هناك، ثلج في الصين يجمد النار، وشجر أخضر يولع من الحر في البرازيل وأستراليا، رحمتك بعبادك يا رب.
ينطق مراد:
_ ربنا لطيف بعباده.
_ لولا رحمته سبحانه لخسف بنا الأرض، قرأت الأهرام النهاردة؟
يشير الكهل إلى جريدة مطوية أمامه، ويومئ مراد برأسه مؤكدا أنه قرأ، فيواصل الكهل:
_شفت البنت التي ساعدت عشيقها في قتل أمها، ضبطتهما فخافا من الفضيحة، قتلت أمها يا حضرة، إنه آخر الزمان.
يتنهد مراد في أسى، ويهز رأسه موافقا الكهل.
***
يرشف مراد الشاي بصوت مسموع، يهرب من نشرة أخبار التليفزيون إلى الشارع، يعيد إحصاء المصابيح، أحد عشر مصباحا مضاء، غير ثلاثة مصابيح مطفأة واثنان مكسوران، يباغته شعور بالأسى، يتبدل حاله فجأة هكذا ودون مقدمات، بين حزن وسرور، انشراح يعقبه انقباض ودونما سبب أو مبرر، لو رأته نادية لاتهمته بالجنون وقبضت على سبب يؤيد طلبها المتكرر للطلاق.
النادل يضيق بالنشرة فيغير القناة، يأتيه صوت المغنى:
_ ليه تشغل بالك ليه؟
يكمل مراد الأغنية بتصفيره:
_ على بكرة وتبكي عليه.
لكنه ينتبه فيعود للصمت، آه لو حضرت نادية، يعرف تماما كيف تفتتح سيمفونية النكد:
_ طبعا مبسوط وتغني وتصفر، من حقك، العو مش موجود، وإذا حضر تسكت ويمسكك المرض والغم، فتمسك برأسك وتصرخ من الصداع ولا تطلب من نادية إلا كوب ماء وقرصي أسبرين.
يشعر بسخونة تلهب رأسه رغم البرد، يمسح وجهه بمنديل ورقي، ينظر في ساعته، يسكب في جوفه بقية كوب الشاي، ويشير للنادل، يضع جنيها ورقيا تحت الكوب، وينصرف.
ينظر في ساعته، مازال لديه بعض الوقت، قد يصل قبل موعده، لا يعلم أنها تنتظره بقلق، تخشى أن ينكص ويخلف موعده كما عودها، يغادر المقهى ببطء، يكتشف مصابيح أخرى مطفأة، سحابة تحجب القمر، نسمة هواء باردة تلف مراد، تداعب كيسا أسود اللون فارغا، فيتحرك بين قدمي مراد كقط صغير، القمر الليلة كسول، يدع السحاب يسربله، أو لعله يختبئ من البرد، لا يضيره أن يسير مراد في الظلام. أو لعله اطمأن لوجود خط المصابيح، سكان الشارع قاوموا الظلام بطريقتهم، مدوا الأسلاك بين الأسطح والشرفات، مدوا خيط المصابيح فوق منتصف الشارع تماما، يحصي مراد أحد عشر مصباحا مضاء، يمشى والمصابيح فوق رأسه، ترسم له ظلالا في كل الاتجاهات، بعضها باهت، وأغلبها يسبقه بخطوة، وكلما مشى خطوة يزداد عدد الظلال التي تسبقه، تتداخل الرؤوس والأكتاف، وحتى حقيبته المعلقة بكتفه الأيسر تكتسب ظلالا عديدة متداخلة، كلها تسبقه، فيبدو وكأنه آخر فرد يسير في طابور طويل، يأنس لحظات بأفراد الطابور ولكن خيط المصابيح ينتهي، يختفون تباعا واحدا في أثر واحد وهو في غفلة، يفيق فيجد نفسه وحيدا في الشارع الذي يلفه البرد والعتمة.
***
وحيدا يصعد الدرج مستندا على السور الخشبي، يخشى أن يميد السور تحت ثقله، ويحاذر أن يحدث صوتا فتنتبه له الشقق السادرة في الصمت والظلام، وعند الباب المقصود يقف، وقبل أن يضغط الجرس تفتح فاطمة، كأنها كانت في انتظاره خلف الباب، يدخل وتغلق الباب خلفه، تمد يدها لتحمل عنه الحقيبة، يمسك بيديها ويشدها إليه، يهمس باسمها، فتضمه، شفتاه تمسحان وجنتيها فيشعر بدفء وجهها، تنفلت من حضنه وتقوده إلى الداخل، يجلس فوق فوتيه قديم أزرق، يراها تدخل بحقيبته إلى حجرة النوم، يقوم ليلحق بها لكن يتراجع، يفضل تأمل صورة زفافها إلى زوجها الراحل، يفاجئه صوتها متسائلا بدلال:
_ كنت حلوة؟
_ ومازلت فاتنة
_ يا بكاش أية فتنة يمكن أن تبقى بعد الأربعين؟
تناوله البيجاما فيشدها إليه، تسقط البيجاما بين قدميهما، وهو يهصر شفتيها وردفيها، ترجوه:
_ ليس الآن
تنفلت إلى المطبخ، يخلع ثيابه ببطء، يفردها قطعة قطعة فوق الكنبة، يرتدي البيجاما ويجلس واضعا ساقا فوق ساق، يلحظ ثقبا صغيرا في جوربه، يخلع الجورب ويدسه في جيب البنطلون، ثم يعيد البنطلون إلى مكانه فوق الكنبة بين القميص والجاكيت، يراهم ثلاثة يجلسون معه، لعلهم كانوا ممن سبقوه في الطابور، كان هو الأخير، فهل سبقوه في الصعود إليها؟ وأين الباقون؟ لعلهم يختبئون في الدولاب أو تحت السرير، أو لعلها خبأتهم في مكان لا يستطيع الوصول إليه، يبحث عنهم في حجرة النوم، لا يجد أثرا، يتمدد في السرير محدقا في اللمبة الزرقاء شاحبة الضوء ومفكرا في المكان الذي يمكن أن تخبئ فيه حبيبته أفراد الطابور.
