البحث خلف .. “قناع بلون السماء”.. عن الهوية

قناع بلون السماء
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

شوقى عبد الحميد يحيى

         بعد ما حدث فى العام 1967، واحتلال الأجزاء التى كانت تشرف عليها كل من مصر والأردن، وتمددت إسرائيل فى احتلال الأرض الفلسطينية. وما حدث بعدها فى العام 1973، واسترداد مصر لأراضيها فى سيناء، دون الأراضى الفلسطينية، التى وقف فيها الجهاد الفلسطينى موقف الرفض لما عُرض عليهم من مفاوضات، أصبح الأمر بالنسبة لهم، بعيد المنال فى استرداد أرضهم من المحتل الإسرائيلى. أصابهم اليأس، حتى وصل بالكاتبة الفلسطينية سحر خليفة أن تقول { حزيران أتانا بجرافات لها أشداق جهنمية، تلتهم الأرض والصخر والشجر والبشر. وامتدت شكوناتهم كحقول الفطر والرملة في عز الحرب}[1]ص26. حيث تبدد الأمل، ووصل بالكاتب الفلسطينى المعروف غسان كنفانى، أن يجعل الإبن الفلسطينى، يتطوع للعمل فى الجيش الإسرائيلى، ملقيا باللوم على الآباء الذين فرطوا فى الحق الفلسطينى فى روايته “عائد إلى يافا”، فيقول الإبن لأبيه {كان يمكن لذلك كله ألا يحدث لو تصرفتم كما يتعين علي الرجل المتحضر الواعي أن يتصرف.  كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا. وإذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير. وإذا كان هذا أيضا مستحيلا فقد كان عليكم ألا تكفوا عن محاولة العودة.. لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا. أيوجد سبب أكثر قوة؟ عاجزون! عاجزون!}. ولتأتى الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب فى روايتها وقد زادت عليه بأن الأجيال القادمة (قد باعت القضية)[2]. الأمر الذى أوحى بأن القضية قد ماتت. إلا أنه فى العام 2021، كان للأسير الفلسطينى، المحتجز فى السجون الإسرايلية منذ العام 2004، باسم خندقجى، وفى روايته الرابعة “قناع بلون السماء”[3] رأى آخر، حيث يرى أن المقاومة الصريحة، هى الحل، وهى المستقبل. تلك الرواية التى أعلنت جائزة البوكر العربية فوزها للعام 2024. وليصبح هو الفلسطينى الثانى الذى يحصل على هذه الجائزة، الكاتب بعد الكاتب ربيع المدهون فى العام 2016. مما أثار بعض الاعتراضات على منظمى الجائزة. وإن كنت لا أتفق مع تلك الاعتراضات، لأسباب أهمها، سخونة الأوضاع فى الأرض المحتلة، وما يتعرض له الشعب الفلسطينى من عمليات تشبه إلى حد كبير، تلك التى حدثت فى العام 1948 من عمليات تهجير قسرى للسكان والتوسع فى عمليات الاستيطان بصورة أكبر، الأمر الذى يستفر الهمم، وتعلو ابواق الصحيان، للزود عن الأرض. فضلا أن الرواية المكتوبة قبل يوم السابع من أكتوبر، والتى قامت بها حماس فى الأرض المحتلة، وكأن الكاتب كان يتنبأ بما سيحدث، تصديقا لما أكدناه من قبل، وهو أن الرواية هى المؤرخ الحقيقى للشعوب، وأنها، هى النبض الحقيقى لحركة الشارع. وإذا كان ما يحدث الآن فى فلسطين، تعلن الأمم المتحدة ممثلة فى أحد فروعها، وهى “اليونيسكو” ”  منح جائزة حرية الصحافة لصحفىى فلسطين، حيث يعلن رئيس لجنة التحكيم بأنها :”رسالة تضامن قوية فى هذه الأوقات المظلمة”، وكأننا أمام تعويض عن فشل ذات المنظمة فى إدانة، ووقف الظلم عن الشعب المُهان، بحماية من الدول الكبرى. ألا ياتى التكريم – ولو معنويا- من العرب أنفسهم ممثلين فى جائزة البوكر؟. وإن كان هذا لا ينفى عن الرواية ما تستحقه من إشادة، ومن رسالة، ومن تنبؤ مُسبق، وكأنها زرقاء اليمامة، واستشراف للمستقبل. فضلا عن التقنيات الفنية التى كانت وراء اختيار الرواية من قبل لجنة التحكيم، إضافة إلى كون الكاتب خلف أسوار سجون الاعتقال. فكيف سارت الرواية من الناحية الفنية؟.

