الذكاء اصطناعي.. والأفيونة طبيعية

محمود نجيب

محمود نجيب

أتساءل كثيرًا عن مدى ما نشعر به حقًا من حرج، عزلة، وحماقة، وأشياء أخرى.

مثلًا، عندما أدقق في الميديا ووسائل التواصل، أجد أن شخصًا مجهولًا يطرح سؤالًا في جروب على فيسبوك، ثم يرد عليه شخص مجهول آخر بإجابة هذا السؤال، ثم يظهر شخص ثالث مجهول أيضًا في الحديث، وتدور مشاجرة أحيانًا مكوّنة من خمسة مجهولين. هذه الأشياء مثيرة للضحك أحيانًا؛ متوفر لدينا الآن خمسة مجهولين يخجلون من الإفصاح عن هويتهم، ولدينا موقع تواصل، ولدينا جدال قائم بدون أطراف حقيقية.

عند إصدار عمل فني جديد، يكتب الناس آراءهم ببساطة شديدة، فيظهر صناع الفيلم فجأة يسبّون كل من يكتب رأيًا مخالفًا: من أنتم حتى تكتبوا رأيًا يعارض وجهة نظر المخرج والممثل؟ هذا بؤس شديد وانعكاس لما وصلنا إليه بالفعل. هل ستكتب رأيًا مخالفًا؟ لن نقبله نحن بالتأكيد في الطريق الصحيح.

عند مشاهدة مباراة لكرة القدم، ينفعل الناس فيقومون بانتقاد اللاعبين وأداء الفريق، فتظهر جماعة أخرى تحمل الجمهور مسؤولية الخسارة وأنهم ليسوا مشجعين حقيقيين.

نشأت مواقع التواصل حتى يعرف الناس بعضهم البعض ويكتبون آراءهم بحرية، ومع مرور الوقت يخجل الناس من الإفصاح عن هويتهم، ثم حتى تُقابل آراؤهم بقمع شديد.

في نفس المكان تقريبًا، عندما كنا نجتمع في إفطار مع الأصدقاء، كنت أتذكر صديقي في الجامعة الذي كان يلقي نكاتًا رائعة، بينما الآن، حينما أمر، أتذكر صديقي أيضًا بالإضافة إلى تحليل السكر التراكمي والكوليسترول.

أصبح من الضروري اليوم أن تمتلك هاتفًا ذكيًا، وحسابًا على فيسبوك وواتساب على الأقل. وفي بيئة العمل، لا بد أن تحضر عبر مايكروسوفت تيمز، وأن تثبت هويتك بمايكروسوفت أوثنتيكيتور حتى يُسمح لك بالدخول إلى بريدك الإلكتروني.

تشتري احتياجاتك عبر أمازون أو طلبات أو غيرهما من التطبيقات، وبالطبع تُدخل بيانات بطاقتك البنكية. ثم تحتاج إلى إنستاباي لتُجري التحويلات بسهولة، وربما إلى محفظة إلكترونية في مواقف أخرى. وكل ذلك لا يقوم إلا على نعمة الإنترنت، التي تتطلب اشتراكًا شهريًا وباقات تُحسب بالجيجابايت.

أما الترفيه، فله منصاته المحددة: هذا على نتفليكس، وذاك على واتش إت، وآخر على شاهد أو بي إن سبورتس. وإذا أردت الانتقال من مكان إلى آخر، فستستدعي أوبر أو إن درايف أو أي تطبيق مشابه. وعندما تبحث عن معلومة، يكفي أن تلجأ إلى شات جي بي تي ليزوّدك بما تريد في ثوانٍ معدودة.

هذه الفقرة أصلًا تمت إعادة صياغتها بواسطة شات جي بي تي في الواقع.

لا شك أن هذه الأدوات الرائعة جعلت حياتنا أسهل وأكثر سرعة وكفاءة، لكن هل نشعر حقًا بالحرية، أم أننا أصبحنا أسرى شبكة غير مرئية من الاحتياجات الرقمية؟

على الجانب الآخر، تحول الإنسان لمجرد أرقام وبيانات، أصبح يفقدنا الكثير من قيمة الإنسان الحقيقية كروح. هذا الاختزال الحقيقي نتج عنه تبلد ملموس؛ فعند سماع أخبار وفاة خمسة آلاف شخص، هناك شيء ما يبدو كأنه خمسة آلاف صف في ملف إكسل.

الذكاء الاصطناعي اصطنع كل شيء تقريبًا ما عدا المشاعر، لأنها لم تعد مهمة في الوقت الحالي. مع كل هذا التقدم، لا توجد وسيلة لمحاكاة الحب أو التخلص من الحزن.

الكل يبحث بسرعة شديدة عن المادة، والمادة لا تبحث عنهم.

بالإمكان الحصول على كم هائل من المعلومات في أي وقت؛ جحيم المعرفة يطاردنا بشكل كبير.

مع التقدم في العمر، تقل وتيرة الحماس ويزداد الصمت لأوقات كثيرة، ويزداد محيط الخصر بشكل ملحوظ بسبب تراكم الدهون الحشوية.

يتلقى الأطفال تطعيمات وقائية ضد مجموعة من الأمراض المعدية منذ الولادة وحتى إنهاء الجرعات التنشيطية لبناء مناعة قوية، ثم يتضح لنا أن الشعور بالألم مستمر منذ الولادة حتى الموت دون توقف.

