علي الدكروري
كان من المستحيل أن تلد امرأة نهرًا في ليلة مظلمة، حتى وإن كانت جميلة. وكان أيضًا من الصعب أن يشقّ النهر مجراه بين الرمال والرماة، ليقول لعابرة لم تجئ: أحبك.
القرية صغيرة جدًا، يعيش بها خمسة أغنياء، والباقون يعملون لديهم. لا الخمسة يتوادّون، ولا الباقون يتراحمون. المحبة تاهت في الطريق مرة، فمرّت من هناك وكسرت ساقها وهي تقفز الحفر، فقام النهر على رعايتها؛ فأحيانًا يخدمها أو يشتري لها ما تحتاجه من السوق والمحلات، حتى تعافت وغادرت، وهي تلعن اليوم الذي رأت فيه الناس الذين يعيشون في جزيرة الأرق.
وهو لم يستمر بعدها طويلًا، ولم يكن سهلًا أن يجمع حقائبه وينكمش حتى يصير نونًا، ويستقلّ دمعة واسعة ويغادر.
حطّ الرحال بجوار بحيرة جميلة، ووجد شيئًا ما يشده إليها، وحين تحادثا تقاربا أكثر، وشعر أن الله يعوّضه بها عن النشأة الأولى التي عانى منها في قرية الغضب.
وكما يدّعي أحيانًا أنه شاعر، يدّعي الناس أن اسمه علي. حين مال عليها أفضى لها بما يسميه هو القصائد التي ظنّ أنها تولد من أجلها، كلما تأوّهت أمواجه في الليل.
لا تصدّق أن رجلًا يمكن أن يطوف بالبلاد وهو يحمل الجرار بين الضلوع؛ هناك فقط غريب يشرب من زجاجة لا شرقية ولا غربية، كُتب عليها: الناجون: طوبى للغرباء. والحب لم يتكفّل يومًا بأشواق يتيمة، ورفض التوقيع على أي عقد يضمن فيه الدقّات. وعندما أشار عليه الهالكون ببناء منزل صغير من أجل اللهفة، ألقى الألواح وغادر غاضبًا.
عنّفتني الشيخة فادية بشدة لأن ثيابها ابتلّت حين جلست بجوارها، ثم غضبت أكثر لأن صوت الهدير أعلى من طرقات القِرَب.
وقالت: إن علامة القبول أن تقفز النساء في النهر ولا تبتلّ حروفهن، ولا تجفّ كلماته.
قلت لها: وهل تسير ساق على الماء؟
قالت: حين تصير قلبًا.
وأغلقت المواقيت.
لا أعرف لماذا أسير بمحاذاتها كل تلك السنوات، لعلّ هناك أسماء أخرى غير الحب لم ندركها، ولا أخبرنا بها السالكون. وهناك سراديب هاربة من لصوص المواويل وأدعياء القلق.
وهي تلك البنت التي ظلّت تحزن حتى صارت بحيرة، وظلّت تصفو حتى ولدت سحابة، وصارت لا تحتاج أحدًا، ورفضت أن تكون بحرًا لأنها لا تحب الرحيل.
لهذا صار عاديًا أن تجيد الشعر، وتزدحم السماء بالعصافير، وتطلق الأشجار فيغدو الغناء وطنًا، والانتظار جنودًا لا يسأمون.
ولا أي مرة أخبرها أنه يحبها، ولا أخبرته عيناها أنها تنتظر. فقط هو يبحث عن اليقين، وهي تتّسع كلما مرّ العمر وانتشرت الموسيقى.
الزحام لا يجعلك تتأمل وجوه العابرين ولا الدروب، والترقّب يشبه الولاية؛ كلما وصلت لا تجد إجابة لمن لا يسأل. والشيخة لا تحب الشعر مثلي، ولا تجيد الإنصات لقصة ما؛ هي تحتاج نظرة فقط لعينيك. وأيضًا لا تحب البوح، وعليك أن تقرأ وأنت مغمض العينين والشفتين.
لذا لم تدكني الدهشة لأني هربت من الجبال حين أخبرتني أنه يمكن للنهر الآن أن يسير على الماء، وتقول: يمكن لبحيرة أن تصير حمامة.
كل تلك الرحلة، ولم يبقَ معي من الزاد سواك. هكذا يفعلها العارفون يا عفت، ويفعلها الغرباء دائمًا يا غريبة.