يتفق باسم خندقجى مع كل من غسان كنفانى وحزامة حبايب فى تحميل الأباء مسئولية ما يحدث، فقد نشأ “نور الشهدى” لأب كان معتقلا، وبعد أن أُفرج عنه، التزم الصمت، وكأنهم فى المعتقل قد أرغموه على ابتلاع لسانه. ولم يرَ نور أباه يهدر ويعلو صوته، إلا حين ذهب بابنه إلى المدرسة، بعد علمه بأن بعض التلاميذ عايروه بشعره الطويل، فلجأ الصغير إلى قص شعره، وفى المدرسة راح أبوه يهدد ويتوعد، وكأننا أمام العربى الذى يعلو صوته، وتهيج حماسته، فقط على أخيه العربى، أما أمام المحتل، فهو صامت لا يتكلم. ويرث الأبن الصمت عن أبيه، فوجد فى البعثة الأثرية مخرجا ، حيث كانت تلك الحياة حلم نور لعله يفر من أجواء البيت وظل أبيه ومآسيه، فكانت الصدفة وحدها هى التى ساقته لأن يعثر فى أحد الجيوب الداخلية، لمعطف اشتراه من السوق، على بطاقة هوية باسم “أور.. أور شابيرا، اليهودى، ففكر لما لا يستغل شكله الاشكنازى (يهود الشتات)، خاصة أنه يفكر فى كتابة رواية عن المجدلية. وبالفعل يتم تزوير الصورة، ويصبح “أور شابيرا” هو الجانب الباطنى، لنور الشهدى، وينجح فى الإلتحاق ببعثة يهودية تبحث عن الأثار فى إسرائيل، وخوفا من أن يظن صديقه “مراد”، والمرسِل إليه خطاباته، حول تلك العملية فيطمئنه بادئا تلك اللعبة التى يخبئها “باسم خندفجى” خلف الرواية{اطمئن يا مراد.. اطمئن ..فأنا لم أزل أنا نور، بيد أننى نور الجوانى.. وأما أور البرانى.. أنا الباطن وهو الظاهر.. الباطن يتجلى والظاهر يُحجب}ص87.

وقد وفق الكاتب فى أن جعل “أور شابيرا” باحث فى الآثار، ليصبح الأمر منطقيا حين يبحث فى أعماق الأرض، أو فى أعماق التاريخ، كى يجمع المعلومات حول الشخصية الرئيسية لروايته (الضمنية) التى يزعم كتابتها حول المجدلة، ردا على رواية “شيفرة دافنشى” لدان براون، التى صور فيها المجدلية على أنها إمرأة ليل، فى الوقت الذى يراها هو غير ذلك، مستعينا بالقواميس والتاريخ، ولهذا فإنها الرؤى المختلفة، بل والمتناقضة، فهى تحمل من الصفات ما يسعى إليه فى روايته التى يزعم أنه يحضر لها {وبالتالى فإن المجدلية هى الحضور المتناقض فى الحياة، الحضور الثنائى للخير والشر.. للتوبة والخطيئة.. للملاك والشيطان }ص55. وتقول المراجع، التى تعود لقرون مضت {وإذا ما قمت أنا بمقارنة هذا النص  مع نص القُبل التى كان يُقبلها يسوع للمجدلية أمام تذمر التلاميذ من هذه الحظوة، ساجد أن حميمية الطقس الأستسرارى  لم تكن بين رجلين، بل بين رجل كبصيرة وامرأة كمعرفة.. كصوفيا، ليتجليا معا متوحدين فى كلمة الغنوص النورانية}ص126. فإذا ما عدنا إلى معنى “الغنوص” فسنجدها أيضا تحمل الازدواجية، فهى تعنى الاعتقاد بأن البشر يحتوون على نصيب من الله – (الخير الأسمى أو الشرارة الإلهية) – داخل أنفسهم.  لذا يخبر “نور” صديقه مرراد بأن {مستوطنة مجدو  يا مراد هى مرادى الآن.. هناك المجدلية تنادينى منتظرة.. فكيف الوصول إليها والطريق مفخخ بكاميرات المراقبة ومغتصبى التاريخ والأسلاك الشائكة وعدد عدد؟!}ص183. إذن، إذا كان دان براون ينظر للمجدلية على أنها زانية، فالكاتب هنا ينظر إليها برؤية صوفية. لتصبح الرؤيتان متقابلتنان، زمن هنا كان اختيار الكاتب للمجلية كموضوع لروايته المستقبلية، والتى يحضر لكتابتها.

ذلك التقابل الذى نراه فى إزدواجية السارد ذاته، والذى يتعامل مع صديقه على أنه “نور”، بينما يتعامل مع الإسرائيليين على أنه “أور”. على أن صراعا –دائما – ينشب بين “نور” و “أور” ليخرج إلى حيز الوجود السمعى والمؤثر، والذى يعكس الرؤية الباطنية له ك”نور” والرؤية الخارجية له ك”أور”. فنرى “نور يتحدث عن شعوره حين تلبس اسم “أور”وكأنه قد عثر على ما يجعله غير ما هو عليه { وأنا عثرت على قناع واسم لأتسلل من خلالهما إلى أعماق العالم الكولونيالى(الاستعمارى).. .. شابيرا.. اور شابيرا .. مثل بوند.. جيمس بونجد .. إذا اشعر أثناء تجوالى فى شوارع وميادين تل أبيب والقدس الغربية أن ملامحى الأشكنازية المكللة بهذا الاسم .. اشعر أننى بطل خارق متنكر بزى معين لكى يخفى ملامحه الحقيقية مثل باتمان…. لكننى لا أشعر بأننى خارق أو بطل.. أشعر فقط بالملاحقة .. بالخوف.. بالضعف .. بالالتباس .. بالتناقض .. كل هذا ما يجعلنى أعتقد للحظة بمعجزة ما قد تخلصنى من كل ما أنا فيه  من عجز… معجزة خارقة تجعلنى بطل أحلامى أنا ولا أحد سواى}ص56. فالشعور الداخلى لنور إذن هو الدونية، فضلا عن الجملة الأخيرة { أحلامى أنا ولا أحد سواى}. والتى تجعل الخلاص (الفردى) هو مسعاه الأساسي. لا للخلاص الجمعى، تخلصا من صمته المعهود، صمته المجنون الذى تدرب عليه منذ نعومة أظفاره فى طيات أسرة بائسة تحترف الصمت الذى ورثه منذ الطفولة، التى لم يترعرع فيها، وإنما ولد فيها، فهو{ المفجوع والمكلوم والكاتم والمكتوم والتائه والمغترب الذى يولد جاهزا مجهزا بكل عتاد البؤس المتاح وغير المتاح فى هذه الأزقة، فما الحاجة إلى الأسماء إذن؟}ص15.         

كما يمكن التعرف على المقابلة أيضا، ولكنها هنا بين فلسطين العربية، وفلسطين الإسرائيلية، حيث استجاب نور لدعوة ديفيد آدامز أستاذه المشرف عليه، بالانضمام إليهم فى جولة استجمام وسياحة فى أنحاء المستوطنة االتاريخية، ليسأله الأستاذ:

{قل بحق السماء، لماذا وافقت على هذه الجولة الكيبوتسية؟

-أريد أن أتعرف على نواتكم الأساسية التى أنتجت لكم دولة

-ألم تسأم بعد من التعرف.. انظر حولك كل شئ واضح.. ليس الأمر بالمعجزة.

-الوضوح التام مخيف.. لأنه يخفى فى سطوعه الظلام.

-نحن نور لكم.. نور الأغيار.. جئنا إلى هذه الأرض  لنصلح خرابها.. هل تعلم أن هذا الكيبوتس وأراضيه الشاسعة كانت مستنقعات للأوبئة والأوساخ؟

– المستنقعات أبهى من المستوطنات.

– متخلف … بدائى.. حاقد}ص204.

لنلحظ هنا الاعتراف الضمنى من “أور” بما كانت عليه الأرض من مستنقعات { المستنقعات أبهى من المستوطنات}. كما نجد أن الرواية أيضا تتحدث عن أن الأرض أو البيوت القديمة قد تحولت إلى أشجار وخضرة. الأمر الذى يعكس التفوق الإسرايلى الاحتلالى، على التدنى العربى، صاحب الأرض. حيث نجح الكاتب فى تصوير شخصية “نور” المتناقضة، أو المريضة نفسيا.

إلا أن تحولا تم فى شخصية “نور” الفلسطينى، عندما كان التعارف فى بداية البعثة الآثارية، عندما سمع اسم “سماء” من حيفا. ليستيقظ بأعماقه ذلك الحنين للعربية، فيشعر بميل نحوها، حتى أنه يصفها لصديقه “مراد” {مراد .. هل قلت لك: ماذا يشبه وجه سماء إسماعيل فى لحظات الصباح الأولى؟ .. إنه يشبه سدرة المنتهى.. لا بل صباح العيد.. عيد الطفولة البعيدة}ص188.

غير أن “إيالا” الصهيونية، وأحد أفراد البعثة، كانت قد جذب انتباهها، وأصبحت مرافقة له، فكانت أيالا الإسرائيلية دوما بالقرب من أور (نور) ، بينما كانت سماء على مبعدة منه يراقبان بعضهما البعض. بينما اشتعل الحب –ربما للتقارب بينهما فى الهوية- فى قلب “نور”. بينما وقفت “سماء” منه موقف الرفض، لأزدواج شخصيته، وتريدها صراحة، إذ تقتنع بأنها على حق. لتصبح المقابلة فى داخله فقط، وإنما تخرج إلى العلن بين “سماء” و”إيالا” ، والتنافر بينهن، فكانت “أيالا تكره سماء ، مع أنها لم تتبادل معها كلمة واحدة ! فقط بضع نظرات متعالية ومتكبرة كانت ترميها بها، فى الوقت الذى لم تكن فيه سماء قد منحت أياً من “أيالا” أو حتى “أور” أيا من الإهتمام ، والتعامل، الذى أسفر عن الخلاف الدائم بينهما. فبينما وقف “أور” مكتوف اليدين بينهما، فى الوقت الذى كان يريد “نور الوقوف إلى جانب “سماء”، كان “أور” يريد الوقوف إلى جانب “أيالا”. هكذا كان تمزقه، وتشتته بين الجانبين. وكأنه يصف حالة الفلسطينى المشتت بين الانصياع للجانب الإسرائيلى من جانب، ومن جانب آخر يشعر أن الجانب الفلسطينى هو صاحب الأرض، وصاحب الحق. وهو ما يكشفه السارد “نور” لصديقه مراد: {هل قلت لك يوما ما هو مقابل كلمة قناع بالعبريىة؟ إنها تشبه فى لفظها ومعناها الرديف بالإنجليزية ماسك، وتُلفظ  بالعبرية مًسِخ، والمسخ بالعربية تعنى المشوه الملامح… فأنا لا أرتدى مسخا.. بل أنا هو المسخ الذى ولد من رحم النكبة، والأزقة والحيرة والغربة، والصمت.. صمت أبى وموت أمى، ومطاردتى فى أزقة المخيم … أنا المسخ يا صديقى، فهل من رحم تلدنى مرة أخرى إنسانا؟! هل من سماء أتجلى بها نورا ونارا؟!}ص229.

وتأتى السماء التى يريدها السارد، ليقف على البر، هاربا من دوامة المحيط، حين يكشف عن حقيقنه، ويكشف ما يلبسه من قناع، أمام “سماء”، فتنفخ  فى وجهه بوق الصحيان، وكأنها تصفعه على وجهه كى يخرج من تيهه: {ايها المغفل، أنا أنتظر عمرا بأكمله من أجل الخلاص من هذه الهوية.. وأما أنت، فقد خسرت عمرك كله لترتدى هذا القناع! هذه الهوية التى نكبتنى. … ابتعد عن طريقى.. فأنت إما مجنون أو مطبع خائن، أو ضابط شاباك.. فاختر لنفسك القناع الذى تشتهيه منهم..}ص224.

ويعود “نور” بالحديث إلى صديقه “مراد” الذى يلعب دور الضمير، وقد وقع فى شباك الوطن الأم، وفى أحضان “سماء” حيث يقول عنها:

{لا أعلم .. كل ما أعلمه هو أننى أستمد منها الحضور والجرأة والأمل والثبات………  لقد امتلكت سماء الجرأة بالقول إنها متضامنة مع ضحايا المحرقة.. ولكن ضمن رؤية إنسانية لا صهيونية.. إذ هى ضد صهينة الهولوكوست وإحالتها إلى منظومة أخلاقية تحمى وتُشرع  التطهير العرقى الذى مورس بحقنا فى نكبة 1948…. ؟}ص225

ويهتف “نور” فى نفسه ما يتصور أنه يخاطب به زملاءه فى البعثة.. ما الفرق سيداتى وسادتى ما بين الأرقام الموشومة على أذرعكم والوشم الذى وشمته سماء على ذراعها” حيفا 1948.

ويعود للحديث إلى صديقه، وكأنه يصف له حاله{ حين اسررت لها أسباب وجودى المجدلية هنا، هزَأت منها… فلسطينى يهرب من الأزقة، والمخيم، والاحتلال، والإلتباسات، ليكتب رواية يرد بها على دان براون صاحب رواية شيفرة دافنشى.. اى هراء هذا؟! أى تفاهة متقوقعة هذه؟!}ص226.

وتزداد العلاقة توترا بين سماء المتشككة فى نور” ومن يكون ، وهل هو بالفعل نور أم “أور”؟ بينما هو يسعى نحو طمس عريه بتراب التاريخ البائد، هاربا من التطلع نحو سماء التى كانت بدورها ترمقه بين فينة وأخرى بنظرات حارقة مشبعة بالدهشة والحيرة مما أحاطها به ليلة أمس.. كانت بعيدة عنه أكثر من أى وقت مضى، بعيدة هى السماء عن نور الذى بلغ الدرك الأسفل من حفرة الهاوية، هوية الآخر، التى يحاول الآن عبر اعترافه الأخير أمام سماء وانتزاع نفسه منها.

ويأتى الحاضر والواقع على الأرض الفلسطينية، ياتى السابع من أكتوبر(الذى لم يكن قد أتى بعد)، فاستشرفه الكاتب، حين تخبره أيالا بأن {حماس الإرهابية منحت حكومتنا مهلة حتى السادسة مساء لمنع مسيرة الإعلام المنوى إقمتها بعد قليل بالبلدة القديمة فى أورشليم.. ليجيبها بسخرية واستغراب {حماس تُعطى دولة إسرائيل مهلة.. حماس؟!}ص230.

وتمضى الثوانى بعد السادسة، وتحبس الأنفاس، وتشرئب الآذان، ويتوتر التوقع… ثم تصرخ صفارات الإنذار.. وتعلن السلطات فى إسرائيل، عن الهجوم المساوى، مما تسبب فى توقف الحفر والتنقيب، ويتوقف “أور” عن الحفر والتنقيب. ويغادر البعثة.. وبعد الخروج من المعسكر، يسمع بوق سيارة، لم يتبين- فى البداية من سائقها.. لكن سرعان ما يعلم أنها “سماء”.التى تلحق به وتدعوه للركوب معها قائلة {هيا اصعد أيها المجنون. لقد صدقتك.. صدقتك بالأمس فقط.. ولن أتركك وحدك فى هذا الطريق، فالبلد كلها اشتعلت .. هيا .. إصعد يا نور، ماذا تنتظر؟}ص238. فينتزع  قلادة نجمة داود من عنقه ويلقيها بعيدا فى السهل المحاذى للرصيف،، وينتشل بطاقة الهوية المزورة من جيبه، هوية أور شابيرا .. ثم يمزقها  بعنف ليلحقها بالقلادة ويقول لسماء {أنت هويتى ومآلى}ص238.             باسم/ تشرين الثانى 2021.

                              سجن جلبوع الكولونيالى  

التقنية الروائية

        فى وسط الخط الرئيسى للرواية، والقائم على عملية التحول، من السلبية إلى الإيجابية، إستطاع الكاتب أن يشير إلى بعض الصور المحزنة عند العرب، والتى تُثير العجب والتساؤل، مثل الخلافات التى تنشأ بينهم متغاضين عن القضية الأساسية، مثلما نرى على أرض الواقع من خلاف بين السلطة الفلسطينية، وبعض الجماعات الأخرى، كحماس، حول تشكيل الحكومة المنتظرة، فى الوقت الذى تدور فيه رحى القتل والتدمير من السلطة الإسرائيلية، فيقول السارد {يستيقظ إثرها على دوى إطلاق نار فى أزقة المخيم. يتقلب محتارا فى تحديد مصدر إطلاق النار، متسائلا أهذا رصاص  احتلالى أم شجار مسلح بين جماعتين متصارعتين على الوهم}ص51. خاصة وصفه ب”الوهم”. وهو الأمر الذى يؤكد مقولة السارد فى البداية بأنه يعيش الواقع خارج جدران السجن الذى يعيشه.

وأيضا، ما يصف ويصور حياة الفلسطينى الذى يعيش تحت الاحتلال. ممثلا فى السيدة المسنة، الحاجة فاطمة موسى(أم عدلى) التى ساعدها لزيارة ابنها المسجون، حيث يصبح ذلك هو المعتاد  { فبعد قليل ستمضى للزيارة، زيارة ولدها المحكوم بالسجن المؤبد مدى الحياة، المعتقل منذ عشر سنوات فى غياهب المعتقلات الصهيونية، بتهمة تخطيط عمليات إطلاق نار ضد جنود الاحتلال وتنفيذها}ص17.

وحتى من لم يكن فى السجن ذو الجدران الضيقة، لم يكن من خارجها بأفضل منها. فهو سجين الاحتلال، وسجين ما عاناه من أبوين يعيشان ذُل الاحتلال، الأمر الذى حطم نفسية الإنسان، وأمات فى أعماقه، الحياة السوية {ولم تكن مسيرته المتخبطة فى الجامعة لتختلف عن عمله فى الفندق، إذ لم يهنأ بحياة جامعية مزدانة بقصة حب تكتمل أو لا تكتمل. بإختصار، لقد كان معطوبا، ثم خراب متأصل فى داخله، مشبع بشئ من الطهر والخوف، والهبل ربما! وهكذا كان زملاؤه فى الفندق يصفونه: أهبل .. شاب وسيم مثلك يرفض النِعَم والمتعة! أهبل}ص28.

وكان كل ذلك مساعدا لأن يفقد المواطن الفلسطينى هويته، فراح يبنتحل، ويلبس الأقنعة، فتعلم “نور” العبرية .. لا حبا فيها، وإنما من الشوارع العبرية كانت العربية لغة قلبه، والإنجليزية لغة عقله، والعبرية لغة ظله وملامحه (الاشكنازية) فاصبحت الملامح قناعا يرتديه {يدرك نور الشهدى أكثر من أى وقت مضى  أنه يعيش فى ظلال الأقنعة منذ ثلاثين عاما، إذ هو بقناع الملامح “أور شابيرا”، وأما قناع أبيه فهو الصمت، والخيم قناع رام الله قاطبة}ص73..

وهكذا استطاع الكاتب تصوير الشخصية، المتسنمدة، والتى ليست ببعيدة عن تأثير المجتمع المحيط بها، فكانت تلك الشخصية المنقسمة، والمشتتة، بين الداخل الرافض، والخارج المستتسلم.

        بدأ الكاتب فى البداية بتوضيح أنه يكتب رواية، ويحدد ماذا يريد أن يكتب، وما هى أسماء الشخصيات…إلخ، فضلا عن ذكر العديد من الروائيين ورواياتهم وما ترمى إليه إلا أن هذا يعنى فى النهاية، أنه يكتب من الواقع المعيش، من التجربة الحية، وكأنها صرخة تأتى من داخل السجون الإسرائلية، للعالم أجمع، وكأنه لا فرق بين سجن بجدران، وسجن أكبر بحدود وجغرافية. ولو أنه اكتفى بذلك، كوضع خريطة لعمله- وهو ما يتبعه الكثير من المبدعين- وحيث استطاع أن يُنشئ حركة درامية، تنقلت من الحيرة، والتيه، إلى الثبات والاستقرار، حاملا رؤية الرواية ومضمونها، دون صراخ أو هتاف، ومسخرا كل داخل الرواية لخدمة الرؤية الكلية. وهو ما يسوقنا إلى تقنية الرواية داخل الرواية، تلك التى أتقن الكاتب الدمج بينهما، حتى تناسينا موضوع الرواية –المزعومة- رغم أنه يذكرنا كل فترة بها، فى الحديث إلى صديقه مراد، إلى أن تم المزج بينهما  فى النهاية، حيث التقى “نور” كاتب الرواية الضمنية، و”سماء” الواقع والمعيش، ليتحدا فى طريق واحد، يمكن رؤيته فى أن المواجهة الصريحة، هى الحل، وهى الطريق. وهو ما تم بالفعل حين نفذت (حماس) خطتها على الأرض فى السابع من أكتبور 2024، رغم إختلافر وجهات النظر حولها.

وإذا كان الكاتب قد قال لصديقه مراد، منذ البداية {أنت من قال لى فى الرسالة الماضية: إن الكولونيالية تفاصيل صغيرة، إنها هوس السيطرة والتفاصيل الصغيرة التى تشَّيد بالنهاية بنية شاملة متكاملة.. تفاصيل معرفية وتاريخية وثقافية ونفسية. لهذا يجب أن نحاربها بالتفاصيل ذتها}ص25.

