محمد عبد الحافظ ناصف
لم يترك الروائي العالمي نجيب محفوظ الساحة خاوية حين رحل بجسده فقط لكنه ترك كوكبة مهمة جدًّا في فن الرواية، ترك لنا جيلاً كاملاً مكتملاً من الروائيين العرب والمصريين؛ جيلاً قادرًا على الحصول على جائزة نوبل كمًّا وكيفًا لو حسنت نوايا الغرب.
والروائي جمال الغيطاني واحد من هؤلاء الروائيين الذين يتصدرون المشهد الروائي المصري والعربي ويحتل مكانة عالمية جيدة بروايته الزيني بركات الفائزة بجائزة أفريقية كبيرة ومهمة وبفوز روايته “التجليات” بأحسن كتاب مترجم للفرنسية ۲۰۰۵، وذلك دون أن تقف بجواره مؤسسة ثقافية تسانده كما وقفت دول مع مبدعيها عالميًّا حتى يصلوا للعالم وحدث ذلك مع بابلو نيرودا عندما قررت شيلي دعمه على المستوى العالمي حين أرسلته دولته كسفير لبلاده في فرنسا وكذلك فعلت البرتغال مع “ساراماجو”.
الروائي جمال الغيطاني مولع بالشكل أو التجريب الذي يأتي في تصوري تلقائيًّا دون تعمد وأن موضوع العمل وفكرته هي التي تطرح ذلك، ونستطيع أن نرصد ذلك منذ مجموعته الأولى أوراق “شاب عاش من ألف عام” التي انتزعت صرخات الروائي الراحل عبد الفتاح الجمل في صالة تحرير جريدة المساء ووقوفًا أمام روايته “الزيني بركات” التي ترجمت إلى عدة لغات وكانت من أوائل الروايات المترجمة للفرنسية، وسوف أتناول التجريب في الروايتين الأخيرتين وهما “نوافذ النوافذ” الصادرة عن دار الهلال ۲۰۰٤ ورواية “نثار المحو” الصادرة عن دار الشروق ۲۰۰۵ .
* أولا: دفاتر التدوين تجريب في السيرة:
دفاتر التدوين خمس روايات؛ كل دفتر فيها له خاصية معينة وشكل مختلف عن الدفاتر الأخرى ونوافذ النوافذ هي الدفتر الرابع من خماسية دفاتر التدوين التي تكونت من “خلسات الكرى” و”دنا فتدلى” و”رشحات الحمرا” و”نوافذ النوافذ” و”نثار المحو” وعنوان الرواية يدعو القارئ مباشرة للتأمل والتساؤل في الوقت نفسه.. تُرى ماذا يقصد الروائي جمال الغيطاني ويحاول أن يفسره وكأن كل نافذة لها نافذة أخرى موصلة لشيء آخر ولعالم آخر سيدعوك بالتأكيد للدهشة.
وكأن تلك النافذة هي سرداب سحري للدهشة، فنافذة البطل هنا هي الرغبة، أو حب الظهور، أو السفر، أو الحياة، ويعنون الروائي فصول الرواية بعناوين سبعة تسهم بشكل كبير ومهم لمعرفة حقيقة الولوج من تلك النافذة إلى العالم. ففي الفصل الأول المسمى بـ “نوافذ أولى” نجد في براءة حياة الراوي صغيرًا والنافذة الأولى التي بدأ يطل منها على الحياة والتي أثرت فيه بشكل كبير بعد ذلك ويبدأ أولى النوافذ بتاريخ مهم جدًّا، غاية في الأهمية لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وهو عام ٤٨ وهو ينظر لأول غارة لسلاح الجو الإسرائيلي المعادي وقتها والذي سمي بعد ذلك بالذراع الطويلة التي لم تقطع إلا مرة واحدة في ٧٣ ونبتت بعد ذلك كأنها نبات شيطاني، هذه الذراع الطويلة هي التي هدمت لبنان عام ٢٠٠٦ رغم المقاومة الباسلة من حزب الله في الجنوب. والجميل أن تلك النافذة كانت تفتح على نافذة أخرى حين كان يعمل الراوي مراسلاً حربيًّا لجريدته في حرب أكتوبر والثانية تفتح على نافذة ثالثة، حين تم نقله إلى محافظة المنيا وكان شاهدًا لجريمة قتل لم يستطع أن يفعل شيئًا حين رآها بل جمد في مكانه دون أدنى حركة وإلا سيموت.
يقول الكاتب في “جمدت في مكاني، حرصت ألا أتحرك وألا يبدو مني صوت ينم على مكاني، ثلاثة يقتربون من الترعة، قامة أحدهم تشبه عبد المقصود وكان بينهم ما يشبه الجوال[2]“.
