طارق هاشم
حتى الجالسين في الصفوف الأولى
لم يتوقعوا ذلك
اكتفوا باندهاشهم
في مواجهة المشهد
كان قد اختار المقام
اختار أن يبدأ العزف
من ناصية
كان لها أن اهتدت
إلى رواق مظلم
رواق لا يزوره إلا الغرباء
وبالفعل
ذهولهم أغرق القاعة
وانصرف كطائر غريب
إلى يومنا هذا
وجنبات المسرح
مازالت تئن
تحت وقع موسيقاه اليائسة
يا الله
كل لعب العالم في بروجرام واحد
كل ما أنتجته الطبيعة
وبمحض الصدفة
في مونولوح لا يتوقف
هنا انتبه إلى الحاضرين
فأحنى رأسه
لا كمحارب
أودع خوفه في سلة المهملات
وذهب إلى المعركة وحيدا
إلا من الفكرة
بل كان كمن يكفر عن خطيئة
لا يعلمها غيره
او كمن منح الجمهور فرصة ذهبية
للتخلص من أبطاله السابقين
انحناءة
فصرخة
بدت كنزيل دائم
لألم مقيم
أسمي انطونيو
مؤكدا لسيدة في نهاية القاعة
نعم أنت
يا ذات العينين الصاخبتين
كأفراح الفقراء
هذا هو اسمي
إلا أن الفضيحة غير مشكورة
هي من اختارت لي
اسم سالييري
عن نفسي لا أعرفه
يا سيدتي العطوف
وكثيرا ما كنت اختبئ منه
في السهوب البعيدة
كم مرة تخليت عنه في المحافل
كنت أود لو طعنته بخنجر
إلا أنه قد حدث
صار حقيقة تطاردني
في النوم وفي اليقظة
مناديا يا سيد
نعم أقصدك
صوتك ينسيني المذهب
مرة أخرى
كم تمنيت أن أطعنه بخنجر
مستدركاً
لاتندهشوا
أعرف أن الحقيقة
ابنة شرعية للمغامرة
كما أعرف أنني غامرت
بحزني آلاف المرات
راهنت على لا شيء
فأغلقت الساحة
وحل الوباء
فأغرق المدينة
في رياح الخوف
اللانهائي
وأنا مرة أخرى
كمغامر مهزوم
دبرت له الحبكة المسرحية
اسما إجباريا
فضيحة
لم يكن هو من ابتدعها
بل خيوطها هناك
في غرفة مغلقة
في البهو الملكي
ابتدعتها امرأة
ليست من هذه المدينة
جاءت ومضت
كقطار خلف مسافرين
دون محطة للوصول
وصاروا عالقين
كفصل محذوف
في ملهاة بائسة
حين اختصرت الإضاءة في محيطه
راح ينسج
قطع المسافة كلها
دون استراحة
او وداع
حين اجتاحت الصرخات
كل أرجاء القاعة
لم يسمع سوى هتاف واحد
اللعنة على المخرج
هددوه بمغادرة القاعة
إذا ما غادر النص
وانصرف بلا تحية
حينها لم يدرك نفسه
كان ذاهلا عند الحافة
مرددا
حتى لو انصرفتم
لو ابتلعتكم أداركم
ستظل اشباحكم هاهنا
بما في ذلك الأحمق بيتر شافر
جرحكم الذي أدمنتموه
روايتكم الملفقة
حول معبودكم الضعيف أماديوس
كل الذين شاهدوه يحمل قيثارته
غير مبال بضجيج
كاد أن يحرق أعصابه
أقسموا
أنه كان يعزف لحنا
كما لو كان انتقاما
من كل الأكاذيب
التي اخترعتها الحضارة
كبديل لسقوطها الإنساني
نعم الحضارة
هي من وقفت كحجر في وجهكم
كي لاتسامحوا سالييري
والآن عدت لأكتشفها
لأعريها أمامكم
حين أقترب من الأرض
كان اقترب من النهاية
كان يقول لنفسه
لاتصدقوا بيتر اللعين
بيتر هو من اتفق مع كونستانزة العاهرة
كي يلطخوا سمعتي
كنت قد رفضت الحاقها
بكورال القصر الملكي
أن كل ما ادعاه شافر
كأن باتفاق
مع كل من رفضت تعيينهم
في جوقة القصر
حين راح الجمهور ينصرف فردا فردا
هنا فقد صوابه
قال إن الله هو من القى موتسارت في طريقي
كي يسلبني تاريخي
هكذا بلا مقدمات
وأنا لم افكر لحظة واحدة في كراهيته
علما بأنه يكرهني
كنت ضده
نعم هو
أن اماديوس أتفه من أن أحاربه
أن اماديوس أقل من أن أضعه في راسي
مهتاجا
لا تصدقوا اللعين بيتر شافر
لاتصدقوه
لاتصدقوه
روايته ملفقة
لاتصدقوه
منفجرا في البكاء
اللعنة على المخرج
لاتصدقوه
لا
لا
لااااااااا








