الأدب العربي و جائزة نوبل.. لماذا لا تكفي العبقرية وحدها؟

جائزة نوبل

سعيف علي

نوبل وعادات الخريف

أعلن في أكتوبر 1988 اسم نجيب محفوظ فائزاً بنوبل للآداب. مرّت منذ ذلك اليوم ثمانية وثلاثون خريفا. عادت في كل واحد منها الصيغة نفسها. تفتح الصحف العربية الملف القديم وتسأل لماذا لم يتكرر ذلك. كتب الطيب صالح وعبد الرحمن منيف وإلياس خوري وأدونيس وإبراهيم الكوني، وتُرجمت أعمالهم إلى لغات كثيرة، وبقي اسم محفوظ وحده في سجل الجائزة. وما زال حضور الأدب العربي في المحافل والجوائز العالمية محدوداً، وفي مكتباتنا أعمال تضاهي في قيمتها الفنية والإنسانية أعمالاً نالت اعتراف العالم.

يطرح هذا المقال السؤال من غير أن ينتقص من أدبنا، فالنصوص الكبرى عاشت قبل الجوائز وستعيش بعدها، ولا تنتظر ختماً غربياً لتثبت وجودها. ما يشغلنا هو الطريق نفسه. كيف يخرج نص كُتب لقارئ في القاهرة أو مسقط أو القدس ليقرأه قارئ في ستوكهولم أو بوينس آيرس؟ وماذا يلزم الموهبة الفردية كي يستمر حضورها في العالم بعد موسم الاحتفاء الأول؟

العبقرية التي تشق طريقها وحدها

يتردد في ثقافتنا أن “الأدب الجيد يجد طريقه دائماً”، وأن العمل العظيم يعبر الحدود مهما كانت الظروف. تاريخ الأدب العالمي لا يسند هذا الاعتقاد. نشر كافكا القليل في حياته، ولولا أن صديقه ماكس برود خالف وصيته وحفظ مخطوطاته لما عرفنا اليوم أبرز رواياته. وغاب عن القراءة آخرون كثيرون خارج لغاتهم ولم يلتفت إليهم أحد، وتأخر الاعتراف بأسماء أخرى سنوات طويلة قبل أن تدخل قائمة الكلاسيكيات.

يحتاج النص الأدبي إلى منظومة تكتشفه وتدعمه وتشرحه وتترجمه وتنقده وتعيد تقديمه للعالم. والعالمية لا تسكن النص كما تسكن الصفة الوراثية الجسد. تتولد حين تلتقي قيمة النص بحاضنة ثقافية تحمله إلى فضاءات جديدة.

من يمنح النص شرعيته؟

تمنح الحاضنة الثقافية شبكة من العلاقات والمؤسسات النص قيمته الاجتماعية قبل أن يُحكم عليه جمالياً. وهي التي تحدد من يُقرأ ومن يُترجم ومن يُدرَّس ومن يُرشح للجوائز الكبرى. وتتألف من هذه الحلقات:

دور النشر الكبرى، ولها فروع في قارات متعددة وشبكات توزيع واسعة.
المترجم المحترف، وهو يعيد بناء النص في لغة جديدة ويحفظ له روحه.
الناقد والأكاديمي المؤثر، يكتب في الصحف الثقافية العالمية ويُدخل النص إلى مناهج الجامعات.
الوكيل الأدبي، وهو أكثر الحلقات غياباً في العالم العربي. يتفاوض على العقود، ويصنع الشهرة، ويختار الناشر الأنسب.
الجوائز الوسيطة، كالبوكر ودبلن وفيمينا. تمنح النص شرعية فورية تختلف عن شرعية نوبل.
إذا انقطعت حلقة منها بقي النص في لغته وسياقه المحلي مهما بلغت قيمته. ومن يصل إلى العالمية قد لا يكون أفضل كتّاب بلده، وأغلب الظن أنه الكاتب الذي استطاعت منظومته أن تجعل موهبته مرئية ومستمرة.