ويشعر القارئ أن تلك العناوين أحداث كبرى تحرك شخصية الراوي داخلها وتتجمع حولها أحداث فرعية كثيرة تسهم في تشكيل الرؤية العامة للعنوان، ويجد القارئ أن هناك ثمة علاقات مهمة بين العناوين السبعة والرقم سبعة في حد ذاته يأخذنا إلى أشياء كثيرة منها السماوات والأرضين وأيام الأسبوع ودلالاتها المختلفة.
أما الراوي داخل هذه الرواية وداخل الروايات الخمس التي تشكل حلقة دفاتر التدوين هو الحدث الأكبر في حد ذاته ورغم أن الرواية – في تصوري – تتماس بعض أحداث في حياة الكاتب نفسه ولكن تلك الأحداث تشكل الحدث العام المرتبط بالمجتمع كله كحدث أول غارة جوية إسرائيلية يراها الطفل وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعالم العربي كله؛ لذا فالراوي هو الحدث الأهم الذي تتمحور حوله الرواية، فحياة الراوي وانتقاله من نافذة لأخرى هو الحدث الجديد في حد ذاته ونجد أن تلك الرؤية قد تتماس مع رواية السيرة الذاتية ولكن الفرق المهم جدًّا أن الغيطاني يكتب ليربط كل الأحداث التي حوله بذات الراوي أو يربط ذات الراوي بما يدور حوله من أحداث مهمة، وسوف يجد القارئ بعض الأحداث خارج سياق السيرة وبعيدة عنها وتلك هي المرونة التي خلقها الكاتب لنفسه ومن أكثر النوافذ خروجًا على ذلك “نافذة الرغبة”[3].
– قالت أمي: إن التاجر ينام معها فوق السطح
– قال أبي: إنه فجر بنات مصر
– قالت أمي: لكنها بنت بنوت
أعتقد أن الرؤية هنا هي رؤية عائلة صعيدية مصرية وهي رؤية عامة دون سابق خبرة بالحياة في القاهرة ورغم تشابه بعض المواقف فإن رد الفعل مختلف فالراوي الذي يرى من النافذة الأعلى في القاهرة كل ما في النوافذ يقوم بفعل مختلف في باريس، حين يهرع إلى النافذة كي يغلقها حين خلعت المرأة التي معه في الحجرة قميصها.. لكنها قالت له:
– لا أحد يتطلع الى أحد منا[4]. فتؤكد المرأة أن النافذة هنا – في باريس – لها دور آخر، دور مختلف عما يفعل البعض هنا، فالنافذة ليست للتلصص أو اقتحام حيوات الآخرين ودور النافذة لدى الراوي هو دور يؤدي إلى معرفة أو كشف[5].
كل نافذة مؤدية بالضرورة إما إلى معرفة أو كشف كل نافذة اتصال تجاوز عما نعرفه إلى ما نجهله وفي نافذة السفر نجد أنها فتحت من قبل في نوافذ عديدة، ونجد اعتقال الراوي من أهم وأصعب تلك الرحلات وقد ربط الراوي تلك الرحلة برحلته إلى وارسو من حيث التهمة التي اتهم بها وهي تهمة الشيوعية التي كانت سائدة في هذا الوقت وجاء السفر في نوافذ أخرى كنافذة “الرغبة” وتلك الرؤية الدائرية في الكتابة التي توجد على مستوى الجزء أو الفصل وأيضًا على مستوى الكل، فتستطيع أن تدخل الرواية من أي نافذة شئت ورغم أن تجربة السجن كانت بشعة فإنها لم تكن ذا بال .. “ومن ذلك دهشتي لأنني لم أرَ أي عنصر يمت إلى أيام سجني في أحلامي، وهذا ما أثق فيه، غير أنني أعي لحظات عديدة، بعضها عابر وبعضها يقيم مقدارًا من الوقت ثم ينزوي..”.
وفي نافذة “الظهور” يختار الراوي لحظة تاريخية مهمة تجمع الماضي والحاضر وتعلق الأمل في مستقبل جديد وهي لحظة وقوف الرئيس جمال عبد الناصر وشكري القوتلي في نافذة قصر عابدين لإعلان الجمهورية العربية المتحدة تلك اللحظة التي تبددت أحلامها في فترة قصيرة حين حلت الوحدة وتلاشى الأمل الذي طالما حلمت به الشعوب منذ سنوات بعيدة وما زالت تحكم به حتى الآن ويذهب الراوي مرة أخرى الى نفس الشرفة بعد أن مر وقت طويل وينظر من نفس الشرفة من قصر عابدين لكن المشاعر بالطبع كانت مختلفة.
وفي نافذة “الروح” نجد أنفسنا نتوقف رغمًا عنا عند فقرة معينة[6]، والراوي يتحدث عن نافذة الفندق فيقول عنها: “نافذة الفندق مثل البغي، مباحة لطلة من يقيم وطبيعة المكث في مقار الإقامة، إنها مؤقتة مهما طالت.. لنوافذ البيوت حضور مغاير، إنها أخص.. إنها نافذة مثل الأنثى التي لم تعرف إلا زوجًا واحدًا أو عشيقًا محددًا بعينه.
في النهاية نكتشف أننا نرى العالم من خلال نوافذ عيون الراوي التي تبحلق جيدًا كي ترى وتستشف وتكتشف لنا العالم من خلال عالمها الخاص الذي يرى ويدهش ويتعجب ويستنكر ويتفق ويختلف حول جمال العالم وقبحه.
ثانيًا: رواية عصف الذهن:
برواية نثار المحور الصادرة عن دار الشروق تكتمل خماسية الراوي الكبير جمال الغيطاني لدفاتر التدوين والكاتب بهذه الدفاتر الروايات – يشق لنفسه طريقًا جديدًا في شكل الرواية العربية الحديثة باستخدام الدفاتر التي تنتمي اسمًا إلى التراث الفارسي الذي كان جزءًا من التراث العربي بداية من الدولة العباسية وقد اعتمدت الأجزاء السابقة أساسًا في تصوري – على رواية السيرة الذاتية للكاتب autobiography في أسلوبها وتقنيتها، حيث كان البطل المحوري يقترب كثيرًا من شخصية المؤلف في أماكن كثيرة ويتطابق أحيانًا مع المؤلف جمال الغيطاني نفسه، أما هذا الجزء الخامس نثار المحور فقد “اعتمد على شيء آخر إضافة إلى التقنية السابقة وهذا الشيء يطلق عليه عصف الذهن ويستخدم هذا المصطلح كتقنية ووسيلة لتعلم اللغات الأجنبية ويبدأ هذا العصف من حدث رئيسي أو تذكر شيء تتداعى بسببه أحداث كثيرة أخرى، وأعتقد أن عصف الذهن يحدث بشكل جيد ورائع مع رواية السيرة، فحين يحدث شيء تحدث أشياء أخرى، وكأن هذا الحدث مثير لأحداث أخرى، فالذهن لا يلتزم بمنطق أحداث معينة إلا إذا أجبر على ذلك، ولكن مع العصف لا يسير الروائي وراء تسلسل تقليدي للأحداث من بداية ووسط وختام، ولكن الحدث الرئيسي المركزي في الرواية يؤدي إلى تذكر أحداث أخرى متناثرة ولذا أجد أن الروائي جاء موفقًا تمامًا في عنوان روايته “نثار المحو”.
بدأت رواية “نثار المحو” بحدث رئيسي مركزي وهو خروج الراوي البطل إلى المعاش يوم ۹ مايو[7] “الخروج” إلى النهار الإحالة الى المعاش.. ربما أيا كانت التعابير، ليس ذلك إلا تعبير عن انقضاء حياة، بدء وقت مغاير تكون فيه الاستعادة أكثر من التوقع، أحفظ العبارة الدالة كما وردت في الكتاب المقدس “بالأمس أنجزت حياتي واليوم أخرج إلى “النهار” تلك اللحظة الفارقة في حياته هي التي جعلته يفكر وجعلت ذهنه يعصف عددًا لا حصر له من لحظات العمر الماضية، وبدأ من التساؤل المهم الذي طرحه الروائي:
التساؤل …
– امبارح راح فين؟
ويؤدي ذلك إلى تساؤل آخر مهم، وأكثر وجعًا للقلب.
– هل نولد أم نموت؟
– أم نموت لنولد؟
وتتوالى عملية عصف الذهن في كل ما يمر به الراوي، صغيرًا وشابًّا وشيخًا يستحضر الذهن العاصف للوجوه والملامح والأماكن والأزمنة، اللحظات الكبيرة والصغيرة التي تشكل في النهاية العمل الروائي كله، ويختم الروائي روايته نثار المحو بتساؤل أخير كان لا بد أن يطرحه كي تكتمل دائرية الرواية وتطبق الفكرة بمثالية.. أميل محدقًا في المرآة، تلك ملامحي أتقنها، أتعرف عليها، هذه آثار أشواقي، خوضي اللجج، هزائمي، بصيص آمالي، شدائد توقي، قلة حيلي، ركض صبواتي، جهات حنيني، يطالعني هذا كله عبر صورتي.. فمن يرى من؟ ونرى أن الرواية اعتمدت على حدث مركزي كما أسلفت، أرى أن عصف كل هذا النثار داخل الرواية وفي نهاية الأمر يجمع شتات كل هذا النثار في هذا التساؤل – لماذا الحرص على صورة لن تصل إليك؟
المهم.. من يرى من[8]؟
وللمكان عند الغيطاني عشق خاص، خاصة حي الجمالية الذي أعتبره المركز الذي يثير هو الآخر الحنين لدى رؤية أي مكان لدى الغيطاني وأشعر أحيانًا أن أصداء الجمالية توجد في كثير من الأماكن ونجد فلسفة عشق المكان تتجلى واضحة على لسان رجل أجنبي طلب أن يصوره لكنه لم يسع للحصول على الصورة، سأله الراوي..
قال النحيل المتطلع صوب ما يصعب تحديده: نحن في اللامكان ونريد أن نوجد في صورة، لقطة للحظة ماضية، ليس مهما أن تصلنا، ليس مهما أن ترسلها إلينا.
المهم أن توجد في صورة في مكان ما، ويربط الغيطاني جيدًا بين شيء ما وشخص ما ومكان ما، فلا نستطيع أن نفرق بين الشيء والمكان وكأن كلا منهما ارتبط بالآخر.
وينقل الروائي إحساسه بتلك العلاقة في سلاسة ويسر يقول: “الشطائر المستطيلة التي لها طعم خاص خاصة حين تؤكل مع البيض المسلوق والباذنجان المخلل وبين ميدان العتبة”. وحدد ذلك أيضًا بزمن مرتبط بالمساء.
يمتلك الغيطاني رؤية بصرية نافذة تشعر القارئ أنه أمام فنان تشكيلي يجيد تمامًا وصف الجسد؛ جسد الأماكن وجسد البشر خاصة المرأة في أوضاعها كافة، وسوف تجد صورًا تشكيلية مختلفة للمرأة المصرية خاصة والمرأة بصفة عامة وللمرأة الجدعة صاحبة الجسد الشعبي الممشوق بفعل العرق والجهد والعمل المتواصل طوال النهار، والاهتمام الخاص مثل أم خيرية، سعدية، فريال، أم سعد، ونجوى وغيرهن. فالروائي يبدأ نثارة “سعدية” بكلمة تشكيلية تمامًا “منحوتة” ملامحها محددة، قادمة من بعد سحيق، تحيل إلى تمثال مصري قديم لم يكتشف بعد، ما زال مختفيًا في حيز ما. فجسد المرأة يحمل كل تراث هذا البلد من وجهة نظره، بداية من الفراعنة حتى الآن، فهذا الجسد يمثل ثقافة أمه كلها.
ويقول في نثاره عطية[9]: عطية الفارهة، البضة، التي لم أرها ترتدي الجلباب إلا على لحم جسدها مباشرة مفصحة عن تضاريسها كافة.
ويقول عن أم خيرية[10]: مجرد فتحها الباب أطالعها بجسدها الشاهي، وشعرها الغزير بدون منديل أو عصابة يتدلى منحدرًا على ظهرها بعض جدائله إلى الأمام، وجلباب قصير بلا أكمام، منحنيًا على كتفيها المنزلقتين في رحابة سخية”. ويعبر عن حالة التناثر التي حدثت له حين رأى امرأة في وضع جسدي غير عادي[11]، “هذا الاستسلام المبين أدى إلى تناثر همتي فانكفأت على هضبتيها مقبلاً، غير قادر على أي إقدام.
والسؤال الآن الذي يأتي به ذهن القارئ بعد تلك الحالة الجديدة من الشكل الروائي: ترى ما شكل الرواية القادمة للروائي جمال الغيطاني؟
طرح الرواية:
لا شك أن الشكل حول أعمال “دفاتر التدوين” للغيطاني هو الذي حركني للكتابة عنه؛ فتلك كتابة جديدة بموضوعات جديدة غير مطروقة من قبل أعطت لتجربة الروائي جمال الغيطاني زخمًا وروحًا جديدة؛ لذا كان يجب الدخول لعالم تلك الأعمال من خلال التفكير في بُعد التجريب الذي كان سمة أساسية، فلن نستطيع أن ندخل له كما كنا ندخل من خلال النظرية التاريخية ولن يكون هناك أفضل من الدخول من خلال البحث في رواية السيرة الذاتية حتى نحقق التعمق في دراسة الحالة.
……………….
[1] دفاتر التدوين: جمال الغيطاني، دار الشروق، الطبعة الأولى، 2008.
[2] ص 31.
[3] ص50.
[4] ص ٦٨.
[5] ص70.
[6] ص120.
[7] ص10.
[8] ص397.
[9] ص 116.
[10] ص12.
[11] ص161.

















