البهاء حسين
الحربُ تملأ أيامى المتربة
حلقى
أتقيأ الأن رصاصات فارغة
أنقاض بيوت ومدارس
ولا شىء بإمكانه أن يُسكت معدتى
منذ ثلاثة أسابيع
وأنا ملتصق بالتلفاز
كأننى زرّ التشغيل الأحمر فى الريموت
أريد أن أعرف ماذا تفعل الحربُ بإخوتى
لا أريد أن تفوتنى رصاصة منها
أريد لكل قذيقة أن تمرّ من خلالى، كى أبطلها
منذ ثلاثة أسابيع
وأنا ملتصقٌ بالأفواه التى تحلل ” المُجريات ” عبر الأثير
بحاملات الطائرات وهى تتبختر على ظهر المحيط
بالنازحين
قبل قليل
كان أحدهم يتحدث للمراسل
عن بيته الذى تركه، لأن أنذاراً بالإخلاء أجبره على ذلك
:
البيوت ، بيوتنا ، حتى وهى تُهدم، نحب أن نراها
أن نلقى نظرة أخيرة عليها
على الحياة التى ندينُ بها للبيوت
قبل أن تتحول إلى غبار
بمنشورٍ من الجو
أو قذيفةٍ تخترق التحصينات
لم يبق فى جوفى شىءٌ
تقيأتُ نفسى
جبهتى التى أخوض منها المعارك
ولم يتحول فمى إلى فوهة
:
حتى الحروب يا أمى أحدّق فيها
لأنها تجعل البيوتَ أرامل
ترملتُ معك يا أمى، وأنا أحدق فيك
أحدق فى حربك مع الأيام، مع لقمة العيش
فى روحك
فى الطريق المهجور الذى مشينا فيه، ذات يومٍ ، نحن الاثنين
حين خرج علينا قطاعُ الطرق وهم يصوّبون عيونهم
مرةً إلى جسدك
ومرةً إلى البضاعة التى نحملها على رؤوسنا
لا أعرف كيف نجونا منهم يا أمى
لكنها بالتأكيد كانت معجزة
منذ سبعةٍ وخمسين عاماً وأنا أحدق فيك يا أمى
حتى وأنت بعيدةٌ عنى بمئات الكيلومترات
أحدق فى جلبابك الأسود
فى سنواتك التى تخطت الثمانين
أحدق فى صوتك
فى مرمطتك وأنت تدافعين عن القراريط التى تركها لنا أبى
واغتصبها “أولادُ العم “
دون رجل يقف بجانبك
دون أبى
الرجل الذى لم أسامحه أبداً على الموت
أعرف الحرب يا أمى، وأحدق فيها
مثلما أحدق فى عظامك وأنا أحممك
رق جلدك يا أمى
تقوستْ قامتك، رغم قصرها
الشيخوخة مثل الحرب
مثل البرص يا أمى
يجعل الوجه خريطة متنقلة للخراب
أحدق فى الحرب
فى السحب.. وليمة الألوان التى نفتش عنها فى الصيف
أحدق فى الطائرات الشبح
فى طيور البحر وهى تهرب بأجنحتها البيضاء من دخان الحرائق المشتعلة
فى الشاشة
أحدق فى جلدى
جبهتى التى تتسع كل يوم
ولا أعرف ما الرقعة المقبلة للبرص
البرص يحاربك على أرضك
جلدك
يتفشى فى بيتك
كالرطوبة فى الجدران
:
البيوتُ هشة كالأرامل
لكنّ مفاتيح الأبواب مثلك يا أمى خالدة
المقابض
الذكرياتُ التى نتركها خلف كل باب
كل ما تجترّه العدسات
دخان الانفجارات، الدخان الذى يعلو فى السماء
كفطرٍ هائل يا أمى
كعيش الغراب
صوتُ الحرب
الصاروخُ الفارسىّ
طائرُ النارِ
يخرج فى الحقيقة منى
وأنا أشاهد إخوتى يدافعون عن أرضهم بالأظافر المدببة
وإن كنت أحزن عندما يُخطىء الأهداف
لا بدّ من الحرب يا أمى
الأرض تستحق أن ندافع عنها
البيوت
النافذة تستحق أن تكون شهيداً
من أجلها
الحياة تنتهى على كل حال، عاجلاً أو آجلاً
لا بد أن نختار موتنا على الأقل
لا بد أن تكون لديك الجرأةُ على الرجوع إلى بيتك
مثل هذا النازح
بغض النظر من منكما ينفجر أولاً
لأن منشوراً بالإخلاء
سقط عليه
:
الأغطية لا تحوّل الخيمةَ إلى بيت
مركز الإيواءِ جيد،
لكن لا يمكن أن يعيش الأطفالُ من غير حضن
وليست أمك هى التى تطبخ فيه الطعام
لذلك
أطفالك وهم يتقافزون ، فى العراء من حولك
فرحين بالعيد
بغض النظر عن الحرب
شىءٌ يستحق أن تخاطر من أجله
أن تعود أدراجك إلى البيت
تحت القصف ،
كى تجلب مزيداً من البطاطين
البرد
البرد والحنين
كلاهما قارسٌ بالخارج
:
نحن ندافع عن بيوتنا يا أمى ، كى لا نضطرَ للحنين إليها
الحنين إلى البيوت المهدمة معركة خاسرة
:
من يملك أن يوقف البرص
حين يندلع فى وجهه
من يضمن اتجاه الرصاصة
بعد أن تغادر الفوّهة
:
كم مرة نظرتُ فيها إلى شخصٍ أبرص
كأننى أعتذر له
كلٌ منا يحمل حرباً بداخله
نحن عربات مفخخة
قنابل
كل منا نازحٌ يتسول بيته
حياة أطفاله من عدوّه
كل منا
يدير حرباً شرسة بداخله، لصالح الإخوة
يا ما عدلتُ مسارات الصواريخ فى رأسى،
كى تدخلَ إلى المخابىء
اطمئنى يا أمى
كل منا يبث حزنه إلى الشاشات
حربه
أنقاضه
سر الأرض التى ينتمى إليها
سر النجاة الذى تحمله أقدام الأمهات .