دروس من القارات الأخرى

أمريكا اللاتينية

ظهرت في الستينيات والسبعينيات طفرة روائية في أمريكا اللاتينية. وراءها شبكة نشر قوية في برشلونة وبوينس آيرس، ووكيلة أدبية مؤثرة هي كارمن بالثيس، وكانت تمثل غارسيا ماركيز وماريو بارغاس يوسا، ومجلات ثقافية نشطة، وحضور أكاديمي مبكر. ووصل الكتّاب إلى العالم بوصفهم جزءاً من ظاهرة واحدة. قرأ القارئ الغربي الأدب اللاتيني الجديد تياراً متصلاً له رؤية جمالية مشتركة، ولم يقرأ كتباً متفرقة جاءت من بلدان متباعدة.

آسيا

سلكت كوريا الجنوبية واليابان طريقاً مؤسساتياً. رأت الدولتان مبكراً أن الثقافة جزء من القوة الناعمة، وأن الترجمة استثمار طويل الأمد. فمولتا برامج ترجمة واسعة عبر معاهد متخصصة مثل معهد ترجمة الأدب الكوري ومؤسسة اليابان، ودعمتا النشر في الخارج، وأقامتا شراكات مع الجامعات والمهرجانات الدولية. وحين فازت الكورية هان كانغ بنوبل عام 2024، كانت قد سبقتها جائزة بوكر الدولية عام 2016 بترجمة ديبورا سميث، وكان خلفها مشهد ثقافي مدعوم منذ عقود.

إفريقيا

نجحت إفريقيا في العقود الأخيرة في بناء حضور أدبي عالمي متنامٍ، وتوّجته جوائز كبرى، منها نوبل لوول سوينكا عام 1986 ولعبد الرزاق غورنا عام 2021. تكوّن هناك ما يمكن تسميته الحقل الأدبي الإفريقي. هو شبكة تمتد بين الجامعات الغربية ودور النشر المستقلة والجوائز المخصصة للأدب الإفريقي، ومنها جائزة كين للقصة القصيرة. وصارت قضايا القارة وجدلياتها بفضل هذه الشبكة مادة ثابتة في النقد والقراءة العالميين.

نماذج التلقي العربي

تتفاوت التجارب العربية تفاوتا كبيرا، ويظهر في هذا التفاوت دور كل حلقة من الحلقات السابقة.

نجيب محفوظ

كانت عبقرية محفوظ الشرط الأول لوصوله إلى نوبل، وإلى جانبها عمل آخرون. آمن بمشروعه مترجمون منهم دنيس جونسون ديفيز. وتبنى ناشرون، منهم الجامعة الأمريكية بالقاهرة، توزيع أعماله وعرضها في الأسواق الدولية. وتراكم حوله نقد جعل اسمه مرئياً في المجال الأدبي العالمي قبل الجائزة بسنوات. ويضاف إلى ذلك ما نعرفه عن جاكلين كينيدي أوناسيس، فقد كانت محررة في دار «دوبلداي» التي نشرت أعماله بالإنجليزية.

إبراهيم الكوني

تمثل تجربة الكوني من أوضح الحالات العربية دلالة. له مشروع روائي متفرد يستلهم الصحراء وأساطير الطوارق وأسئلتها الوجودية الكبرى. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، ولقيت اهتماماً نقدياً وأكاديمياً واسعاً، ونال جوائز دولية مرموقة في أوروبا. ومع ذلك بقي حضوره في الأغلب بين الأكاديميين والنخبة، ولم يصل إلى جمهور عريض. حقق الكوني بمفرده ما يشبه المعجزة، لكن الحاضنة الإعلامية والتسويقية العربية غابت عن مشروعه، فلم يتحول إلى ظاهرة ثقافية عامة تعبر القارات. ومن غير آليات التسويق تظل عالمية كهذه محصورة في الجامعات.

جوخة الحارثي

اخترقت الروائية العُمانية جوخة الحارثي المركزية الأدبية الدولية عبر الجوائز الوسيطة. أحدث فوز روايتها “سيدات القمر” بجائزة مان بوكر الدولية عام 2019 نقلة كبيرة، وكان للترجمة البارعة التي أنجزتها مارلين بوث نصيب فيها. فقد ظهر أن نصاً عربياً محلياً، غارقاً في تفاصيل مكانه وتاريخه ونسيجه الاجتماعي، يستطيع أن يحظى بالاعتراف العالمي إذا توفرت له ثلاثة أمور. أولها ترجمة رفيعة تهيئ للقارئ الأجنبي مدخلاً ذكياً إلى النص، وثانيها ناشر غربي مستقل يحسن اختيار موقعه، وثالثها جائزة وسيطة كبرى تمنحه شرعية فورية وتضعه في واجهات المكتبات بين الكتب الأكثر مبيعاً.

إبراهيم نصر الله

يقدم مشروعه الضخم “الملهاة الفلسطينية” نموذجا مختلفا. تنطلق عالميته من عدالة القضية، ومنها تتكون جمالياته. ويتوقف انتشاره في الغرب إلى حد بعيد على تعاطف الشبكات التضامنية والمؤسسات الثقافية المستقلة وعلى نفوذها، ولهذا نحتاج إلى آليات عربية داعمة ودائمة لا تترك هذه النصوص للمصادفات السياسية. ترجمت أعماله إلى الإنجليزية والإيطالية وغيرهما، ولقيت اهتماماً دولياً لافتاً، ومنه ترشحه لجائزة دبلن الأدبية الدولية. وقدّم القضية الفلسطينية ملحمة إنسانية تتقاطع مع الملاحم الكبرى في التاريخ، وبهذا تجاوز التقرير السياسي. وتصل أعماله إلى قراء العالم لأنها تجيب عن حاجتهم إلى معرفة الحقيقة عن طريق الفن.

الشعر والمعضلة المزدوجة

تواجه الرواية العربية مشكلات الترجمة والنشر، ويضاف إليها في الشعر عقبتان. الأولى من طبيعة الشعر نفسه. الإيقاع والموسيقى الداخلية والجرس اللغوي والإحالات الثقافية العميقة في العربية عناصر يصعب نقلها كاملة إلى لغة أخرى دون أن تفقد جزءاً من روحها. والثانية من تحولات الثقافة العالمية. صارت الرواية أكثر الأجناس جمهوراً وأسهلها سفراً، وانحسر الشعر في العالم إلى دوائر أكاديمية متخصصة.

وتستحق تجربة أدونيس وقفة خاصة، فهي أقرب لحظة بلغ فيها الشعر العربي الحديث عتبة الاعتراف العالمي الواسع. حضرت أعماله على امتداد عقود في الجامعات والدوريات الأدبية الدولية، وتُرجمت قصائده ودراساته، وتكرر اسمه في ترشيحات نوبل. ولم ينكر أحد نبوغه. الذي تراجع هو مكانة الشعر في الثقافة العالمية، وبقيت صعوبة نقل الزلزال اللغوي للقصيدة العربية إلى لغات أخرى دون أن يخمد.

الترجمة وصناعة التلقي

يُعلَّق غياب الأدب العربي كثيراً على ضعف الترجمة. في هذا قدر من الصحة ولا يكفي لتفسير الظاهرة. بين ترجمة النص نقلاً لغوياً وخلق شروط تلقيه في اللغة الجديدة مسافة واسعة. يحتاج الكتاب المترجم إلى مراجعات نقدية في الصحف الكبرى، وندوات أكاديمية، وحضور في المناهج الجامعية، ومؤسسات تتبناه وتعيد تسويقه. والمشكلة التي تواجه أدبنا سوق تلقٍّ كاملة لم تُبنَ بعد. أما المترجمون ففيهم الكفء وفيهم الضعيف، كما في كل لغة.

ويؤيد هذا التحليل نجاح بعض الكتّاب العرب الذين يكتبون بالإنجليزية أو الفرنسية. لم يتفوقوا جمالياً بالضرورة على زملائهم في بلدانهم. لكن اللغة الأجنبية فتحت لهم باباً مباشراً إلى شبكات النشر والترجمة والنقد والتعليم التي تصنع رأس المال الرمزي، وأعفتهم من المرور بالمؤسسات الوسيطة المعطلة في العالم العربي. ولو نظرنا إلى الطاهر بن جلون في الفرنسية لرأينا مثالاً واضحاً على ذلك.

أسئلة اللحظة التاريخية والاستشراق الجديد

تعمل الجوائز والمؤسسات الثقافية العالمية داخل السياسة، ولكل مرحلة أسئلتها المهيمنة. اهتمت مرحلة سابقة بأدب ما بعد الاستعمار والرواية الوطنية الكبرى، ثم تصدرت الهوية والهجرة والمنفى والانتماءات المتعددة.

يقع الأدب العربي أحيانا في فخ الاستشراق الجديد. يبحث سوق التلقي الغربي في النص العربي عن وثيقة أنثروبولوجية أو سياسية أكثر مما يبحث عن جماليات. يريد نصوصاً عن الحروب وقمع الحريات والتمرد الفج على التقاليد، فتؤكد تصوراته المسبقة. وإذا غاب مشروع عربي مستقل يفرض ذائقته ومعاييره الجمالية، رُفعت نصوص متوسطة لأسباب سياقية وسياسية، وهُمّشت أعمال عبقرية لأنها لا تخدم السردية السائدة.

البيان والمشروع

شهد المشهد الثقافي العربي في العقدين الأخيرين تطورات مهمة. ظهرت جوائز عربية كبرى بدأت تؤدي دور المنصة الوسيطة، ونشطت حركات الترجمة العكسية والمهرجانات الدولية. ولا تزال هذه الجهود متفرقة وموسمية، وأثرها لا يتراكم. وما نحتاجه الانتقال من مبادرات فردية تنشط في مواسم الجوائز إلى مشروع مؤسساتي بعيد النفس يعمل بمنطق الأجيال.

يحتاج الأدب العربي اليوم إلى أمرين. الأول هو البيان، وأقصد به رؤية فكرية ونقدية تعيد تعريف علاقتنا بالعالمية. غايتها بناء حضور إنساني ندّي يخاطب الآخر شريكاً يعبر بخصوصيته المحلية نحو الكونية، وهي لا تسعى إلى استرضاء ذائقة أجنبية ولا إلى تفصيل النصوص على مقاس الجوائز. والثاني مشروع يملك آليات عمل تحول هذه الرؤية إلى بنية تحتية. تضم هذه البنية صناديق تمويل مستقلة للترجمة، وبرامج إقامة أدبية للكتّاب والمترجمين الأجانب، ووكالات أدبية عربية محترفة، ومنصات نقدية تقيم شراكات طويلة مع الجامعات ودور النشر العالمية. ويتحول البيان بلا مشروع إلى خطاب بلاغي جميل، ويعمل المشروع بلا بيان في الفراغ.

وتبدأ البنية من ثلاثة أسس عملية. أولها وكالة أدبية عربية محترفة تصل بين الكاتب والناشر الغربي، على نهج ما فعلته كارمن بالثيس مع أدب أمريكا اللاتينية. وثانيها صندوق عربي للترجمة طويلة الأمد يموّل إقامة المترجمين الأجانب في البلدان العربية سنة على الأقل، ليعيشوا مع النص قبل أن ينقلوه. وثالثها أن تصير المهرجانات ومعارض الكتب منصات سنوية لتوقيع عقود النشر الدولية بعد أن اقتصرت على الفعاليات الموسمية، وهذا أسهل الأسس تنفيذاً وأسرعها أثراً.

وإذا اكتمل هذا البناء دخل الأدب العربي المشهد العالمي شريكاً يصنع التنوع. وقد يسأل الناس عندئذ في كل خريف عن اسم الفائز العربي القادم، وقد توقفوا عن السؤال عن سبب غياب الاسم.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع