فتحي مهذب
الرصاصات
الرصاصات التي تلقيتها
تكفي لارتكاب إبادة جماعية ..
أو إسقاط دويلات من الفرح اليومي..
تكفي لإسقاط إله في قمة مجده..
محاطا بحراس من الشمع الأحمر..
وأنا في القماط
رافعا خطمي إلى أعلى..
سابلا جناحي أذني
لقنص مستدقات الأصوات
في الغابات المجاورة..
أعوي مثل ذئب في البرية..
أرشق ثديي مرضعتي المنتفخين
بمخالبي البدائية..
كان أبي ذئبا خطرا
فر إلى الغابة بعد ولادتي..
تاركا ذئبته الشقراء في المشرحة.
تاركا جروه الملعون في المستشفى
مكسوا بشعر كثيف ومهوش..
مثل ذئاب القطب المتجمد..
محدقا في ضباب الآتي..
كنت ذئبا مستوحشا
أفردتني الذئاب ..
بيد أن غزالة مشمسة
حملتني إلي كناسها في الربوة
قلمت أظافر ذئبيتي ..
فأممت سمتي إلى بكر الأقاصي .
****
انتظار الأرنب
أتذكر جيدا يا عزيزي
لما انتظرنا الأرنب طويلا
أمام الجحر
ولما طال انتظارنا
نط أرنب رمادي من جحر قلبي
حينئذ أطلقت النار عليه
بضحكة مدوية
ثم افترقنا
أنت إلى الأبدية البيضاء
وأنا الى دار الحياة الفانية
****
صخرة عمرها ثلاثون يوما
من بداية الشهر الى آخره
تنمو حصاة ملعونة على تلة ظهري..
يتسع كل يوم قطرها
وفي آخر الشهر تصير مثل صخرة سيزيف..
يحملها فراغ مفتول العضلات
الى قمة الجبل..
لتتدحرج آليا الى أسفل الشهر
مزقا مزقا..
لتصير حصاة تنمو من جديد طوال الشهر في تلة ظهري المحدودب..
لتمتلئ بطحالب الديون
وضباب الزفرات الكثيف
يأخذها كعادته فراغ عبثي
الى قمة اللاجدوى
مثل رهينة..
لتسقط من جديد في الهاوية ..
لذلك بعد موتي أخبر غاسل الأموات أهلي
أن ثمة كدمات زرقاء
وحفرا عميقة
في ظهري المقوس .
وعلى زندي الأيمن وشم
يحمل صورة ألبير كامي .
***
لم يفلت الخيط
ليس نباح الكلاب
الذي يرشق المارة النائمين..
هذا نباح هواجسي..
التي تحرس البيت طوال الليل..
ثمة لص يحاول اختلاس مرجان مخيلتي..
خاتم سليمان من اصبعي النائمة..
أسرار الليلة الفائتة..
ٱصغ جيدا يا نقموش
النساج الضرير..
المتحرك في رمل العتمة..
العنكبوت الذي يئن
مثل قاطرة داخل سكة الرأس المهوشة..
لم يفلت الخيط هذه المرة..
لم يزل يتدلى فوق رأسي
سادرا في ملكوته
مثل نصف اله .
***
أخت متنكرة بلباس التصوف
سلاما أيتها الشجرة
هل أنت أختي متنكرة
بلباس التصوف..
هل هذه العصافير
دقات قلبك المذعور..
قلبك المليء بصفير المراكب
ورفرفة أرواح الموتى
تحت الأرض..
لم وجهك مزدحم بالكدمات..?
هل عذبتك الخفافيش..
بوطوطة مقرفة جدا ?
هل نهبت خاتمك الذهبي
لما فجرت الريح ذاتها
بحزام ناسف
بين جدائلك المهوشة?
هل سرقت قاربك الليلي
نجمة البحر..?
سلاما أيتها الشجرة
أنا فتحي
أقدم شجرة
فرت من غابة القتلة..
من فأس الهندي الأحمر..
من مجزرة عائلية
تحت سور المخيلة المتداعي..
أجر مثل مقاتل أشوري
عربات الضوء
بذيلي المعقوف
نحو هلاك المعنى..
سلاما أيتها الشجرة
كوني أما لا تنسى
لعصافير روحي الصغيرة
لأطفالي القتلى
على طاولة اليتم..
رممي شقوق العائلة
قاتلي معنا جنود الفراغ المغولي..
ولنملأ شرفة البيت المهجور
بالهذيان والفرح العذري..
سلاما أيتها الشجرة
اتبعيني
لا تحدقي في قوائم الغيمة
لا تصغي الى تأويل اليمامة
أو نأمة ريشها المتطاير..
ثمة غابة من الأطفال
في صدري المليئ بأزهار الليلك..
شذبي صهيل غربتنا
كوني أما أو أختا مرهفة
تسحرنا في الليل يراعات
وتعمد قوادمها
بضحكتنا المريبة .
****
الشرفات مرصعة بالقتلة
أنا لست صيادا ماهرا
ولكن كلما أقترب أكثر
يتخبط نهداها في السوتيان
مثل أرنبين مذعورين
وأرى الله في عينيها
يلوح بمنديله الأبدي
هذه المدينة خليط من الطين والنار
من الملائكة والشياطين
لا تقترب أكثر
ستمطرك بصواعق من الشهوة
ويخطف بصرك برقها الثاقب
لا ينقذك السحرة
ولا يدلك المنجمون على أسرار الهاوية
****
الريح
تسكن بيتنا المتداعي
صوت أمي المتجمد .
رائحة ميخائيل في أوراق شجرة التوت
ضباب يتكلم خلسة في الظهيرة
أثر أقدام ديناصور لاحم في الحديقة
بعض الفواكه التي سقطت من سلة جبرائيل
بعد موت أبي في الحرب.
آه يا بيتنا المتداعي
إنتحر طائر المطر
والمعزون فروا بلآلىء العائلة.
ميخائيل
سبعون ذئبا فوق السطح
وبالجوار خانسة أفعى الكوبرا
لا تثق في الغراب الذي يصلي
لا تثق في ريشه الزارب بالدموع
لا تثق في راقصة الباليه
في قاع الطست تخفي سم الشوكران
ميخائيل
ثمة غيمة ستحملك إلى الكنيسة
ثق في الرب المعلق على الخشبة
في مصابيح دمه الذهبي
ضحكته العميقة الهادئة
ميخائيل
الفراغ يشهر مسدسه في الساحة
الشرفات مرصعة بالقتلة
والمجانين يدحضون قوارب النهار
ثق في صليبك يا ميخائيل.
****
الشك
الشك حار جدا
مثل شمس أغسطس
حزين على ما مضى
حزين على ما سيأتي
تسقط تفاحة القلق
من شباك الطائرة
يسقط مفتاح المقبرة
من جيب الطيار
أيها المزارعون البله
نضجت جلود الأموات
أعدوا عرباتكم
لنقل الجثث إلى النسيان.
***
دعاء الموريسكي في الخلوة
يا رب
إجمعني بسكان روحي المشردين
بطفولتي ذات العينين الزرقاوين
والرائحة الصنوبرية العذبة
بوجهي الذي يمطر بالفستق والتناقض
وجهي الذي يستضيء به
المتربصون بأسرار المستقبل
يا رب إجمعني بأصدقائي
الذين ضاعوا في غابة رأسي
بعد أن تقاسمنا كمثرى الكلمات الحلوة
ذهب الإيمان بالميتافيزيقا
عض الحياة من نهدها الأيمن
مطاردة المجهول بقصائد الغزل
إجمعني يارب بطيور الدوري
التي كنت أرميها بشرر عيني المشتعلتين
سائق الباص العجوز
الذي خطفه ثعلب الوقت
شجرات اللوز التي تتكلم في آذار
الفراشات النافقة التي دفنتها في قلبي
الدركي الذي يلاحق الزمن بعينيه المتراميتين
الأعمي الذي كان يطارد كلمات المحسنين
إجمعني برواد الحانات القدامي
وهم يشربون أوجه المارة النائمين
آخر الليل
يهشمون زجاج أصواتهم على الحيطان
وعلى رؤوسهم زمرة من النجوم الكابية
جيراني الذين تلاشوا
مثل غيوم متفرقة في عز أغسطس
جيراني الذين غرقوا في نهر مخيلتي.








