بولص آدم
تبدو قصيدة «يا لها من حماقة جميلة» لمروان ياسين الدليمي، المنشورة في موقع «الكتابة» في 23 يوليو 2026، قصيدة عن الطفولة والزمن والذاكرة، غير أن بنيتها الأعمق تتجه إلى سؤال آخر: كيف تتغير علاقة الإنسان بالعالم حين ينتقل من الطفولة إلى الوعي؟ فالطفولة في النص طريقة في النظر إلى الأشياء، والزمن في بدايتها لعبة، والعالم فضاءً مفتوحًا للألفة والدهشة، ثم يتبدل كل ذلك تدريجيًا حتى يصبح الماضي جهةً تقع خلف المرآة.
من هنا تكتسب اللغة دورها الأساسي في تشكيل التجربة. فالقصيدة لا تقدم أفكارها في صورة تقريرية، وإنما تعيد ترتيب العلاقات بين الإنسان والزمن والأشياء، فتمنح المجرد صفات المحسوس، وتنقل أفعال الإنسان إلى الأشياء، وتحوّل المكان إلى طرف في التجربة النفسية. وهذه الطريقة في بناء اللغة تجعل مفهوم الانزياح عند جون كوهين مدخلًا مناسبًا لقراءة النص.
في كتابه «بنية اللغة الشعرية» (1966)، الذي تُرجم إلى لغات عدة، ومنها الترجمة العربية لباسم محمد الولي ومحمد العمري، عن دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.. يبحث كوهين في خصوصية اللغة الشعرية وتميزها عن اللغة العادية. وتقوم أهمية تصوره هنا على أن الشعرية ترتبط بطريقة استخدام اللغة وبالعلاقات التي تنشئها بين الكلمات والمدلولات. فالأداة اللغوية تكتسب قيمتها الشعرية من موقعها داخل السياق ومن الأثر الذي تحدثه؛ ومن ثم يصبح الانزياح خروجًا عن العلاقات المألوفة، ينتج عنه معنى جديد وأثر جمالي يخاطب الخيال والوجدان، مع قدر من الغموض يفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة في بناء الدلالة.
ومن هذه الزاوية تبرز في نص الدليمي المنافرة الدلالية بوصفها إحدى آليات الانزياح. وتعلن القصيدة عن واحدة من أكثر لحظاتها وضوحًا في العبارة: «سمعت الزمن يضحك من الخزانة.» فالزمن مفهوم مجرد، والضحك فعل إنساني، والخزانة مكان للأشياء؛ والجمع بينها في علاقة واحدة يخرق الملاءمة المألوفة. وهذا يذكر بالمثال الذي يتوقف عنده كوهين في كتابه، في عبارة أبولينير: «إن الذكريات أبواق صيد»، حيث تتجاور «الذكريات» مع «أبواق الصيد» في علاقة لا تنتمي إلى الاستعمال العادي للغة. وفي الحالتين تنشأ الصدمة الأولى من عدم الملاءمة، ثم يدفع السياق المتلقي إلى البحث عن علاقة دلالية جديدة. في نص مروان يصبح ضحك الزمن تعبيرًا عن ماضٍ يستعصي على الاسترداد، وعن طفولة تقف خلف الذات وتبدو كأنها تسخر من محاولتها العودة إليها. وهنا تؤدي المنافرة وظيفة إنتاجية: إنها تولّد الصورة وتفتح طريق التأويل في آن واحد.
يتأسس النص منذ بدايته على هذا النوع من إعادة بناء العلاقات. فالزمن الذي يفترض أن يكون مفهومًا مجردًا يتحول إلى لعبة، ثم يصبح طفلًا يجلس على حافة السرير ويخفي عقاربه. هذه الصورة تنقل الزمن من مستوى التجريد إلى عالم الطفولة، وتعيد صياغة علاقته بالذات. الزمن هنا كائن قريب يمكن اللعب معه، ويمكن أن يتأخر عن موعده، وتصبح عقاربه شيئًا يخفيه كما يخفي الطفل سرًا صغيرًا.
وتتسع هذه الرؤية حين تدخل الشمس والصباح والريح والأشجار في عالم الطفولة. الشمس تجلس إلى جوار الأطفال وتأكل، والصباح يمد يده، والريح تستعير الملابس، والأشجار تبدو كأنها تصفق. تنشأ الشعرية هنا من نقل أفعال بشرية إلى عناصر الطبيعة، فتتحول البيئة المحيطة إلى كائن مشارك في التجربة. العالم في هذه المرحلة يبدو مأمونًا وقريبًا، لأن الوعي الطفولي يراه من خلال الألفة والخيال.
لكن النص يعيد النظر في هذه الصور مع تقدم العمر. الشمس تفقد صورتها الأمومية، والصباح يتعب، والأشجار التي بدت مصفقة للأطفال تكشف عن محاولتها التشبث بالأرض. يتحول العالم في اللغة تبعًا لتحول الوعي. وهنا يصبح الانزياح وسيلة لتجسيد الانتقال من الطفولة إلى النضج: الشيء نفسه يتغير موقعه الدلالي لأن الذات التي تنظر إليه تغيرت.
وتظهر الآلية ذاتها في القسم الثاني عندما يدخل الزمن البيت دون استئذان، ويحمل الخبز، ويجلس إلى المائدة، ثم يبدأ «في تقشير أعمارنا». هذه الصورة من أقوى صور النص؛ لأن العمر مدة مجردة، والتقشير فعل مادي يرتبط بالأشياء ذات القشرة. ينتقل الفعل من حقل المادة إلى حقل الزمن، فيصبح مرور السنوات عملية محسوسة يمكن تخيلها. وتتبع الصورةَ صورةٌ أخرى حين تصبح الأعمار شبيهة بالقطط القادرة على الهرب. هكذا تتحول فكرة فقدان العمر إلى حركة يمكن رؤيتها وتخيلها.
ويواصل النص نقل التجربة النفسية إلى المكان. فالإنسان يركض خلف الحافلات والوظائف والحب، ثم «تعب الطريق» وجلس. هنا ينتقل التعب من الإنسان إلى المكان، ويتحول الطريق من فضاء للعبور إلى كائن يشارك في الإرهاق. وعندما يمد الطريق ساقيه ويقترح الذهاب إلى مكان آخر، يصبح الركض نفسه موضع سؤال: حركة طويلة استنفدت طاقتها من دون أن تكشف عن وجهة.
ثم تضيق النافذة والشارع، بينما يكبر الظل. تتشكل أمامنا هندسة شعرية للحياة: العالم يضيق، والظل يتسع. والظل الذي يفترض أن يكون أثرًا تابعًا للجسد يتحول إلى كائن يعرف شيئًا تجهله الذات، ويلتفت إليها ويتظاهر بأنه لا يعرفها. هنا تنتقل الذاكرة إلى صورة خارجية؛ فالماضي يظل ملازمًا للإنسان حتى حين يحاول أن يمضي بعيدًا عنه.
وتتجمع هذه الانزياحات في النهاية حول صورة المرآة. يقف الطفل الذي كانت عليه الذات في الجهة الأخرى، يطرق الزجاج ويضحك. المرآة تتحول من سطح عاكس إلى فضاء فاصل، والانعكاس يتحول إلى شخصية مستقلة، والماضي يتحول من زمن إلى جهة. هذه التحولات المتتابعة تمنح الصورة قوتها؛ فالذات ترى نفسها القديمة، وتعرفها، وتسمعها، لكنها عاجزة عن الوصول إليها.
وتتصل المرآة بصورة الباب والمفاتيح التي سبقتها. الإنسان يحمل مفاتيح كثيرة، غير أنه لا يعرف الباب الذي يؤدي إلى الطفولة. يتحول المفتاح من أداة للفتح إلى علامة على العجز، ويصبح الباب حدًا يفصل بين مرحلتين من الوجود. إن المسافة بين الراشد والطفل القديم تتحول إلى مسافة مكانية، وبذلك يصبح الفقد شيئًا يمكن تخيله كما لو كان مكانًا مغلقًا.
ومن هنا تتضح وحدة الصور في القصيدة. الكرة، والزمن، والعمر، والطريق، والظل، والباب، والمرآة عناصر تدخل في حركة دلالية واحدة. تبدأ التجربة باعتقاد أن الزمن لعبة، وتنتهي باكتشاف أن العودة إلى اللعبة مستحيلة. لذلك تتغير دلالة الأشياء كلما تغير موقع الذات منها. الكرة تصبح أثرًا، والحذاء يصبح شاهدًا على الطفل الغائب، والمرآة تصبح الحد الأخير بين الحاضر والماضي.
حتى عنوان القصيدة «يا لها من حماقة جميلة» يختصر هذا التحول. «الحماقة» تشير إلى الاعتقاد الطفولي بأن العالم سيبقى، وأن الزمن يمكن التعامل معه كما تُعامل اللعبة، أما «الجمال» فيرتبط باكتشاف الراشد قيمة تلك السذاجة بعد زوالها. العنوان يجمع بين حكمين متوترين على الماضي، ويجعل الحنين نفسه قائمًا على مفارقة: ما كان يبدو طبيعيًا في الطفولة يظهر من مسافة الزمن بوصفه حماقة، ويظل مع ذلك أجمل ما فقده الإنسان.
بهذا المعنى، تكشف قراءة النص في ضوء كوهين أن الصورة الشعرية نتيجة لطريقة خاصة في تشغيل اللغة. فالشاعر لا يراكم الصور من أجل الزخرفة، وإنما يعيد توزيع الصفات والأفعال والعلاقات لكي يجعل التجربة النفسية محسوسة. الزمن يصبح شخصية، والعمر مادة، والطريق كائنًا متعبًا، والظل شاهدًا، والمرآة حدًا بين ذاتين. كل انزياح يضيف طبقة إلى تجربة الفقد، وكل صورة تدخل في بناء الصورة الكلية للنص.
وهنا تكمن القيمة الأسلوبية للنص: الصورة لا تسبق المعنى، وإنما تولده أثناء انحراف اللغة عن مألوفها. ولذلك تصبح المنافرة الدلالية لحظة تأسيسية؛ إذ تبدأ بخرق العلاقة العادية بين الأشياء، ثم تقود إلى علاقة جديدة يستطيع القارئ أن يستكشفها من خلال السياق. ومن «الزمن يضحك من الخزانة» إلى «تقشير الأعمار» و«تعب الطريق» ووقوف الطفل خلف المرآة، تتحول اللغة إلى وسيلة لرؤية ما يصعب قوله مباشرة.
إن «يا لها من حماقة جميلة» قصيدة عن الزمن، لكنها لا تقدم الزمن بوصفه موضوعًا خارجيًا. إنها تجعل الزمن يظهر داخل اللغة؛ يلعب، ويزور، ويضحك، ويأخذ مكانه في حياة الإنسان. وفي المقابل تتحول الطفولة من زمن مضى إلى صورة تقف في الجهة الأخرى. وبين الزمن والمرآة تتشكل تجربة النص كلها: محاولة استعادة ما كان، واكتشاف أن الذي تغير هو الإنسان نفسه.
وهكذا يمكن اختزال شعرية القصيدة في حركة واحدة: انزياح اللغة عن المألوف لكي يصبح الفقد مرئيًا. وهذه هي المسافة التي تجعل الصورة الشعرية في نص مروان ياسين الدليمي أكثر من مجرد أداة بلاغية؛ إنها الطريقة التي يعيد بها النص بناء العالم، ثم يجعل القارئ يكتشف أن العالم الذي فقدناه كان، في جزء منه، طريقة قديمة لرؤيته.
اقرأ أيضاً:











