شوقي عبد الحميد يحيى
حين يموج العالم بالصراعات والحروب، التي تؤدي إلى دمار التاريخ ودمار الشعوب، وإشعال نار الفتنة والعداوة، فإن على المبدع أن يُشهر قلمه، ويعلن رفضه لكل تلك المجازر والدمار، وينادي بالسلام بين الشعوب وبعضها، وبين الشعب الواحد. لذا حملت المبدعة اللبنانية، حاملة إرث السابقين في التجول عبر الأراضي، لواء السلام ونبذ الحروب والاقتتال.
هذا ما قامت به المبدعة “لنا عبد الرحمن”، الروائية اللبنانية التي تزوجت وتعيش في القاهرة. فكانت تجربتها – رغم ما قد يكون وراءها من أسباب متنوعة – تجربة لا بد أنها تحمل في أعماقها هجرة الموطن الأصلي. فلا بد أن تثور الأسئلة حول ما يعانيه لبنان من صراعات لا تخفى على المتابع، والتي يأتي من بينها الحرب الأهلية، التي استمرت من عام 1975 إلى العام 1991، وكانت وراء هجرة الكثير من الكاتبات والكتاب اللبنانيين من لبنان، مثل: إلياس خوري، هدى بركات، رشيد الضعيف، حسن داود، علوية صبح، وجبور الدويهي، وغيرهم.
بل نستطيع القول إن لنا عبد الرحمن لم تستقر في القاهرة – وإن كان قد أصبح مركزها الرئيسي – حيث هي دائمة السفر، وكأنها تعيد فترة المهجر اللبناني الذي كان في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، من أمثال جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، والذين أنشؤوا مدرسة المهجر، خاصة في الأمريكتين.
ولا شك أن كثرة السفريات التي قامت بها لنا عبد الرحمن كان لها أثر كبير في تطوير الرواية عندها، حيث اعتمدت في أغلبها على الرواية الكلاسيكية، التي تقوم على أن الإنسان هو كل شيء في الكون، وما عداه لخدمته، بينما تشربت روح الرواية الجديدة، أو الرواية ما بعد الحداثية، في تجربتها الجديدة “سان دوني”. فلم تقدم موضوعًا متطورًا من البداية إلى النهاية، متصاعدًا أو متوازيًا أو متغيرًا في الترتيب الزمني، ولكنها تقدم أكثر من سؤال حيوي يشغل كل عربي، بل يعيشه كل عربي، لا يعرف طريقًا للتطور، حيث يعتبره أوائل العرب الذين نسير على نهجهم – اعتبروه – حرامًا مجرد التفكير في ذلك.
لذلك كان السؤال: لماذا تقدم الغرب، وظللنا على موقفنا عند الزمن الماضي؟ ولماذا أصبحت بلادنا العربية تمثل قوة طرد للبشر، وخاصة المبدعين الذين يمثلون عقل الأمة؟ ولماذا المبدعون هم الأكثرية، أو على الأقل هم من أقاموا مملكتهم في بلاد الغربة، ومن هناك ارتفعت أصواتهم، وعلت مطالبهم وأمنياتهم لأوطانهم؟
ولا أظن أن السؤال يبحث عن إجابة، حيث إن المثقف، أو المبدع عمومًا، هو الأكثر حساسية لظروف المجتمع، والساعي دومًا إلى الحياة المثالية التي يعيش فيها الإنسان حياة كريمة تليق بما أنشأه الله عليه من عزة وكرامة.
فها هي لنا عبد الرحمن تقدم أحدث رواياتها “ليالي سان دوني”، تلك الضاحية الباريسية، وفي قصر مهجور “لو شاتو” منها، جمعت عددًا من أبناء تلك البلاد التي تعاني من الاضطرابات الداخلية أو الأحكام الديكتاتورية، والذين هربوا من بلادهم، وكأنهم يهربون من الجحيم، ظانين أن البلاد الأخرى، وخاصة باريس، مدينة النور والجمال، وهم لا يدركون أن أصحاب الأرض لا ينامون عن أرضهم، فيظلون مطاردين، وكأنهم معلقون بين السماء والأرض.