الحروب الإقليمية والدولية تتزايد بشكل كبير، مما يثبت لنا أن كلمة السلام تم توظيفها حتى تُطلق على ستاد السلام ومستشفى السلام ومسجد السلام وجمعية السلام وحتى معاهدة السلام، لكن بدون وجود حقيقي لكلمة السلام عالميًا. لا أعرفك عن قرب، لكن بالتأكيد هناك مسجد السلام بالقرب منك.

الرجوعية في علم المواد تعني قدرة المادة على امتصاص طاقة التشوه المرن وإطلاقها عند زوال الحمل، وتُعرّف بأنها أقصى طاقة يمكن تخزينها في وحدة الحجم دون تشوه دائم، وهي مقياس لقدرة المادة على مقاومة الصدمات والارتداد إلى شكلها الأصلي. الفولاذ مثلًا يُستخدم في الإنشاءات لتحمل الأحمال دون تشوه مفرط لأنه يتمتع بمعامل مرونة عالٍ.

قدرتنا على الصلابة وتحمل التشوه واستعادة الوضع الأصلي بعد الصدمات ضئيلة جدًا مقارنة بالفولاذ. خلقنا من تراب ومن طين لازب ومن حمأ مسنون ومن صلصال كالفخار؛ هذه دعوة مكررة لأن ننظر حقًا مم خُلق الإنسان: فلينظر الإنسان مم خُلق.

وعلى الرغم من كل ذلك، هناك مساحة رائعة للضحك والسخرية لا تنضب، يتم تجديدها مع كل أزمة.

منذ فترة، تحدث مسؤول أن هناك أزمة في النقود الفكة، وهي العملات النقدية ذات الفئات الصغيرة. كانت تذكرة المترو تُضاهي الثمانية جنيهات، فأتى بحل في غاية العبقرية، وهو أن نزيد ثمن التذكرة لعشرة جنيهات، وبالتالي حينها سوف تختفي المشكلة.

ثم جاء بعد فترة قرار مهم لتشجيع الصناعة، وهو فرض ضريبة على الهواتف المستوردة من الخارج بعد السماح لعدد معين من الهواتف للاستخدام الشخصي، وهنا أتت ثغرة كبيرة مع أفواج المعتمرين، فتم استغلالهم من التجار في جلب الهواتف من الخارج وكأنها للاستخدام الشخصي، ثم تُباع بعد ذلك بأسعار مضاعفة.

وهنا ظهر حل مماثل في العبقرية مثل سابقه، وهو فرض الضريبة على كل الهواتف دون استثناء.

وبهذا المنطق العبقري الغائب عن أذهان الجميع، لو كان ابنك ضعيفًا في مادة العلوم، فالحل ليس أن يذهب إلى درس العلوم لتقوية مستواه، بل أن يخرج تمامًا من التعليم، وبذلك سوف تختفي المشكلة.

وإذا كانت هناك زحمة شديدة في المواصلات أثناء ذهابك للعمل، فالحل في شدة البساطة هو ألا تذهب للعمل، وبالتالي سوف تختفي المشكلة.

وإذا كان صنبور المياه يقطر ماء، فليس الحل أن تبحث عن سبب هذا التسرب أو أن تستدعي سباكًا، بل أن تغلق المحبس الرئيسي تمامًا وتغلق الصنبور، وبهذا سوف تختفي المشكلة أيضًا.

إذا كنت مريضًا بالسكر، فليس الحل في دواء السكر، ولكن إذا سنحت الفرصة لحدوث غيبوبة ثم الوفاة، حينها سوف تختفي المشكلة تمامًا، لأنك بالفعل وقتها قد مت، وبالتالي لن تعاني من السكر بعد الآن.

الإنسان يميل لتصديق الأشياء التي تتوافق مع أمانيه، وينحاز بشكل غير واعٍ لسماع المعلومات التي تخدم هذه الأفكار.

صناعة الأوهام وتصديقها وإتقانها هي ممارسة موجودة منذ قديم الأزل، وهي بالفعل أشياء مريحة جدًا، لأن الحقائق في الواقع مرهقة جدًا، لكنها حقائق في النهاية.

يتفنن الإنسان في صنع أفيونه الذي يناسبه حتى يعطيه التخدير الكافي: التنجيم، والتنبؤ، والأبراج، والعلاج باللمس، والعلاج بالطاقة، وأي سودوساينس، هي أشياء مريحة لكثير من الناس. الموالد والذكر، والاعتقاد أن السيد البدوي بإمكانه بالفعل شفاء مريض حقيقي… لماذا يحدث هذا؟ لأن الناس تبحث عن إجابات سريعة وبسيطة لمشاكل معقدة؛ تبحث عن نظريات سهلة وممارسات مُرضية، وتميل لسماع القصص الجيدة والنهايات السعيدة.

وعلى الرغم من أننا في عصر متقدم جدًا من عمر البشرية، ما زال الإنسان يبحث عن الصدفة ضد الدليل؛ هذا لأن الصدفة ممتعة وسهلة، والدليل ممل ومعقد.

يتضح في النهاية أن لدينا خجلًا من إبداء الرأي بصدق، وخجلًا من إظهار المشاعر بصدق، ومن الإفصاح عن الهوية وعن مفهوم الحرية بالفعل. ثم يتضح لنا أن صلابة الإنسان ضعيفة، لكنه بارع في السخرية وتمرير الوقت. وعلى الرغم من أن الذكاء اصطناعي، فإن الأفيونة طبيعية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع