مروان ياسين الدليمي
ترك حذاءه عند باب الغرفة
كأنّه سيعود بعد قليل
ليعتذر للغبار.
ربما لم يكن يعرف
أن المدينة تنام دائما
حين يحتاج أحد إلى أن يستيقظ.
كان الخبز بعيدا
إلى الحد الذي تصبح فيه الأرغفة
طيورا مهاجرة
وكانت يداه
اللتان كتبتا كثيرا عن الشمس
فارغتين
كنافذتين في بيت مهجور.
أنا من جهتي
ما زلت أؤجل النهاية
كما يؤجل موظف فقير
دفع فاتورة الكهرباء.
كل صباح
أفتح عيني
فأجد الحياة قد وضعت أمامي
كرسيا آخر
لأجلس في طابورها الطويل.
هو لم ينتظر.
حين ضاق به العالم
لم يحاول أن يوسعه بالكلمات.
وحين أغلقت الأبواب أفواهها
لم يطرق الجدار.
اختار أن يغادر
من الباب الذي لا يحتاج إلى مفتاح.
أفكر فيه الآن
والليل يمر أمام نافذتي
حاملا أكياسه السوداء.
أفكر:
كم كان وحيدا
حتى بدا الموت
أقل وحدة من الحياة؟
في الشارع
تمر سيارة أجرة بطيئة
ويعبر رجل يحمل خبزا تحت ذراعه
وتضيء شرفة في الطابق المقابل
ثم تنطفئ.
لا شيء يحدث.
وهذا ربما
أكثر ما يؤلم.
أن العالم
بعد أن يفقد شاعرا
لا يسقط من مكانه.
تظل إشارات المرور
توزع ألوانها على العابرين
وتواصل المقاهي غسل كؤوسها
ويصر النادل على عد النقود
بينما تتسلق شمس الغد
جدران البيوت
من دون أن تعرف
أن شابا كان ينتظرها ذات مرة.
أما أنا
فأعرف تلك الفكرة التي تجلس أحيانا
إلى جواري.
أعرف صوتها الخافت
وهي ترتب الأشياء في رأسي
كأنها تستعد للرحيل.
لكنني جبان بما يكفي
لأؤجل شجاعتي.
أقول:
ربما غدا.
ربما يحدث شيء صغير
يخطئ طريقه إليّ.
رسالةٌ
يدٌ تمتد من بعيد
وجهٌ قديم في الحافلة
قصيدةٌ لا تخون صاحبها
أو حتى شجرة
تقرر فجأة
أن تضع زهرة واحدة
في الجهة المقابلة من اليأس.
الشاعر الذي مات اليوم
كان أكثر حسما مني.
لقد أغلق الباب.
أما أنا
فما زلت واقفا في الممر
أصغي إلى الحياة
وهي تفتش جيوبها
عن سبب آخر
لكي تبقيني.