تقف بالباب دون أن يراها، تضيئ مصباحا عاديا، فينتبه، ينمحي أثر الضوء الأزرق الباهت، تضحك:
_ سبقتني إلى هنا، أهدرت عمرينا بترددك وطول صبرك، والآن لا تقدر على الاصطبار ساعة.
يخطر بباله أن يسألها عن الطابور لكنه يخشى أن تغيض ابتسامتها، صامتا يلحق بها، بعد أن يضع حبه زرقاء تحت لسانه، يغسل وجهه ويختلس رشفة تساعده على ابتلاع الحبة الزرقاء، يكاد يضع رأسه الساخن تحت الحنفية لكنها تمنعه، تجفف وجهه بالفوطة وهي تحذره من البرد، يجلس إلى المائدة، يوشك أن يقع، لسوء حظه اختار الكرسي الوحيد المكسور، قال أنه حلم منذ ليلتين بالفوتيه الأزرق وكرسي السفرة المكسور، وها هو الحلم قد تحقق الآن، ابتسمت فسألها عن تأويلها، أمهلته لما بعد العشاء.
***
أخبرته وهو يرشف قهوته أنها لجأت إلى ابن سيرين لتأويل الحلم، قالت إن الفوتيه وكرسي السفرة كرسيان، واحد له دليل فوز ونجاة، والثاني لها، ابتسمت وهي تضيف:
_ الكرسي في حلم العزباء يعني زواج قريب
_ لكن الكرسي كان مكسورا
_ سوف نصلحه، عموما ابن سيرين القائل ولست أنا.
***
عاريان تماما في الفراش، جسدها الأبيض النحيل يشع نورا، تبدو وكأنها محض حلم، يذكر نفسه بسخونة تنهداتها قبل دقائق، يتحسسها، يتأكد من أنها هي فاطمة بجسدها وروحها، وليست طيفا من أثير، يحدق فيها بوله، ويهمس باسمها فترد بقبلة على شفتيه، يقبض على شفتيها بأسنانه، تدفعه برفق، تبتسم بثقة من استردت أنوثتها بعد افتقاد طويل، يداه تطوفان مرات بأرجاء جسدها، ثم تستقران عند النهدين، صغيران لكن مشدودان، لم يجدهما مترهلين كما توقع، قال لنفسه أنه سوف يجدهما مثل برتقالتين في غير أوان البرتقال، ستكون البرتقالة كبيرة، تملأ الكف، لكن فقدت طزاجتها وملمسها يكون إسفنجيا، يضغطهما بقوة فيؤلمها، تبعد كفيه وتوليه ظهرها، يطوقها من الخلف يهمس في أذنها:
_ يمامتاك جميلتان
سرعان ما يصل كفاه إلى نهديها، يصنع من كل كف عشا ليمامة، كل سبابة تمسد حلمة، تستنفرها فتبدو كمنقار يمامة، وهي تغمض عينيها، بينما فمها ينفرج عن ابتسامة، يميل برأسه محاولا تذوق طعم ابتسامتها، ينفتح فمها قليلا، كفم يمامة عطشى، يدخل لسانه بينهما، وهي كالممسوسة تمتصه وترتجف، يتوهج جسدها النحيل، يزداد نوره، يقبل كتفيها، يأتيه صوتها الواهن آمرا:
_ خذني
***
تمتلئ به، جسدها يزداد وهجا، لم يعد نحيلا، يملأ الفراش، الحجرة، الكون، يصبح أقمارا وأنهارا ذات خمر وعسل مصفى، تحفها أشجار تثمر عصافيرا لا تكف عن الزقزقة.
تأمره بوهن:
_ ادخلني كلك
لاهثا يركض، وهي من تحته تركض، حتى ينهكهما الركض، ويعودان مجرد جسدين منهكين يلهثان، وينضحان عرقا لزجا، يتناوم وهو يراها تحكم الروب على جسدها، تغطي الساكن إلى جوارها، تمسد شعره، تصل كفها إلى جبهته فتلسعها سخونته المفاجئة، رأسه كالتنور، شفتاه ترتجفان، تنثران لعابه وهذيانه، يحكي عن أحد عشر رجلا يختبئون تحت السرير، تحاول أن تفيقه فلا يفيق، حرارته لا تهبط رغم الكمادات، يضنيها الشعور بالعجز، لا تستطيع استدعاء طبيب، تغتسل وتعود لترقيه، وتضع الثلج على جبهته، يفيق قليلا، تسأله عما به، صوته الخافت يطالبها بأن تفتح الدولاب وأن تدع الطابور المختبئ يخرج، أن تلقي بالأحد عشر رجلا من النافذة، يعود لهذيانه، وبفيض دموعها تظل ترقيه حتى يصمت نهائيا.