تبدأ الكاتبة روايتها بتلك اللغة الشاعرية، التي تخبئ خلفها أكثر مما توحيه الكلمات الظاهرة:
{من بعيد، كانت عينان غريبتان تراقبان القصر في صمت، يختبئ صاحبهما بين ظلال أشجار السرو. “لو شاتو” الراقدة في قلب ضاحية سان دوني الباريسية بدا مثل لوحة سريالية حية، تحمل ندوب الزمن. جدرانه العالية تخفي حكايات من رحلوا، ونوافذه المكسورة تبدو مثل عيون نصف مغلقة تطل على عالم تخلى عنها. وفي الأرضيات حول القصر، نبتت أعشاب برية بجانب الأشجار السامقة، الحامية لأسرار عتيقة} ص5.
فإذا تأملنا هذه الكلمات، سنجد كيف تخبئ الكثير من المعاني خلفها. فنجد: {من بعيد كانت عينان غريبتان تراقبان القصر في صمت، يختبئ صاحبهما بين ظلال أشجار السرو}، حيث توحي الكلمات بالترقب، فالوقوف من (بعيد) و(عينان غريبتان تراقبان القصر) يوحي بالتلصص والترقب، وهو ما يعطي الإحساس بأن ساكني القصر تحت المراقبة والظن في تصرفاتهم وأقوالهم.
يُضاف إلى ذلك الاختباء، الذي يعني التخفي وراء شجر السرو، المعروف بأوراقه العريضة، وحمله للميكروبات التي تؤدي إلى موت الأغصان، فكأن الموت مخبأ خلف هذه الأشجار. وما يوحي بالانقباض والترقب والخوف، وكأن الكاتبة تضفي كل تلك المعاني على ساكني القصر، فنشعر من البداية أن ساكني القصر لا يشعرون بالأمان.
حتى إن هذا القصر، وذلك المشهد، يشبه اللوحة السريالية، التي تمثل ما ليس واقعيًا، وتعتمد على الخيال الذي يجنح دائمًا نحو الأخطر أو المتشائم. كما نجد أيضًا أن {نوافذه المكسورة تبدو مثل عيون نصف مغلقة}، فالنوافذ المكسورة توحي بالدمار وانعدام الأمان، وهي الصورة التي تزيد الإحساس بالترقب والخشية، ونصف العين يستخدمه الإنسان عندما يريد أن يدقق النظر.
ثم نأتي إلى {في الأرضيات حول القصر، نبتت أعشاب برية بجانب الأشجار السامقة}، فكأن الكاتبة هنا تضع ساكني القصر في وضعهم الطبيعي، حيث جاءوا من بلاد صحراوية ليعيشوا في ظلال الأشجار السامقة، حيث تجسد ما عليه هؤلاء البشر.
تحمي الجدران العتيقة تلك الأسرار العتيقة التي يخبئها سكان القصر، والتي راحت الرواية تتحدث عن معاناتهم، متقاطعة ومتوازية مع بعضها البعض، وكأن الكاتبة تضع صورة داخلية نفسية لهؤلاء البشر وحالتهم النفسية منذ البداية، دون أن تقولها مباشرة.
لتأتي في النهاية – نهاية الرواية – وتقول:
{يعم الصمت، سوى من صفير الريح وهي تمر بين أغصان الحور، كأنها تهمس لهم جميعًا: “ما من بيت يدوم.. ما من بيت يدوم”} ص257.
وكأنها تحدد مصير هؤلاء البشر، بعد أن أصبح عليهم ترك المكان، دون أن يكون لأحدهم مكان آخر يأوي إليه، ليصبحوا مطرودين من بلادهم الأصلية، وحتى من البلاد التي لجؤوا إليها. فتنحصر رؤية الرواية بين تلك الفقرات، وينحصر خطابها بين الضياع والشتات، حيث يعاني سكان تلك البلاد من تشرد نفسي أكثر منه تشردًا مكانيًا.
وإن كانت الكاتبة قد اختارت (فرنسا) و”لو شاتو” على وجه التحديد، حيث تمثل فرنسا الانفتاح على الفنون، واختارت شخوصًا يميلون إلى الفنون بأنواعها المختلفة، مثل ثلاثي السيرك المرح، ومثل يوسف – السارد – الموسيقي، ومثل “نايا” الرسامة والشاعرة، التي هربت إلى فرنسا:
{قدمت لي باريس الكثير مما كنت متعطشة له..} ص205.
والتي تعقد المقارنة، أو المواجهة، بين باريس والدول الشرق أوسطية حين تقول:
{وأنا حسمت أمري، لأنني لا أعرف ماذا يخبئ الغد؟ لا يهم.. المهم الآن، اليوم، أنا أحتاج إلى الأمان. أريد البقاء في باريس، مع إقامة شرعية، لا أريد أن أكون لاجئة، أو التفرغ لكتابة قصائدي من دون أن أكون مهددة بالرحيل} ص209.
كما أن اختيار المكان لم يكن عشوائيًا، وإنما اختارته الكاتبة للتشابه المضمر بين الصور والكلمات في تلك اللوحة التي تحمل هذا التشابه:
{كانت هناك لوحة واحدة تحتفظ بهالة من عظمتها السابقة، صورة القديس “سان دوني”، الملقب بالقديس مقطوع الرأس} ص31.
فإذا كانت لوحة القديس في “لو شاتو” مقطوعة الرأس، فإن البلاد التي أتى منها هؤلاء المهاجرون كانت أيضًا “مقطوعة الرأس”، فهي بلاد تتحكم فيها العاطفة أكثر مما يتحكم فيها العقل والمنطق.
ولكنها اختارت تلك المنطقة بالتحديد لكونها تحولت من منطقة صناعية سابقة إلى مدينة مكتظة ومتنوعة ثقافيًا، وتعد اليوم جزءًا أساسيًا من منطقة باريس الكبرى، وتنوع الثقافة في هذه المنطقة يُعد أرضًا خصبة لتعدد الثقافات التي وردت إليها من بقاع الأرض.
فمن فرنسا نفسها، إلى ليبيا ولبنان، والعراق، وأفانستان، فكلها ثقافات مختلفة، او روافد لثقافات مختلفة. وإن كان -فى تصورى- أنها اختارتها لكونها القرية الفرنسية التي أشعل فيها آية الله الخميني شرارة الثورة الإيرانية، فمنذ ما يقرب من 50 عامًا منذ أن سجل آية الله روح الله الخميني خطابات تدعو إلى ثورة إسلامية من منزل ريفي في قرية ثرية غرب باريس. فهى لا تعنى بالتحديد تلك الثورة، بأهدافها، وإنما تعنى الثورة عموما، وكأنها تدعو إلى الثورة على تلك الأوضاع التى جعلت من منطقة الشرق الأوسط منطقة طرد لأهلها، أو النظر إليهم على أنهم من تلك البلاد المتخلفة، والتى تريدها -الكاتبة- مثل فرنسا، فى الحريات، ومبادئ حقوق الإنسان. ولذلك أصبحت “لو شاتو” هى الملجأ. حيث يقول د.”ماثيو”{ هكذا وصلت إلى “لوشاتو”، المكان الذى تختلط فيه الأوراق والأرواح والفنون والطبقات والهويات، فى تداخل عجيب يصعب استيعابه بسهولة، كل شئ هنا متداخل، لكن فى عمقه، يحمل نوعا من الحرية والفوضى التى كنت أحتاجها بشدة}ص29. وهو الطبيب، الذى أثقلت الحروب كاهله، حيث يقول { لست إلا طبيبا منفيا من مهنته، أحمل فى راحتى خبرة أثقلتها أنفاس الحرب، وفى صدرى جرحا يرفض الإلتئام. فى “لو شاتو” حيث تتجمع أرواح مشردة تحت سقف ملطخ بالسواد….. أتساءل دوما: إن كنت أشفى الآخرين حقا فلم أنا خائف بهذا الشكل؟}ص213.
وحيث يوضح “ماثيو” -أحد شخوص الرواية-ذلك التزاحم على الهجرة يقول {مازن هو اول عربى تعرفت إليه، بعد وصولى باريس. كنت أقف فى طابور طويل أمام مبنى اللجوء، كى أتقدم بأوراقى لأصبح لاجئا شرعيا، ورغم وصولى فى السادسة صباحا، وجدت طابورا طويلا من العرب والأفارقة والأسيويين قد وصلوا قبلى . مرت ساعات طويلة، وانقضى النهار دون أن يحين دورى لتقديم الأوراق}ص95.
وما يزيد معاناة أؤلئك الهاربين من جحيم ما يعيشونه فى أرضهم، أنهم يحملون الإرث الثقافى الذى حملوه معهم فى تلك الغربة. حيث يبقى الحنين المؤرق فى الخلفية، ويخرج لتصيح، كما تقول “نايا”:
{لم يترك لى لبنان ذكريات مبهجة، لكن حبه ظل ينبض فى قلبى، ظللت أحب كل تفاصيل الحياة فى لبنان، روح الفرح والبهجة، فى البحر والجبل، فى الغناء ورقص الدبكة…}ص193.
فنجد أن “أبو الطيب” الباحث عن نظرية اللاعمل، يهرب من بلاده، ورؤيته لها على أنها {بلاد العبودية}، وإن كان هروبه من الأسرة- ظاهريا-، فلاحقته الأسرة الأوكرانية، فى الغربة (فى لو شاتو) {أن جاءت أسرتها- الزوجة- وانضمت إليه فى باريس، عقب الحرب فى أوكرانيا، إذ ستحصل على مساعدات من الدولة، كأم معيلة.. أما “أبو الطيب” فقد كان يحكى عن قرا الهجرة من المنزل، بسبب زوجته وحماته وطريقة حوارهما، التى تشبه الصراخ، يقول أنه يشعر بالاختناق من سماع اللغة الاكرانية فى المنزل طوال الوقت رغم أن زوجته تتقن العربية، غير أنها بعد وصول أمها وأبيها صارت تتكلم الأوكرانية، حتى أصبحت اللغة الرسمية داخل البيت، بين زوجته وذويها، وولديه، كان هو الغريب بين هذه القبيلة لانه الوحيد الذى لا يعرف سوى عدة كلمات من تلك اللغة}ص10، 11. وليصبح غريبا فى بيته من جديد.
ومن أفغانستان، تأتى “درصاف” التى تكشف عن الحياة فى أفغانستان، التى يحمل مجرد ذكر اسم البلد، حتى يأتى ذكر “طالبان” على الخاطر للمستمع على الفور. فتقوم المواجهة ببن بلادها وتلك التى أنتقلت إليها
{وأنا أتجول فى أحياء باريس الراقية، أشم رائحة :الكرواسون” الذهبى من المخابز، فأتذكر “النان” الساخن الذى كانت أمى تقسمه بيديها … لا أصدق أننى موجودة هنا، فى مدينة الحرية، أتخيل أحيانا أنى أحلم … كنت أعمل محررة باللغة الأنكليزية فى صحيفة “كابول الأسبوعية”، ودائمة البحث عن أى فرصة لأغادر أفغانستان، أدرك أن هذا الحلم يشبه مطاردة نجمة تعرف أنى لن أبلغها….. أحلم أن يأتينى رد يعدنى بالخلاص من هذا الجحيم}ص38. {منذ عودة طالبان إلى الحكم منذ عام 2021، اصبح محظورا على النساء الذهاب إلى كثير من الأماكن العامة، وهذا ضاعف من حاجتى لمغادرة كابول.. كنت فى الخامسة حين زال حكم طالبان عام 2001، حيث بدأت النساء يستعدن بعض حقوقهن من جديد.. طالبان ليس حكم فقط، إنه وجود كامل لعقليات كبرت وتحجرت على أفكار بعينها .. الأن، وأنا هنا فى قلب باريس، انظر من النافذة إلى الشارع، تمشى النساء بحرية لا أعرفها}ص40.
وكذلك كانت “عبير” القادمة من ليبيا مع بناتها نغم، مرام. والتى تعرض وجها جديدا للإنسان العربى فى ليبيا، تلك التى قامت فيها الثورة، بحجة إخراجها من الظلم والعبودية، فتزوجت من ضابط ينتمى للثورة، وظنت أنه يحبها، ولكنها اكتشفت أن لم يكن يحبها لذاتها، وإنما لأموال أبيها. فهربت من ليبيا إلى تونس إلى فرنسا.. لكن أمها التى سبق أن تخلت عنها، تصل إلى “لو شاتو”، هى الأخرى لم تستطع التخلص من إرثها الثقافة، فعندما ذهبت ابنتها من ورائها إلى أحد أفراد السيرك، كان { عقلها بعيدا، يرسم صورة نسيم، ذلك الشاب الصغير من ثلاثى السيرك، الذى كان يضحك دائما كأنه يخفى شيئا}ص221. فالعربى عندما يضحك يذكر الشيطان، وكأن الضحك من الشيطان، وليس من طبيعة الحياة، وكأنه مكتوب على الشرق اوسطى أن يظل فى عبوس دائم.
وأيضًا لم تغادر ليبيا للتفكير مثلما يفكر العربي: {أفكر في بناتي، ثلاث زهرات أحاول أن أزرعهن في أرض جديدة، أحميهن من رياح الغربة وأعاصير هذا الزمن. وددت تعليمهن الإيمان، وتهذيب سلوكهن، وتنمية مهاراتهن، لكنني أخفقت، ها هي النتيجة، “نغم” تآمرت مع نسيم ضدي أنا، أمها} ص134.
وعن نفسها تقول: {لا خجل من الاعتراف بحاجتي إلى يد تمتد إليّ… أحتاج لأن أملأ روحي بالعبادة، بالقرب من الله، بالفهم العميق لنفسي. أتذكر آية من سورة الكهف ظهرت لي يومًا في لحظة ضعف… أنا مجرد امرأة تحاول العثور على طريقها في غابة الغربة…} ص136.
ثم يأتي “مازن”، الذي يتعايش مع الحياة الجديدة، فيما يبدو أنه تناقض، لكنه يعبر عن المعايشة والمواجهة بين ما كان في بلاده وما هو في البلاد الجديدة، حيث ماتت أمه، ويوافق تحت إصرار أصدقائه على إقامة العزاء لها، فتمت بالفعل. وقام هو بما كان يقوم به صاحب العزاء في البلاد العربية، وبعدها دعاهم لزيارة برج إيفل، وهناك تناسى تمامًا ما كان فيه من عزاء: {كان مشهدًا يندر في باريس. لكن مازن كان متمسكًا بالقيام بكل طقوس العزاء التقليدية، كما لو أنه حضر جنازة والدته… في اليوم الرابع طلب مازن ممن كان حاضرًا معه مرافقته لزيارة برج إيفل، كان طلبًا غريبًا، لكنه أصر عليهم أن يذهبوا جميعًا في التو إلى هناك، وفي غضون لحظات تحول المشهد من حزن التعازي إلى لحظات كرنفالية مبهمة، ظنوا فيها جميعًا أن مازن لم يكن يريد أن يظل مغمورًا بالحزن} ص154.
ولم تكن فرنسا أو “لو شاتو” بأفضل مما تركه هؤلاء في بلادهم. عن هذا يتحدث يوسف ويحكي عن طريق الحلم، الذي يعكس ما يدور في داخل الإنسان في حياته المعاشة: {في تلك الليلة رأيت نفسي في الحلم بين امرأتين، لم أتبيَّن ملامحهما، كل منهما تمسكني من يد وتشدني إليها، ثم سمعت قهقهة طويلة لإحداهما وهي تترك يدي، وتسرع في الهروب. فكرت من منهما التي تتخلى عني بهذه الطريقة، ياسمين أم درصاف؟ كان حلمًا دراماتيكيًا، من تسخير عقلي اللاواعي}. وكأنه يحكي عن الصراع الداخلي الذي يعانيه، من تركه لبلده، كإمرأة أولى، وبين تلك التي يعيش فيها فرنسا، كأنها المرأة الثانية. ثم يذكر حالة التشابه بين البلدين: {على قناة “سي سي سي”، يتحدث سياسي متعصب من أصول عربية عن أعمال الشغب فقط، حادثة القتل قائلاً إنه يعرف العرب جيدًا، عليهم أن يكونوا ممتنين أكثر للدولة الفرنسية لأنها تأويهم. العرب العرب العرب، كيف يمكن النظر للعرب على أنهم شيء واحد! في الحقيقة هذه النظرة الموجودة هنا، العرب كلهم متشابهون، وهذا بعيد عن الحقيقة تمامًا. كنت أناقش مع مازن هذه الفكرة، لكن مازن يخذلني في كل نقاش} ص151.
ولكن للغربة شروطها، التي تقسم الوافدين إلى قسمين: قسم يحاول التقرب من تلك البلد التي لجأ إليها، ومنهم من يضمر أحاسيسه الخاصة ولا يحب الجهر بها. فيوضح يوسف أحد هذين النوعين: {لا يُنكر أنه من الفريق الذي لديه قدرة على التنصل من ماضيه، والانقلاب عليه، غالبًا يتحدث عن الواقع العربي بسلبية، وفي داخله يُحس بالدونية أمام الفرنسيين، ويحرص في كل حديث له على تأكيد أنه الرجل العربي المثقف والمتحرر، ومن دون أن يتهمه أحد يسارع لأن ينفي عن نفسه صفة المسلم الإرهابي، تلك الصورة التقليدية الشائعة في المجتمع الفرنسي} ص151.
ويحاول مازن (العمدة) أن يصل بالرواية إلى الرؤية الفلسفية والوجودية حين يبرر موقف البعض، وكيف تحكم الظروف عليهم: {أن أميز بين ما هو حقيقي وما هو زائف في حياتي. لكن الحقيقة تتداخل مع الوهم، والتظاهر يصبح جزءًا من الواقع، حد استحالة التمييز. كلما حاولت فهم نفسي أكثر، أدرك أن لدي عدة وجوه، وأنني أقوم بمجموعة من الأدوار. أنا لست إلا مزيجًا معقدًا من التناقضات. قد يكون الحل هو الاستمرار في طرح السؤال: من أنا؟ وتقبل أن الهوية ليست ثابتة بل متغيرة، تتشكل وتتحول مع كل تجربة وخبرة جديدة. ربما يكمن السر في الإيمان بأن التغيير جزء لا يتجزأ من الحياة، والسعي نحو المشي قدمًا نحو الأمثل هو ما يعطينا القوة لمواصلة الرحلة} ص158.
كما يواصل الرؤية الفلسفية: {ها أنا أعود إلى سؤالي الوجودي عن نفسي، من أنا؟ مازن اللاجئ السوري، العمدة/المدمن، المنقذ، القادم من الحكايات الخرافية، المحبط، المنتصر، المستغل والمُستَغل، وعليّ أن أحيط بكل شيء وأكون مفترسًا، سجّانًا، بعد أن كنت سجينا، أن أمتلك القوة للانقضاض على سجاني} ص168. وإذا كانت هذه رؤيته السياسية، فإن هناك أيضًا رؤيته العائلية، وإن كانت تعود به إلى ذات الرؤية السياسية، حيث تنعكس كل رؤى الحياة عند الإنسان للظروف السياسية التي تهيمن على كافة جوانب الحياة، خاصة في مجتمعاتنا الأبوية، فيعرف مازن نفسه بـ {أنا مازن، جني القارورة، ابن الثورة اللاجئ، الناجي، المثقف، المتاجر بالأحلام، الذي يحمل في قلبه ألم الفقدان وأمل البقاء، وفي نهاية المطاف، ربما تكون هذه الأوجه المتعددة هي ما تجعلني حقيقيًا، حتى وإن بدت الحياة كأنها سلسلة من الكهوف والصفقات} ص159، خاصة عندما يقرر {ربما تكون هذه الأوجه المتعددة هي ما تجعلني حقيقيًا}، وإن كنت شخصيًا أود حذف كلمة (ربما) ليحل محلها (وبالتأكيد).
ولم تكن تلك الرؤية السياسية، وإن كانت قضية مسلَّم بها، دخيلة على الرواية، التي ذكرت الكثير من التواريخ التي تؤكد واقعيتها وصدقها. وعلى سبيل المثال ما قاله “مازن” السوري: {كنت أفكر أنه لم يبقَ مني من ماضِي، كنت رجلاً وحيدًا، بلا وطن، ولا أهل، ولا حبيبة، فكرت ما قيمة الرجل بلا وطنه وأهله وحبيبته؟ لمن يكون انتصاره وفرحه من دونهم؟ وأنا… أنا… مازن، حملت هذا الاسم كما أراد لي أبي على اسم صديقه الذي رافقه في السجن، ثم مات تحت التعذيب، أما أبي فقد مات كمدا بعد خروجه من السجن بثلاثة أعوام في سنة 1989، كنت ابن سنتين حينها} ص161.
إذا عدنا إلى ويكيبيديا لنسأل عن سوريا في العام 1989 نجد:
حرب التحرير (1989-1990): صراع عسكري عنيف بدأ في آذار 1989 بين الجيش السوري وبعض الوحدات اللبنانية الموالية لعون، وقد تسبب بقصف مدفعي طويل الأمد على مناطق مختلفة.
اتفاق الطائف (أغسطس/آب 1989): التقى النواب اللبنانيون في السعودية وتوصلوا إلى اتفاق تمهيدي لإعادة تنظيم السلطة وإنهاء الحرب، وهو الاتفاق الذي رفضه عون.
التصعيد ضد عون: مع نهاية عام 1989، بدأت الأمور تتجه نحو حسم عسكري بضوء أخضر دولي، بعد أن أعلن عون رفضه للبرلمان والاتفاقيات.
حادثة “حرب الإخوة”: شهد تموز/يوليو 1989 اشتباكات دموية في الضاحية الجنوبية لبيروت استدعت تدخلاً سوريًا.
وهو الأمر الذي يؤكد أن الحروب الداخلية والتناطح على السلطة، من وراء عملية الهجرة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، وإن كان أغلبها غير شرعي، تقف في الخلفية وراء كل تلك الرؤى التي ارتأتها الكاتبة، ودرستها، وصنعت منها تلك الرواية التي انتهت بنهاية المزيد من الضياع والتشرد، حيث {وقف سكان “لو شاتو” في الفناء، أنفاسهم تُشكل في الهواء كتابة سرية، فقد كان عليهم جميعًا أن يجمعوا حاجياتهم ويرحلوا بسرعة عن القصر، وأن يتفرقوا من جديد، كل إلى سبيله، فيما ظلت العينان الغريبتان بين أشجار الحور. كيف انهار عالم “لو شاتو” في صباح واحد} ص266. فقد كانت “لو شاتو” في زمن مضى ملكًا لكونت فرنسي إسباني، قيل إنه فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة وفارق الحياة هناك. وقد صدر حكم قضائي بعودة القصر إلى الورثة.
وقد حرصت الكاتبة على التنوع في الأسباب الظاهرة للهجرة وتقطيعها إلى نقاط متباعدة لخلق نوع من التشويق والجذب للقارئ، كما لجأت إلى تنويع اللغة أيضًا. حيث سارت الرواية باللغة الفصيحة البسيطة، بينما لجأت إلى اللغة الدارجة أو العامية، مثلما تقول “نايا” لـ “عبير”: {لقد عشت مع الغجر سنين، وشفت سحرهم، ناس بتقدر تشوف ما هو مخفي عنا، رأى “لو شاتو” ملجأ لنا جميعًا} ص188.
وكذلك حرصت على أن يسكن جميع المهاجرين في “حجرة”، وكأنهم في فندق عابر يسكنه الأغراب لفترة، ثم يرحلون، فضلاً عن الإحساس بالغرفة من ضيق يكتم الأنفاس، وهو التعبير غير المرئي للدواخل النفسية لهؤلاء المطرودين من نعمة الأمان في بلادهم.
وقد عمدت الكاتبة إلى عنونة الفصول التي أخذت في التقاطعات والالتقاءات بكلمات، فيما أتصور، للدلالة على أن كل واحد وواحدة منهم، رغم تجميعهم جميعًا في مكان واحد، إلا أنهم ظلوا مستقلين، أو منكمشين على ذاتهم، فظلت حياتهم متفرقة، وتدعونا لأن يكون لكل منها حياتها الخاصة، لتصل رؤية الكاتبة لنا عبد الرحمن في مسيرتها الباحثة عن الإنسان العربي، وكيف أدت الحيوات الداخلية لتلك البلدان، متفرقة، رغم التشابه الكبير جدًا بينها جميعًا، خاصة في المجالات السياسية.
فيظل سؤال الرواية هو دورها، فيما تقول “نايا”: {كنت دائمًا أبحث عن المعنى في الفوضى. في كل لوحة أرسمها، أحاول أن أفهم نفسي، أن أجمع شتات هويتي الممزقة بين لبنان وفرنسا، بين الشرعية والنبذ، بين الحب والخسارة. أحيانًا أشعر أنني أخطو نحو الفنون كي أهرب من أسئلة لا إجابة لها: من أنا؟ هل أنا ابنة الزعيم حقًا؟ أم ابنة أمي؟ أم مجرد نايا، امرأة تحاول أن تجد مكانها في العالم؟ امرأة على حافة الأربعين، ولم تجد مكانها في العالم بعد؟} ص191.
لتظل لنا عبد الرحمن، مبدعة مهمومة بهموم أوطانها العربية والشرق أوسطية، حيث جمعت كل ذلك في أحدث إبداعاتها “ليالي سان داوني”.


















