فؤاد ميرزا
كان هو الذي دلّنا على المطعم. أشار إليه من طرف الشارع، تحت المطر، ثم وصف لنا المدخل كأنه يعرف المكان جيداً. لم أنتبه يومها إلى انحناءة ظهره، أو لعل المطر أخفاها عني. كنت أفكر بالطعام أقل مما أفكر بالنافذة التي تلمع من بعيد. كانت المطاعم الجيدة تشبه الاعترافات القديمة، يضيء زجاجها من الداخل، فيما المطر في الخارج يعيد تشكيل الوجوه.
دخلنا وجلسنا قرب الواجهة، وكان الشارع يرش علينا صورته المبللة مثل شريط سينمائي قديم.
كانت تضحك بخفة، وتزيح شعرها عن أذنها كأنها تنقذ شيئاً صغيراً من الغرق. قلت لها إن هذا المكان يعرف كيف يُطهى اللحم ببطء، وكيف يترك الشموع أن تكمل ما لا تقوله الموسيقى.
وحين رفعت عيني إلى الزجاج رأيته.
كان الرجل نفسه واقفاً هناك، في الجهة الأخرى من المطر.
لم يدخل ولم يبتعد. ظل يراقبنا بالصبر نفسه الذي يراقب به القط باباً موارباً.
في المرة الأولى لم أنتبه إلى شيء فيه سوى صوته ويده التي أشارت إلى المطعم. الآن كان الماء يثني صورته، ويكسر قامته، ويجمع كتفيه إلى الأمام حتى بدا أحدب. لم أعد أعرف إن كانت الانحناءة فيه أم في الزجاج.
اقتربت قليلاً من الطاولة وقلت لها بصوت خفيض:
ـ هل تعرفينه؟
نظرت نحوه، ثم عادت إليّ. ضحكت. لم تكن ضحكة خوف ولا دهشة، بل ضحكة امرأة استهوتها الهيئة التي صنعها المطر له. مالت برأسها قليلاً وقالت:
ـ الأحدب؟ كلا، لم أره.
لكنني كنت قد رأيته قبل ذلك بقليل، واقفاً عند طرف الشارع، يرشدنا إلى المكان الذي سيقف هو نفسه خارجه بعد دقائق.
لماذا أرشدنا إلى هذا المطعم بالذات؟
جاء النادل ووضع الأطباق بيننا، فارتفع البخار كستارة صغيرة. غاب الرجل لحظة، أو لعل البخار هو الذي أخفاه. وحين انقشعت السحابة عن الزجاج لم يكن أحد هناك.
بقي المطر وحده يلتوي على النافذة.
وبقيت هي تبتسم ابتسامة لم أعرف إن كانت للطبق أم للرجل أم لي.
أكلنا ببطء. كانت الشوكات تلمع، والنبيذ يدور في الكأس، والموسيقى تنزل خافتة من السقف. حاولت أن أعود إلى وجهها، إلى الطعام، إلى المساء، لكن الرجل ظل هناك، في الجهة التي لا يصل إليها النظر تماماً.
كان هو الذي اختار لنا المكان.
هذه الفكرة وحدها بقيت معي, ظل واقفاً بانحناءته الصامتة، ضيفاً ثالثاً، لا يجلس ولا يمد يده إلى الطعام.
ضيفاً لا نراه إلا متأخرين.















