إصبع بدّال

محمد ممدوح

الدرّاجة صغيرة، تآكل لونها الأزرق في بعض أجزائها. معقودٌ في مقبضيها شرائط ملوّنة، وفى مقدمتها شبكة معدنية سوداء اللون.

 أفتح نافذة حجرتي المطلة على الشارع؛ فأرى الدرّاجة مركونة على حائط الدكّان المقابل. يتحرك أحد شرائطها الملوّنة ببطء، وتنام البقية متعبة حتى توقظها لسعة الشمس.

يتعارك الولدان على ركوب الدرّاجة. تضربهما الأم فيعلو صراخهما الحاد، تقسم أنهما لن يلمساها لمدة أسبوع، ثم تقبض عليها بيديها الكبيرتين وتقذفها فى جوف الدكّان .

يترك الصراخ دوياً في أذني كأثر قنبلةٍ أُلقيت للتو. ألعن خالى الطيب الذى أجّر الدكّان لأبَوَىْ ولدين لم يتجاوز أكبرهما التاسعة. تقل حركة البيع عند الضحى، فتنام الأم قليلاً لاستيقاظها فى السادسة صباحاً. ألمح عبر نافذتي الكبيرة جسدها الشهىّ مفروداً خلف الفاترينة، ينحسر جلبابها عن سمّانة ساق خمرية اللون تنتصب برغبة عارمة تغلى جسدي بالشهوة. أضع الكتاب جانباً وأتمدّد بطول “الكنبة”؛ أنتهى سريعاً لأسمع ضحكتها الأكثر إغواءً؛ فأشعر بالخجل والذنب. أُغلق النافذة وأنسحب لداخل البيت.

ينتهى الأب من عمله ويحضر فى الخامسة مساءً ليجد الأم تبيع شيئاً، والولدان، أحدهما يذاكر على وسادة، والآخر أنهى واجبه ويلعب فى الشارع. أيام الإجازات يتواجد طوال اليوم، يتناولون الطعام معاً، يثرثرون، ويحصون البضائع الناقصة فوق الأرفف، لكن الأب يُذكّرهما دائماً بعدم خروج الدرّاجة من الشارع.

سحبَ الولد الصغير الدرّاجة حتى نهاية الشارع الذي أُغلقتْ أبواب بيوته وخلا من المارة. بعد دقائق، استيقظ الأب على بكاء الولد. واستيقظتْ أمه فى حُلمي الذي نامت فيه معي فوق الكنبة، على صراخ الولد وأبوه يضربه لضياع إصبع البدّال الأيمن، فخرجتْ من بيتنا بعد قضاء حمّامها الثقيل، وكانت أمي تأذن لها باستعمال حمّامنا دون تردُّد.

قال الولد، إنه بعد خروجه من الشارع فقَدَ توازنه أثناء القيادة فارتطم البدّال بحجر ووقع إصبع نسى إحضاره معه. ضربتْ الأم الولد الأكبر لأنه لم ينتبه لأخيه الأصغر وأمرته بإحضار الإصبع، لكنه لم يجد شيئاً. حُرمَ الاثنين من ركوب الدرّاجة لعشرة أيام، ظل الأب خلالها يبحث عن إصبع بديل في درّاجات معطوبة، أو عن بدّال كامل فلم يجد.

رأيت الإصبع مربوطاً من طرفه فى حبل يحرّكه صبي فوق رأسه كمروحة مستمتعاً بصوت حفيف الهواء، ليقذفه سريعاً فى خط مستقيم؛ فيهشّم جزءاً من زجاج نافذتي، حيث أجلس خلفها أرقب الشارع فى يوم ٍ حار أُغلقَ فيه الدكّان. ابتسمتُ للصبى الذي فرّ مذعوراً، ساحباً الحبل والإصبع ينجرُّ خلفه على تراب الشارع.

أحد أصدقاء الصبي أخبر الأم أن الأخير يلعب بإصبع البدّال “لسان العصفور”، التى يهزمه فيها بالغش، فتركتْ الدكّان وذهبَتْ للصبى لتجد معه قطعة جلد من إطار سيّارة؛ فنقَلَ اللعبَ، بالإصبع الذي خبّأه جيداً، لشوارع بعيدة.

عاد الولدان للعب بالدرّاجة.

يترك الولد الأكبر لبنتٍ تكبره الدرّاجة لتقودها مسافة قصيرة لاتتخطّي بها الشارع، يقع بيتهم بالقرب من الدكّان. ضحكِتْ عندما رأت كف البدّال ناقصاً إصبعاً، قالت: “ناقصه سِنّة”. يترك أخيه الأصغر يركب فى المقعد خلْفَ البنت، فالولد الأكبر كان يفقد توازنه عندما يركب أخوه خلْفه.

حاولتْ البنت تجاوز الشارع عندما لوّح لها صبي اللعبة، فأمسك الولد الأصغر بالمقعد الخلفي لإيقافها وصرَخ، خرجَتْ الأم والولد الأكبر من الدكّان. أمسكتْ البنت من ذراعها ودفعتها بعيداً، ثم رفعتْ الدرّاجة عالياً وألقتها أرضاً وهى تسب وتلعن. تلك اللحظة رأيت منبت ثدييها من طوق جلبابها المفتوح، وضعت الكتاب الذى أقرأه جانباً وتمدّدتُ بطول الكنبة أسفل النافذة لأنتهي سريعاً، ولأسمع دوّى غلق باب الدكّان الحديدىّ.

دقائق، وظهَرَ صبية لم أرهم قبل ذلك يتعاركون على إصبع البدّال بالقرب من نافذتي، لم يزعجنى صراخهم مكتفياً بمشاهدتهم، وفجأة قذف أحدهم بالإصبع فوق سطح بيتنا وفروا هاربين.

في الصباح، ناديتها عبر النافذة، قلت إنّ الإصبع فوق سطحنا إذا أرادت أخذه. ابتسمتْ، وفتحتُ لها باب بيتنا لتصعد.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع