صالح مهدي محمد
أحزمُ أشيائي القليلة،
وأتركُ المرآةَ تحملُ وحدها وجهي القديم.
الطريقُ أمامي ليس بعيدًا،
إنّه يشبهُ سؤالًا طويلًا
لا يعرفُ إلى أين ينتهي،
وظلّي يكتبُ خلفي
سيرةً لن أقرأها أبدًا.
الحقائبُ مثقلة،
والذاكرةُ أثقلُ من السفر.
في المحطةِ الأولى
ودّعتُ طفولتي،
كما يُودَّعُ صديقٌ
لا نعرفُ إن كنّا سنراهُ ثانيةً.
يمرُّ القطار،
وتركضُ الحقولُ إلى الخلف،
وأرى وجهي في الزجاج
مُرتسمًا مع الغيوم،
فأصيرُ
سماءً مؤقتةً
تمطرُ أسئلةً
لا تجدُ أرضًا.
كلُّ مدينةٍ أعبرُها
تمنحني وجهًا جديدًا،
ثم تتركني
أكثرَ غربةً عن وجهي الأول.
والغرباءُ الذين ألتقيهم
جسورٌ عابرة؛
نعبرُ فوقها قليلًا،
ثم يطويها الوقتُ
كأنها لم تكن.
أبحثُ عن بيتٍ
في كلِّ غرفةٍ أدخلها،
فأجدُ جدرانًا مؤقتة،
وسريرًا
يشبهُ الرحيل.
الليلُ في الطريق
أعمقُ منه في الإقامة؛
فيه أسمعُ دقّاتِ قلبي
كخطى غريبٍ
يطاردني نحو الفجر.
أحيانًا أظنُّ أنّني وصلت،
فتأتي محطةٌ أخرى
لتذكّرني
أنّ الوصول
مجرّدُ محطةٍ
تخفي وراءها
طريقًا جديدًا.
والحقيبةُ تخفُّ
كلّما طالتِ المسافة،
كأنّ الطريق
ينتزعُ منّي
كلَّ ما لا أحتاجه،
ليُبقيَ جوهري وحده.
ربما لا أبحثُ عن مكان،
بل عن نسخةٍ منّي
تركتُها
في محطةٍ بعيدة
منذ زمن.
وحين أصلُ أخيرًا،
إن كان ثمّة وصول،
سأكتشفُ
أنّ الرحلةَ كانت هي البيت،
ذلك البيتَ الذي ظللتُ أبحثُ عنه
منذ اللحظة
التي غادرتُ فيها.






