رانيا غيث
عندما تقرأ له تشعر وكأنك تقرأ لأحد فرسان الصحراء – إن لم يكن فعلا هو أحد فرسانها – فولادته عام 1948 في أمة الطوارق العريقة بغدامس الموجودة بليبيا جعلت منه روائيًا محترفا في الكتابة عن البيئة الصحراوية والتي لها عوالم خفية لا يراها سوى الذي عاش بين دروبها، فالكثير يظن أن الفلاة يطغى عليها السكون، بينما استطاع ابراهيم الكوني أن يبهرني بوصفه لها، بحديثه عن الجنيات التي يراها سكان تلك المنطقة الساحرة، ووصفه لابناء الصحراء الذين تلدهم أمهاتهم وتطلقهم للخلاء يعيشون تجربتهم دون مرشد أو ناصح، يخلقون أسطورتهم بأنفسهم.. أحببت سطور الكوني وهو معتز بأمته التي تعيش في أكبر صحراء بالعالم، أحببت فخره بأمته التي يجهل الكثير منا تاريخها ومدى تأثيرها في كل من جاورها من أمم أخرى، كتأثيرها في تكوين المفاهيم اليونانية القديمة وكذلك اللاتينية..
عاش ابراهيم الكوني تجربته منذ أن أنهى دراسته الثانوية بجنوب ليبيا، واستكمل دراسته في العلوم الأدبية والنقدية عام 1977 من معهد غوركي للأدب العالمي بموسكو، يجيد الكوني لغات كثيرة من بينها لغة الطارقية (وهي لغة قبيلته الأم) والعربية والروسية والإنجليزية والبولندية والألمانية والإسبانية واللاتينية.. حيث أنه يرى أن اتقان اللغات مهم كي يفهم الإنسان اللغة الأم القديمة، فتعمق في تاريخ الأديان والأدب والفلسفة، وألف سلسلة من الكتب عنوانها “بيان في لغة اللاهوت”، تتناول تلك السلسلة موضوعات هامة عن اللغة البدئية وعلاقتها باللغات التي نعرفها الآن، وعن الحضارة الأولى التي انبثقت منها حضارات العالم…
اختير ابراهيم الكوني من أبرز خمسين روائيا عالميًا معاصرًا يمثلون أدب القرن الحادي والعشرين وقد أطلق عليهم خمسون كاتبا للغد، وذلك كان بمجلة لير الفرنسية، وقد رشح لجائزة نوبل كثيرا، وأشيد به في أوروبا وأمريكا واليابان بين الأوساط الثقافية والنقدية والأكاديمية..
وبالرغم من تقلد الكوني الكثير من المناصب التي لها أثرها السياسي إلا أنه لا يفضل الحديث عن السياسة، والجدير بالذكر أنه عمل كمستشار إعلامي بالمكتب الشعبي الليبي بسويسرا عام 1982 كما عمل مراسلا لوكالة الأنباء الليبية في موسكو فقد عُرف بسويسرا ونال شهرة واسعة وقد كرمه السويسريون بوضع اسمه في كتاب يخلد أبرز الشخصيات التي تقيم على أرضهم وكان ابراهيم الكوني هو الوحيد المذكور اسمه في هذا الكتاب من دون جميع كتاب العالم الثالث.. وكان أول أجنبي اختير كعضو شرف في وفد يرأسه الرئيس السويسري 1998 بمعرض كتاب فرانكفورت الدولي للكتاب في يوبيله الذهبي..
وأيضا تقلد الكوني الكثير من الوظائف الصحفية والدبلوماسية حيث كان مستشارا دبلوماسيا في السفارات الليبية بروسيا وبولندا كما كان مراسل لوكالة الأنباء الليبية بموسكو 1975 و رئيس تحرير مجلة الصداقة البولندية 1981.. والجدير بالذكر عمله بوزارة الشئون الإجتماعية بسبها ثم وزارة الإعلام والثقافة
بالتأكيد الترحال الذي كان في حياة الكوني كان له أثره الكبير على انتاجه الأدبي كما أنه وصف الترحال في أحد حواراته الصحفية بالنداء (نداء الحرية ونداء يدفع الإنسان للبحث عن حقيقته فالسعادة متضمنة في البحث عنها واستجابة النداء يحتاج من المرء دائما إلى شجاعة لكي يستطيع أن ينفذه بأرض الواقع)، ومن المثير في رحلة الكوني أنه بالرغم من سفره إلى بلاد الغرب إلا أنه داوم على زيارة الصحراء بشكل دائم وكأنها زيارة مقدسة يجب عليه القيام بها.. وكان أثر الترحال واضحا على مؤلفاته التي هي أكثر من 81 كتابا بين الرواية والكتب النقدية والمؤلفات التاريخية..
كُرم ابراهيم الكوني وحاز العديد من الجوائز وكانت البداية بجائزة الدولة السويسرية عن رواية نزيف الحجر عام 1995، وجائزة الدولة في ليبيا عن مجمل أعماله عام 1996، ومن أبرز الجوائز التي نالها الكوني كانت جائزة اللجنة اليابانية للترجمة عن رواية التبر عام 1997، ووسام الفروسية الفرنسي للفنون والآداب عام 2006.
دعني أتركك عزيزي القارئ تبحث عن المزيد عن عالم الكوني بين أسطر رواياته فأنا مازلت لاهثة الأنفاس من عالم خلقه في روايته البحث عن المكان الضائع الذي رأيت فيه جانب من جوانب الصحراء المحببة لخيالي والتي سمعت فيها صوت الحب والمتعة والصراع والخوف، حيث رأيت فيها مغامرة تمنيت أن أكون بطلتها.. وعندما سئل الكوني عن محبته للعزلة فقال إنه بدون عزلة لن نجد إبداعا أو نبوءة، كما دلل على ذلك بعزلة الأنبياء قبل خروجهم للناس برسالتهم، وتيه الأنبياء في الصحراء حتى يجدوا ضالتهم بعد التأمل، وقد قال إن الأفكار الهامة كانت نتاجا للتأمل الذي لا يحدث بطبيعة الحال إلا بعد عزلة.. كما تحدث في أحد لقاءاته عن أن واقع الإنسان هو واقع أسطوري وقد نصح كل كاتب أن يصنع أسطورته الخاصة فمن وجهة نظره أن الأسطورة هي التي تجعل من النص خالدا واستدل على ذلك بهوميروس الذي كتب الإلياذة..
من الممتع أن يضم عالمنا العربي كاتبا مثل ابراهيم الكوني الذي عرف كيف يخلق أسطورته ويعلمنا من أحاديثه عن الكتابة وتناول الأفكار أن نصنع نحن أيضًا أسطورتنا..










