الحب بوصفه صراعا هوياتيا في “ميشيل ويائيل”

mohammed ali ibraheem

نسرين خليل

   ينطلق الروائي “محمد علي إبراهيم” بتماهيات مشاهد سردية متمايزة؛ حيث يختبر أمزجة من العمق الإنساني ينقيها بحس نقدي تجاه الاسئلة الوجودية والاجتماعية التي صنعها التقارب المخيف لأهل الأرض يتصارعون عبر حيز شديد الفقر ما يخلق صراعات مجدبة.

أعماله، من “حجر بيت خلاف”، و”روح” و”الولد كوريا”، وحتى “ليلي وفرانز”، تستكشف الصراعات الداخلية والهوية والتباينات الثقافية، مؤكدة استمرار الكاتب في صناعة نصوص تجمع بين الجمالية الأدبية والقوة الفكرية، وقد نالت أعماله جوائز مرموقة مثل جائزة “الهيئة العامة لقصور الثقافة” وجائزة “جمال الغيطاني”، والقائمة القصيرة لجائزة “نجيب محفوظ”.

في البدء، لا نقرأ إلا لنستمتع بالأحداث المروية دون البحث عن حقيقة شخوصها أو أحداثها، لأننا بكل بساطة نؤولها إلى خيال الكاتب، المؤلف وحده هو المسئول عن خلق كل هذه العملية الإبداعية وتسييرها. ومن ثم، لا ينبغي أن نتعامل مع العمل الأدبي بوصفه انعكاسا مباشرا للواقع، بل بوصفه إعادة تخييل، حتى في أكثر لحظاته إيهاما بالصدق.

“رأيته وأنا زاحف على البلاط بين أقدام أمى وكارولين-اللتين أكثر مني طولا وعرضا-يمسح دمعة فشلَ في إخفائها عن الحاضرين”.

في رواية “ميشيل ويائيل” أتت البداية معتادة، أو هكذا توهمنا، لحظة تأسيسية ترسم الحيز النفسي للبطل، ميشيل، على نحو يشبه ما يُعرف في السينما بـ”المسترسين”. رؤية الابن لرمز حمايته-الأب- يُداس بالأحذية، لهو كفيل بتحويله من ملاك إلى شيطان “فاوست” ذاته. غير أن الرواية لا تختار هذا المسار السهل؛ فلا يتحول “ميشيل” إلى مسخ، بل نجده بطلا إشكاليا، حاملا لواء ندبة المشهد الأول لا بوصفها دافعا للانتقام، بل عبئا سرديا يتسربل به كما شبح “هاملت”.

ويأتي استدعاء بطل سابق من عمل أدبي للكاتب-صالح جعفري-متقاطعا مع حضور الكاتب نفسه بين السطور، حضورا ميتاسرديا واعيا، كأنه ضيف شرف يتأمل لعبته السردية من الداخل. هذا الانزياح لا يربك الحكاية بقدر ما يضاعف ثقلها الأدبي، ويمنح القارئ لحظة تواطؤ ذكية، تستدعي ابتسامة غير مقصودة، تتسلل بوصفها أثرا جانبيا للوعي السردي، وإدراك أن الرواية تمتلك مقدرات وعيها الخاص بنفسها، بوصفها نصا قبل أن تكون حكاية.

تتسارع الأحداث، لتتحول أرض المبارزة في نويبع إلى مسرح الرواية الحقيقي، حيث تتجلي مشاعر الحب بين بطلي الصراع “ميشيل ويائيل” كبؤرة مركزية لزلزال فارق لا يترك مجالا للحياد. طبقات الأرض تتآكل حول الثنائي، تتعرى الحكايات الجانبية لشخوص الكامب، لكن بدا لى وكأنها حلبة مصارعة، محكومة بتركيز الضوء على البطلين، بينما يكتفي باقي الشخصيات بمراقبة الاشتباك العاطفي، كمتفرجين مشدوهين أمام قوة وجاذبية لحظتهما، بلا قدرة على التدخل الحقيقي، وما عليهم سوى مشاهدة صعود وهبوط نبض الحكاية.

“مررنا في رحلة العودة فوق رأس تمثال الحرية؛ رقصنا التانجو بينما نتنقل بين مسامير التاج السبعة، احتضنتُ يائيل، ثم انطلقنا إلى نقطتنا الأولى؛ الحديقة كشفت عن أسوارها، والأشجار العجوز صارت نخلا يكتنز ببلح كثير، ضحكنا ونحن نلاحظ اختفاء المشوقين، رغم أن السماء البعيدة تحتفظ بسحاب يمكن أن نراه كأشباح لكل من غادروا حديقتنا”.

وبالرغم من تواجد البطل والبطلة مع بعضهما البعض فيزيائيا، فإن اختلاف عقيدتهما يجعل لحظة الاعتراف بالحب شبه مستحيلة، لحظة غير متداركة ومربكة، ومن هنا تستدعي الرواية خيالها لتسهيل اللقاء العاطفي، لقاء بلا قيود، بينما يظل القارئ واعيا بأن هذا يحدث فقط في الخيال فحسب؛ فتتحول مسألة الحب في الرواية إلى مساحة مزدوجة: حب فعلي محدود بقيود المجتمع، وحب خيالي متحرر من ضريبة سعر الصرف، مما يضاعف من قوة الصراع في الرواية في استكشاف طبقات من النزاع البشري بين الرغبة والواقع.

أثار إعجابي مدى واقعية الكاتب؛ فبرغم حب ميشيل ليائيل، لم يمنعه ذلك من سرد مشاهد جنسية كاملة بين “ميشيل وسلمي”-تعمل بالكامب بنوبيع- تعكس تعقيد الطبيعة البشرية وتعدد الرغبات، ما يمنح الرواية صدقا سرديا يتجاوز الحب العذري –أفلاطون بريء من فرضياته- إلى مساحة أكثر ثراء وواقعية.

تواترت المشاهد تباعا، بسرعات متباينة، مشهد والد ووالدة يائيل وخوفهما من تهور ابنتهما والذي يتمثل في هربها مع ميشيل، ثم اختلاء الأم بابنتها وإخبارها بمرض والدها، كل هذه الأحداث الطبيعية تزن الرواية بعيني اختصاصي نفسي، تحول العلاقة بين الشخصيات إلى تلاسن مدقق بين إثرة الحرية وسطوة البنوة، بين نزعة الرغبة والامتثال لقيودها أو التجرد من ثوبها المزري.

الشخصيات التالية: السيد “جيد” والست “ايفون” “ميشي” و”استيير” أميرة وزوجها “سعد” وابنتهما” نانا” “محمد خانكة” و”مروان” و”العم موريس” و”إليشيفا” و”إفرام” و”سلمي” جميعهم ليسوا شخصيات ثانوية، بل يشكلون أساس الرواية ونسيجها الداخلي، حضورهم بنسب متساوية أضفى على النص ثقلًا ومتانة، وحول كل ظهور عابر إلى لحظة ذات تأثير، أصبحت الرواية حية، متكاملة، وغنية بالتفاعلات الإنسانية، حتى عندما لا يكونون محور الحبكة المباشر.

ثم يحضر المشهد الـ “ماستر سين” الثاني في الرواية ألا وهو ظهور “صالح الجعفري ويائيل وميشيل” أمام لجنة  أميركانز جوت تالنت، التحام العاشقين يتحول إلى عرض للصراع النزَّاع للتناحر، حيث تتحدى شخصيتيهما القيود الأبوية المورثة جينيا ، متجاوزة تقييم اللجنة والعالم بأسره، هذا المشهد، بكونه متخيلا داخل النص، لا يهدف فقط إلى التحايل على رؤية العالم العوراء، بل يسلط الضوء على قدرة الراوي على خلق فضاءات سردية جديدة، يلتقي فيها الحب والخيال والتمرد على معايير الكوكب التقليدية.

الشيخ “محمد” والذي يسدل الستار على أحداث الرواية، ربما لم يأخذ حقه بالكامل بين السطور، لكن يكفينا أنه يظهر في النهاية كقوة قاهرة تنقذ الشخص الآخر رغم اختلاف العقائد، ليؤكد النص أن الإنسانية تتجاوز كل المعايير العقائدية، وأن الرحمة والضمير قادران على تخطي كل الانقسامات.

في النهاية تقدم رواية “يائيل وميشيل” تجربة سردية تغرد خارج السرب، حيث تتشابك الذهنية المتعاطفة والحس الإنساني مع صراع الواقع المجدب، ويصطدم الخيال مع القيود الاجتماعية والعقائدية؛ ليصنع المؤلف عالما حيا ومتشابكا. وأن صور الحب ليست مثالية كما نعتقد أو يتم إيهامنا بهذا، بل يختبر ويقاوم، وأن الواقع ولو رفض أن يلتقي بأرضه الحبيبان؛ فلنا في الخيال حبب  لن نفترق عنه دائما وأبدا، وأن النزعة الإنسانية لها دوما كلمة أخيرة ملغزة.

رواية “يائيل وميشيل” هى تجربة وجودية ممتدة تجمع بين الواقع والخيال، بين الفرد والمجتمع، بين الرغبة والحدود، الرواية هنا ليست نصا بقدر ما هي حوليات مكتوبة، مرافعة إنسانية تستحث الضمير البشري: أن انهض وغادر منطقة راحتك!

“أجمل ما في الوهم أنك لن تفعل معصية مادية، لن أضطر إلى زيارتك والاعتراف بذنب لم أرتكبه، في الوهم أو الحلم أيضا فإنك غير مضطر لتعلم لغة تجهلها، ولا الانتظار لأوقات بعينها لتفعل ما تشاء، كما أنك سترقص التانجو كما تشاهده في الأفلام الأمريكية، ستصنع الحياة التى تريدها”.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع