الإبداع بعد القطيعة: تأملات في نهاية القصة اللطيفة!

بولص آدم

العالم يدخل طورًا جديدًا لا يشبه ما قبله.

السردية التي حكمت الخيال السياسي لعقود تتفكك، واللغة الأخلاقية التي قدّمت النظام العالمي بوصفه محايدًا وعادلًا تفقد قدرتها على الإقناع. هذا التحول لم يعد يُقرأ في هوامش الفكر وحدها، بل صار يُعلَن من قلب الخطاب الرسمي نفسه، حين يقف رئيس وزراء كندا في دافوس ليقول: (كنا نكذب على أنفسنا حتى صدقنا الكذبة، وحان الوقت للاعتراف بأن هذا النظام انتهى).

ما يُعلن هنا ليس مجرد تحوّل جيوسياسي، بل نهاية قصة كاملة عن العالم: قصة التكامل الاقتصادي بوصفه ضمانة للسلام، وقصة القواعد بوصفها فوق القوة، وقصة التاريخ بوصفه مسارًا عقلانيًا أخلاقيًا. وقد سمّى مارك كارني هذه اللحظة باسمها: (نحن في خضم قطيعة، وليس مجرد مرحلة انتقالية).

نحن في زمن نهاية “القصة اللطيفة”، وبداية عراء عالمي جديد.

وفي مثل هذه اللحظات، يتغيّر معنى الإبداع نفسه، ويتبدّل موقع المبدع في العالم، وتتعرّض لغته لاختبار وجودي غير مسبوق. يدرك المبدعون بيئتهم بطريقة لا تشبه إدراك الآخرين. ليس الأمر متعلقًا بالذكاء بقدر ما يتعلق بحساسية خاصة تجاه التفاصيل الهشّة، والتناقضات الصامتة، والفراغات التي لا تُرى. في لحظات التحول الكبرى، يظهر هذا الإدراك المختلف بوصفه إرهاصًا مبكرًا بما لم يتشكّل بعد.

كافكا كتب عن البيروقراطية العبثية قبل أن تصبح صورة القرن العشرين.

فان غوخ رأى العالم كتوتر لوني وعاطفي لم يكن عصره مستعدًا لفهمه.

بيتهوفن كتب موسيقى مستقبلية وهو يفقد سمعه، وكأن أذنه كانت منصتة لعالم لم يولد بعد.

هؤلاء لم يصفوا الواقع كما هو، بل كما كان يتكوّن في العمق. الإبداع يبدأ من طريقة رؤية العالم قبل أن يبدأ من اللغة أو التقنية. ولهذا، حين ينهار نظام عالمي أو سردية أخلاقية، يكون المبدع قد اختبر هذا الانهيار داخليًا منذ زمن. ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الأزمة العابرة. الاعتراف الرسمي بانهيار النظام القائم على القواعد يكشف أن العالم يدخل طورًا جديدًا من العلاقات العارية بين القوة والمعنى. وقد لخّص كارني هذا التحول بقوله: (إن النظام القائم على القواعد يتلاشى. الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون ما هو مفروض عليهم). السردية التي وعدت بالتقدم والسلام عبر التكامل الاقتصادي تفقد صلاحيتها الرمزية. وقد قال كارني بوضوح: (أن العصر الذي كان فيه التكامل الاقتصادي ضمانة للسلام قد ولى، ليحل محله واقع وحشي).

هذا التحول لا يبدّل خرائط السياسة وحدها، بل يبدّل خرائط الروح.

اللغة السياسية نفسها تفقد قدرتها على التجميل، والمعنى المشترك يتشقق، والعلاقة بين القوة والحقيقة تنكشف بلا وساطة. هنا يبدأ دور الإبداع بوصفه شهادة على هذا العراء الأخلاقي، وعلى تفكك المعنى، وعلى انكشاف العالم وهو يفقد أقنعته الأخيرة. نحن نعيش زمن “ما بين”: ما بين نظام يحتضر ونظام لم يولد، ما بين سرديات انتهت وسرديات لم تتشكّل، ما بين يقين قديم وارتباك جديد. في هذه المنطقة الرمادية، تظهر إرهاصات المبدع. ليس بوصفه نبيًا للمستقبل، بل بوصفه كائنًا يلتقط الارتجافات الأولى لعالم لم يستقر بعد.

المبدع في زمن “ما بين” يعيش قلقًا مضاعفًا: قلق الفقد، وقلق الانتظار.

يشعر بأن لغته القديمة لم تعد تكفي، وأن اللغة الجديدة لم تتكوّن بعد.

يشعر بأن صوره تتكسر، وأن أشكاله تتداعى، وأن يقينه الجمالي يتآكل.

يكتب وهو يشك في صلاحيّة الكتابة. يرسم وهو يشك في جدوى الصورة.

يعزف وهو يسمع في داخله موسيقى لا يعرف شكلها بعد. هذه الحالة ليست أزمة إبداع، بل مخاض شكل جديد للوعي الفني.

مع تصاعد الذكاء الاصطناعي، يتغير سؤال الإبداع جذريًا. المسألة لم تعد قدرة الآلة على كتابة قصيدة أو رسم لوحة، بل معنى الخبرة الإنسانية في عالم تنتج فيه الخوارزميات اللغة والصورة والمعنى الوظيفي. الآلة تعيد تركيب الأنماط. الإنسان يعيش القطيعة. الإنسان يحمل الذاكرة، والخسارة، والذنب، والتعاطف، والارتباك الأخلاقي. هذه التجربة الوجودية هي المصدر الأخير للإبداع الحقيقي. لهذا يزداد الإبداع البشري أهمية في القرن الحادي والعشرين. عالم يتكاثر فيه النص المصنّع، تصبح اللغة التي خرجت من جرح إنساني نادرًا أخلاقيًا وجماليًا.

لا يوجد تعريف عالمي متفق عليه للإبداع لأنه ليس مهارة تقنية، بل علاقة خاصة بالعالم. يراه بعضهم في شاعر أو روائي، ويراه آخرون في مهندس أو عالم كيمياء. روح العصر نفسها تحدد من نسمّيه مبدعًا.

يوهان سيباستيان باخ عاش حياة هادئة ولم يُحتفل به بوصفه عبقريًا في زمنه. فان غوخ مات تقريبًا دون اعتراف وباع لوحة واحدة فقط مقابل أربعمئة فرنك. اليوم تُباع أعماله بملايين. هذه المفارقة تذكّر بأن القيمة الإبداعية لا تُقاس بزمنها، بل بزمن لم يأتِ بعد. المبدع في زمن القطيعة لا يملك ضمانة تاريخية. قد يكتب أهم أعماله ويبقى غير مرئي. هذا لا يُسقط القيمة، بل يحررها من السوق ومن منطق الاعتراف السريع. الابتكارات الحقيقية في المستقبل تتجه نحو أسئلة المعنى والفائدة.

لماذا نفعل ما نفعل؟

لمن؟

وبأي كلفة إنسانية؟

في الفن كما في العلم، يصبح التفكير المستقل والتعاطف شرطين أساسيين للإبداع الحقيقي. من دون التعاطف يتحول الذكاء إلى أداة هيمنة. من دون استقلال التفكير يتحول الفن إلى صدى أيديولوجي أو منتج سوقي. المبدع اليوم يُختبر بموهبته وبموقفه الأخلاقي من العالم الذي يُنتج فيه عمله. العالم متشظٍ، والسرديات الكبرى تنهار، والحقيقة لم تعد واحدة. لهذا يتغيّر شكل الإبداع. كما ظهرت الحداثة بعد الحرب العالمية الأولى، وكما تفكك السرد الكلاسيكي بعد الحرب الثانية، تظهر اليوم أشكال مفتوحة، ونصوص غير مكتملة، ولغات مكسورة، وصمت له قيمة جمالية. الشكل هنا شهادة على أن العالم نفسه فقد تماسكه البنيوي. النص الذي يتظاهر بالاكتمال في زمن التشظي يقدّم وهمًا جماليًا أكثر مما يقدّم حقيقة فنية. الخطر الجديد في عصر الصورة والخوارزمية يتمثل في تحويل الانهيار إلى محتوى. الحرب تتحول إلى خلفية بصرية، والإبادة مادة سردية جذابة، والخراب نوعًا من الترفيه الثقافي. المبدع يُختبر هنا أخلاقيًا.

هل يعمّق الجرح أم يستهلكه؟

هل يحوّل الألم إلى تجربة وجودية أم إلى منتج قابل للتداول؟

في الثلاثينيات، حاول برتولد بريشت أن يعيد للمسرح دوره النقدي وسط صعود الفاشية. اليوم، المعركة ليست فقط ضد الاستبداد السياسي، بل ضد الاستهلاك الجمالي للخراب. الفن لا يوقف حربًا ولا يسقط نظامًا. لكنه يفعل شيئًا أخطر على المدى البعيد. يمنع اعتياد القلب على الفظاعة. حين رسم بيكاسو غيرنيكا، وحين كتب محمود درويش عن المنفى، لم يغيّروا مسار التاريخ، لكنهم منعوا التاريخ من أن يمحو الأثر الإنساني لما حدث. وفي زمن يقول فيه رئيس وزراء دولة غربية إن العالم عاش داخل كذبة، مستحضرًا إرث فاتسلاف هافل، يتحول الفن إلى ذاكرة أخلاقية في عالم يفقد ذاكرته.

المبدع في زمن القطيعة العالمية كائن يرى العالم بطريقة مختلفة، ويهضم تحوله ببطء، ويكتب من هشاشته، ومن ارتباكه، ومن خبرته الوجودية في عالم يتغير دون أن يمنحه وقتًا للفهم. موقفه الفلسفي يتلخص في الدفاع عن الخبرة الإنسانية في مواجهة اختزالها إلى خوارزمية، وعن المعنى في مواجهة تسليعه، وعن التعاطف في مواجهة التبلد. ويتجسد أيضًا في الإصرار على اختراع لغة تناسب عالمًا يعترف قادته أنفسهم بأن نظامه انتهى، وبأن “القصة اللطيفة” وصلت إلى خاتمتها. لغة لا تعد بالخلاص، بل بالشهادة، وبالصدق، وبمنع الكذبة الجديدة من أن تصبح طبيعية. هذا وحده يكفي ليكون الإبداع مرآةً لعصر القطيعة، لا ديكورًا في صالون انهياره.

بولص آدم

48 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع