محمد خلفوف
أسوأ أيام المدينة:
كان ذلك اليوم أسوأ أيام المدينة.. هبت ريح حاملة معها نذير شؤمٍ مع أولى ساعات الصباح… سيتم هدم ضريح المدينة. لم يصدق أحد الخبر الذي تسرب في ساعات قليلة مثل وباء… والخبر، الذي بدا كإشاعة في البداية صار خبرا رسميا: تقرر هدم الضريح من قبل شركة أجنبية لبناء مركز تجاري ضخم. الأرض التي يوجد عليها الضريح كانت الأنسب لبناء المشروع…
قرار هدم الضريح أغضب سكان المدينة.. ضريحهم المُقدس لا يمكن هدمه… لا أحد يستطيع هدمه كيفما كان… تلى غضب السكان الأوليّ احتجاجات على القرار.. هدأت البلدية من الوضع، و وعدت السكان بتسوية مع الشركة الأجنبية، رغم إدراكها لعدم إمكانية ذلك. إنها مجرد كذبة لتهدئة غضب السكان، الشركة لن تتنازل بعد أن فازت بصفقة الحصول على الأرض، و دخول المشروع ـ المُهيأ له قبل سنتين ـ حيز التنفيذ… رغم غضب السكان، و قدسية الضريح… إن زوال الضريح يعني زوال المدينة نفسها، وجوده من وجودها، وزاولها من زواله…
على امتداد الأيام التالية لقرار الهدم كٌتبت عريضة وقعها جميع سكان المدينة و رُفعتْ إلى البرلمان، للتحول قضية هدم الضريح إلى قضية رأي عام. كادت تؤدي إلى مشكلة دبلوماسية مع عدة دول يدخل الضريح ضمن مُقدساتها. حتى أن واحدة من أكبر وكالات الأخبار العالمية كتبتْ عن: ” هدم واحد من أكثر الأماكن المُقدسة في العالم…”
رغم العرائض، والاحتجاجات، ومقالات الصحف العالمية وريبورتاجات التلفزيون، و إنذارات بكوارث تقلب المدينة سافلها على عاليها، ووقوع حوادث رُبطتْ بقرار هدم الضريح: حريق في مصنع للأقمشة، إنقلاب حافلة، أربعون حالة تسمم غدائي في سكن جامعي للطالبات، ولادة جحش بقوائم كلب و رأس بقرة… لم تتراجع الشركة الأجنبية عن القرار، الذي تقرر دون رجعة مثل حكم إعدام على سكان المدينة..
سيرة مختصرة للضريح:
في البدء كان الضريح… لا أحد يعرف كيف جاء؟ ولمن يكون؟ سكان المدينة الأوائل قالوا انهم استيقظوا على وجوده مُقاما ذات يوم !
هل هبط من السماء؟ أم خرج من باطن الأرض؟ لا أحد يعرف… يقال إنه وُجد قبل وجود المدينة نفسها..
و منذ لحظة الوجود الأولى صار الضريح مزارا للناس… تعاملوا معه في البداية بحذر وريبة، لكنهم سرعان ما ألفوا وجوده.. وصار مقصدا لسكان المدينة، وللقادمين من أراضٍ بعيدة… لم تكن للضريح كرامات محددة، كانت كراماته صالحة لكل شيء: يُشفى المرضى، يعيد البصر إلى العميان، يُداوي قلوب العشاق و يلاقي الأحبة، يُصلح نزاعات المتخاصمين، يُظهر الحقائق ويكشف الغيوب المستورة… بكراماته تحبل العاقر و تلد الأطفال، و يستعيد العاجز قدرته في الفراش، و يعود الضال إلى طريقه، و الأحمق إلى رشده…
ومع وجود الضريح المجهول وُجدتْ آلاف الحكايات حول صاحبه المجهول، توارثتها الألسن عبر الأجيال…أولى الحكايات و أكثرها صحة و رسمية تقول: إنه أول من استوطن هذه الأرض قادما من أرض بعيدة، وعليها مات منذ أول وطئة قدم له عليها، ومن رميمه تكونت المدينة وقام الضريح… وقيل تاجر ساقته أقدار تجارته إلى المدينة، وقيل بحار لفظه الموج بعد تحطم سفينته، وقيل أمير شارد طاف الأرض بعد ضياع مُلكه، وقيل فارسٌ دفن رفقة سيفه مهزوما بعد معركة خرافية… قيل ملك من ملوك الجان العظماء، و تحت الضريح يوجد كنز لايتصوره عقل ولا خيال.. وكل لص ينبش القبر لنهب الكنز يكون جراءه لعنة: شلل، عمى، طفح جلدي، موت، جنون… أو يموت بسم حية ضخمة تحرس الكنز في ظلام السراديب اللانهائية… باحث أمريكي في علوم الفضاء قال في دراسة له: أن الضريح سفينة فضائية رستْ على سطح الأرض قادمة من كوكب بعيد… وفي الليل يُشع منه نور غريب، فُسّر كنداء تواصل مع كائنات الفضاء…
قالوا نبيا..قالوا حكيما.. قالوا شاعرا…
من أين جاء؟ و لأي قوم ينتسب؟ و من يكون؟ لرجل؟ لامرأة؟ قالوا انه: لامرأة هربتْ من بطش اخوتها الذين قتلوا حبيبها لتزويجها من رجل لا تحبه، فاتنة خاوت ملك الجان فأقام لها ضريحا، عجوز عمياء هاربة من بلاد العميان… طفلة؟ قالوا: طفلة خرجت من بطنها تتكلم و تنطق بالحكمة و تأتي بالنبوءات…
كثيرون نسبوا أنفسهم إليه و قالوا انه جدهم الأكبر و من ضلعه خرجوا، وآخرون قالوا إنهم رأوه في الأحلام، و آخرون قالوا إنه تجسد لهم في بشر ومخلوقات و أنعم عليهم بكراماته…
الضريح مجهول، و صاحبه مجهول، و الحكايات حوله كثيرة لا آخر لها… لكنه ضريح مُقدس، و كل ما حوله مُقدس… هواءه مُقدس، الشمس و القمر من فوقه مُقدسان، جُدرانه مُقدسة، الحيوانات التي تطوف حوله و الحشرات في شقوقه مُقدسة، النبع من تحته الذي يفيض بلا انقطاع، تربته الحمراء الخصبة، حارسه العجوز الذي يحرسه بتكليف مجهول مُقدس… كلها أشياء مٌقدسة… قُدسيته أكيدة رغم أنه ضريح مجهول…
أحوال مدينة الضريح:
عُرفتْ المدينة بالضريح..وعُرف الضريح بالمدينة… فسميت المدينة: “مدينة الضريح”، لأنه ضريحها الوحيد و الأوحد… ضريحها المُقدس… هو الذي شكل هويتها و وجودها… ولولاه لكانت مدينة مجهولة وعادية كبقية المدن…
كان ضريح المدينة للجميع… للرجال، النساء، والعجائز، والأطفال… للفقراء و الأغنياء، لعلية القوم و للعوام، للسكان و للزائرين، للبشر و الحيوانات و الطيور و المزروعات…
بالضريح تُعرف أحوال المدينة و تُقاس… به تُعرف أفراحها، وأحزانها، به تحْسُنُ المدينة و به تَفْسُدْ… به تتحقق أمور التجارة، و الصناعة، و الزراعة، والصيد، والسياسة، والحرب… به يُقاس الوقت و توالي الأيام و الشهور و السنوات… كراماته فياضة فيضان نهر الزمن…
كراماته تحكم أحوال الناس في المدينة: مواقيت عمل المتاجر و المقاهي و الإدارات، حالات الزواج و الطلاق، أسرار الولادة و الموت، أحلام الأطفال، مقادير الطبخات في المطابخ، الأفراح و المآتم والأعياد…
هو ميزان المدينة و حاميها، تميمتها المُقدسة و سرها المجهول…
مرت على المدينة زلازل وفيضانات دمرت أقوى المباني تشييدا في المدينة… و ظل هو راسخا رسوخ الزمن، أزليا، أبديا…يحيا الناس و يموتون… و يبقى هو خالدا بين أزقة المدينة وذاكرتها… به يفتخرون في كتب التاريخ، والأدب، والرحلات، والجغرافيا… و به يُعرفون لدى الغرباء…
تحت أرضه عالم غير العالم، و أرض غير الأرض، وبشر يحيون و يموتون، أسرار خفية مجهولة…
لأجله يرقصون، و يغنون، ويبكون، ويضحكون…
لأجله تُضاء الشموع، وتفوح الأبخرة، وتُقدم القرابين…
هو سيد الأسرار و المعجزات و الزمن…
يده السرية تحكم قبضتها على المدينة… و طيفه المُقدس يحرسها من كوامن الشرور…
هو الحقيقة الغائبة… هو المجهول الذي لا يُدرك…
كيف ستكون أحوال المدينة بدونه؟ وكيف سيحيا الناس على أرض ليس فيها؟ كيف سيسير الزمن، وتشرق الشمس، و يتجلى القمر؟ و زواله قريب؟
يوم الهدم:
حزن، خوف، قلق، ترقب، غضب مكتوم… أزقة خالية، لا مواصلات، المحلات و المقاهي و الإدارات و المدارس مغلقة… توقفتْ الحياة تماما في المدينة، كأن سكانها أموات… كأنه يومها الأخير…
مثل جيش من الغزاة جاءت جرافة عملاقة، وراءها شاحنة عمال، و في المقدمة سيارة مندوب الشركة الأجنبية و معه أربعة مهندسين، تحميهم ثلاث سيارات شرطة… تجمع سكان المدينة دون موعد مسبق، ساروا عبر الأزقة جنبا إلى جنب في الطرقي إلى الضريح…
بحضور رئيس بلدية المدينة، و رئيس الشرطة دار محركة الجرافة، و نزل العمال ببذلاتهم الفوسفورية المشعة تحت شمس الظهيرة حاملين المعاول والفؤوس…
صاح رجل من بين الجموع:
ـ تراجعوا قبل أن تصيبكم لعنة الضريح…
رد رئيس البلدية:
ـ تراجع أنت قبل أن تدهسكَ الجرافات…
قالت امرأة تحتضن طفلها:
ـ بفضل كرامات الضريح أنجبتُ طفلي بعد سنوات من العقم…
قال رجل عجوز:
ـ لقد أعاد لي بصري الذي فقدته في الحرب…
كل سكان المدينة يدركون كرامات الضريح و صاحبه المجهول. كلهم غاضبون و حزينون لهدم الضريح… أطفال يبكون، نساء تصرخن، رجال يشتمون و يبصقون… ولكن لا أحد جرؤ على الإقتراب.
رَفعَتْ جرافة فهما الضخم، و أخدت تدك الضريح بجنون.. وخلال دقائق تحول الضريح المُقدس إلى كومة من الحجارة و التراب… توقفت الجرافة وتراجع العمال متعرقين.. اندفع السكان في فوضى نحو الركام… نبشوا التراب و الحجارة باحثين…
” أين صاحب الضريح؟ “
” لا يوجد شيء! ”
غرق الجميع في الصدمة والذهول والغرابة… انتفض حارس الضريح من بين الركام وصاح باكيا:
ـ لقد أغضبتم صاحب الضريح، أقلقتم مقامه… لقد هرب… ستظل روحه تلعنكم إلى الأبد…
ثُم أخذ يبكي و يتمرغ في التراب…
في انتظار القيامة:
بعد هدم الضريح و بناء المركز التجاري مكانه.. ظل أهل مدينة الضريح ينتظرون قيامة صاحبه المجهول وعودته…
إنهم ينتظرون قيامته…
هو المجهول، الذي بلا بداية وبلا نهاية… هُدِّمَ مقامه على الأرض و بقيّ مقامه مشيدا في القلوب والذاكرة… أسطورة الأساطير.. كراماته لا تزال حاضرة بينهم، و روحه المُقدسة… إنهم ينتظرون قيامته… أن يعبر سمائهم على حصان أبيض لينقذهم من خرابهم القادم… ينتظرون، و يبكون، ويبتهلون، ويتضرعون… ينتظرون عودته في نهاية الزمن، أن يتجلى في ألف هيئة وهيئة: متسول، أو سياسي، أو ممثل سينما، أو فأر، أو قمر… يعود أو لا يعود؟ ينتقل بين الزمان و المكان، يحيا و يموت، يعبر الأزقة و الدروب، مجهولا.. يراقب أهل المدينة و فوق تلالها يستريح… البعض نسيّه، والبعض ما زال يسكن ذاكرتهم… رسموا خرائط لكنزه الذي نُقل من مكان إلى آخر وساروا في رحلات بلا نهاية بحثا عنه. حددوا أوصافا لأشخاص تَجلى في صورهم، و أماكن ظهر فيها… وحكايات تناسلت من خلال حكايات… في البدء كان، وفي النهاية يكون من خلال الحكاية… وأهل مدينة الضريح يحيوّن.. خائقين، آملين، مترقبين، متوقعين، منتظرين… قيامة المجهول المنتظرة…
…………..
*كاتب من المغرب