 وإن كانت المعلوماتية، هى أحد صفات الرواية الحديثة، إلا أن الاستغراق فى أى شئ، قد يضر بالعمل. فإذا كان الكاتب قد أراد بذلك أن يسوق حجته بالبرهان وبالمنطق، إلا أن زيادة كمية المعلومات والإحصاءات، والبراهين، عرقلت صيغة التشويق لدى القارئ، وأغرقته فى البحث وراءها. فأن نقرأ مثل هذه الفاصيل المعجمية حول اسم المجدلية {إن دلالة الاسم “مسيميان” هى ماتدفعنى نحو إثبات فرضية تواجد أسرة سمعان الأعرج المرتبطة بإرث المجدلية  المادى والغنوصى.. هذا إن الاسم أخذ كلمة “ميسيا” التى تعنى المسيح أو المخلص يالسريانية. وهذا ما يسبغ طابعا مقدسا منسوبا ليسوع والمجدلية معا. المجدلية التى أفترض أنا عبر الرواية أنها أوصت بدفن رفاتها وضفائرها وعطرها وإنجيلها فى هذا الموقع لحين مجئ المسيح يسوع المخلص لكى يحييها من جديد فى يوم الدينونة}ص163. وما أهمية كل تلك التفاصيل التى دارت حول مدينة ميجدو {مجدو المضرجة بالدماء أعظم ميادين الموت فى التاريخ، منذ المعركة الأولى التى خاضها تحتمس الثالث متفرعنا مفاجئا أعداءه بمباغتتهم من بين ثنيا ثوبها المشجر، من جبال الكرمل، من غرب مجدو انقض عليهم فى خطة حربية بارعة لن يتنازل عن شدة وطأتها بعد ثلاثة آلاف وخمسمائة عام الجنرال البريطانى “إدموند اللمبى”  ليستخدمها فى هزيمة آخر جيوش العثمانيين، بقيادة مصطفى كمال فى الحرب العالمية الأولى, ليلقب إثر نصره ب”لورد ميجدون” المأخوذ بإشارات معركة آخر الزمان “هرمجدون”}ص168. فلو أنه تم مثل هذه الفقرات المطولة، لما أثر ذلك على سير الرواية، بل كان سيخفف حملها.  

ولو أنه إكتفى بالفقرة التالية –مثلا- لكانت تكفى للإقادة، والربط بين البعثة للبحث عن الاثار، للوصول إلى المجدلية {مستوطنة مجدو يا مراد هى مرادى الآن.. هناك المجدلية تنادينى منتظرة.. فكيف الوصول إليها والطريق مفخخ بكاميرات المراقبة ومغتصبى التاريخ والأسلاك الشائكة وعدد عدد؟!}ص183. حيث تفيد الفقرة، البحث عن الآثار، والبحث عن المجلية، والمعوقات والأسوار التى يضعها العدو فى طريق الوصول للحقيقة، وبطريقة مركزة، ومختصرة.

        وإذا ما عدنا إلى العنوان الرئيسى “قناع بلون السماء” إشارة إلى “سماء” الفلسطينية من حيفا. فى الوقت الذى كانت فيه “سماء” هى من جعلته يخلع القناع، لا يلبسه. ومن هنا أصبح العنوان لا يتفق مع رؤية الرواية. ولو تصورت عنوانا مخالفا، لاخترت أن يكون العنوان “المجدلية” حيث كانت هى بؤرة العمل بأكمله، بما تحمل من إشارة إلى التناقض بين “الزانية” وبين الصوفية، أو التسامى. أو أن يكون العنوان هو: “القناع” حيث هو الذى يمثل حركة الرواية والتحول من لبس القناع إلى خلعه، لتضم رؤية العمل بأكمله.

        وبصفة عامة، أن تخرج مثل هذه الرواية من داخل جدران السجن الإسرائيلى، لشاب يعيش بين جدران الحبس، منذ عشرين عاما، أتاحت له التأمل والوصول إلى جوهر القضية، وجوهر الإنسان تحت الاحتلال، واستشراف المسقبل، نابعا من ثورته الداخلية التى يريد بها أن يحطم الجدران، ويطرد المستعمر، لهى بالفعل جديرة أن تحظى بجائزة البوكر فى نسختها العربية للعام 2024، محققة رؤية القائمين عليها فى أن تكون الرواية الفائزة، تعكس هما محليا، لكنه فى ذات الوقت، يحمل هم الوطن العربى عامة، ذلك المتشابه فى كثير من الأمور العامة. 

5 / 5 / 2024

………………………………..

1- سحر خليفة – عباد الشمس – رواية – دار الآداب  بيروت – ط4 – 2008.

2- حزامة حبايب – قبل أن تنام الملكة – رواية –  المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط 1 – 2011.

باسم خندقجى- قناع بلوت السماء – دار الآداب –  ط1  2023. – 3

مقالات من نفس القسم