حاتم عزام
عاداتي في أيام الفراغ: الجلوس في كافيه درة النيل، آخذ كرسيًّا عند سوره الذي لا يتجاوز نصف متر، ويبعد عن شاطئ النيل المسافة نفسها، فأصطاد السمك وأنا أشرب قهوة فرنساوي، وأستمع إلى أغاني أم كلثوم وعصام صاصا ومشروع ليلى بسماعة أذن، ومن حين لآخر أنظر إلى السماء المتشحة بسواد وقور، والقمر الزاهي، والنجوم الراقصة التي بحجم وسطوع النور المنبعث من القريب منها والبعيد، فأفاضل بينها.
أي جلسة من جلساتي تلك كان لا بد أن يعكرها شيء ما: شاب لا يريد أن يدفع الحساب، أو شخص يسب صديقًا تأخر عليه، أو زبون ينادي منذ ساعة طالبًا نارًا لحجر المعسل الذي احترق، ولكنه يصر على اعتصاره، أو نادل يطرد زبونًا يريد أن يشاهد المباراة في دوري أبطال أوروبا بدفع ثمن الكرسي فقط، دون أن يطلب ما يُشرب أو يؤكل.
أما اليوم، فقد عكر الجلسة شيء يختلف عن تلك الأشياء تمام الاختلاف، وبه من قلة الذوق وعدم الاحترام وسوء التقدير ما لا يحتمل. في المنتصف، عند السور، يجلس شابان، أحدهما يُري هاتفه للآخر ويضحكان. قلت في نفسي إنهما اتخذاني محتوى، يصورانني ويضعان صورتي على فلاتر سناب شات. والحقيقة أن قعدتي تلك، لو اطلع عليها أي أحد من قريتنا، لضحك عليها، ولربما يفعلان ذلك لكي أترك لهما مكاني بجوار الحائط لكي يأخذاه ويستندا إليه. المهم أنني كتمت صوت سماعة الأذن، ولكني لم أخلعها، وظللت أمثل أني أستمع إلى الأغاني، حتى قال أحدهما ضاحكًا:
«كافر».
فرد عليه الثاني بضحكة أعلى:
«إرهابي».
كنت على وشك سؤالهما عن مقصدهما، وعلامَ يدور حديثهما، ولكني نأيت بنفسي عن الخوض فيما قد يسوؤني؛ فلربما هو أمر يضحكان به مع أصحابهما، ولربما لعبة يلعبانها عليَّ، ومن يدري ماذا في عقلهما؟
أشحت برأسي إلى الخلف، أستكشف حال المكان وحركته وزبائنه، فوجدت الناس يتهامسون جماعات جماعات. تيقنت أن هناك شيئًا يعلمه الجميع، وأنا فقط الذي أجهله. قال رجل ممتعضًا:
«منشور على فيس بوك يفعل كل هذا؟»
ورد صاحبه:
«وبسبب منطقة السناتر أيضًا!»
يقصد سناتر الدروس الخصوصية، فمنطقة مجمع المدارس أكثر منطقة تقع فيها خناقات، وتُهَيَّج فيها الخلافات، وتُثار فيها المشاكل، دونًا عن مناطق قريتنا الثمانية والعشرين الموزعة على اثني عشر حيًّا، بل إن الخلافات التي تثيرها تبدأ مع اختلاف الناس في اسمها واسم الحي الذي تتبعه.
فالعجائز يسمونه حي الجمعية، قاصدين بذلك الجمعية الزراعية التي أُغلقت منذ عقود، وهُدم جزء من مبناها، فصارت خرابة يرتع فيها بائعو المخدرات وشاربوها، ومن وقت لآخر نسمع أنهم وجدوا بداخلها ملابس داخلية رجالية وحريمية.
أما من تخطوا سن الشباب بتجاوزهم سن الثلاثين، فيفرضون ذوقًا وعرفًا على من لم يتجاوزوا سن الخامسة والعشرين ولم يتزوجوا، أن ينادوهم «يا عم فلان». فيسمونه حي الملعب، أي ملعب كرة القدم، النشاط الوحيد الذي يتّحه مركز شباب قريتنا، وذلك طبعًا بتأجيره الساعة بمئة جنيه. ورغم أن الملعب أقدم من الجمعية الزراعية، فإنهم لم يسموا الحي باسمه إلا بعدما تحول من ملعب ترابي إلى ملعب ترتان بعوارض حديدية وشبكة فوقية وسياج جانبية.
والمراهقون يسمونه حي السناتر، هادفين من وراء ذلك إلى إثارة أنفسهم وإثارة الآخرين باستدعاء الجو الذي يُعاش بين الأولاد والبنات داخل السناتر التعليمية الأربعة التي حاصرت المدرسة الثانوية الوحيدة. ويطلق الكبار هذا الاسم على الحي والمنطقة استهزاءً بهذا الوضع.
لكي أعرف ما حدث، فتحت هاتفي ودخلت على مجموعة القرية في فيس بوك. تجاوزت منشور سوبر ماركت أبو كريم الذي يعلن أخيرًا عن توفر البيض البلدي واللبن والجبنة الجاموسي، وتجاوزت منشور مجمدات الحلال الذي يعلن عن الافتتاح والتخفيضات على المنتجات، مثل البانية والكبدة والسمك والجمبري، وتجاوزت منشور الحاج محمد الذي يخبر الناس بأن عجلة صغيرة من بهائمه تاهت في القرية، ومنشور الرزق على الله الذي يعلن عن مشروعه الصغير: خبز العيش البلدي في الفرن الفلاحي مقابل 300 جنيه لكل 25 كيلو من الدقيق…
حتى قابلني منشور للشيخ محمود علون، محفظ القرآن، مكتوب فيه:
«ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» (صدق الله العظيم).
أما بعد، لقد مررت اليوم، يا أهل البلد، بمنطقة المدارس، فرأيت ما لا يجعلنا الله منه ولا يجعلنا منه، رأيت فتيات في ملابس ليست بملابس تبرز مفاتنهن، وتُعرِّي شعورهن وأقدامهن، يقفن ضاحكات مازحات، وهواتفهن التاتش في أيديهن أو على آذانهن. وما أُسُّ الضياع الذي نسمع، والخراب الذي نرى، والدمار الذي نعيش، إلا تلك الهواتف المبرمجة التي يبثون من خلالها ما يبثون، مستهدفين منها تدمير أمتنا. ألا، شبابنا، فإلى أين يذهبن؟ وماذا يتعلمن؟ ولماذا نرسلهن إلى مكان لا نأمن عليهن فيه؟ فمن تطيق رقبته منكم أن يُعلِّم ابنته باستقدام مدرسة خاصة في بيته فليفعل، ومن لا يطيق فليحفظ بيته، ويستر عرضه، ويعفي نفسه من السؤال».
أنا أعرف محمودًا جيدًا، بحكم أنه في مثل عمري، وجمعنا ملعب كرة القدم كثيرًا. كان يحكي لنا عن مضايقته للأستاذة في المعهد الديني، بحضوره بالشبشب، وبدون أن يغسل وجهه أو يمشط شعره أو يصطحب كتابًا أو كشكولًا. وفي الصف الثالث الثانوي تمكن من تجاوز ثلاثة عشر ملحقًا موزعة على المواد الشرعية والعربية والثقافية بنسبة 54٪، دخل بها كلية دراسات عربية وإسلامية، ورسب في أول سنتين، فقرر أن يدخل أي معهد من المعاهد المعتمدة من المجلس الأعلى للجامعات، لكي تقل مدة تجنيده من سنتين إلى سنة واحدة، ولكن أبوه لا يقدر على مصاريف المعهد التي تتجاوز 12 ألف جنيه في السنة.
فصار يتردد على المسجد القريب من بيته، وتعرف على شيوخ الاعتكاف الذين يتركون بيوتهم وأولادهم وقراهم ومدنهم، ويحطون في أي مسجد، في أي قرية أو أي مدينة، يقضون فيه ما شاء الله لهم أن يقضوا، فيسيحون في الأرض بعد صلاة العصر، مذكرين صغار الشوارع، وشباب النواصي، وسائقي التكاتك، بزوال الدنيا، ووحدة القبر، واليوم الآخر، ويودعونهم بعدما يؤكدون عليهم أنهم ينتظرونهم في المسجد بعد صلاة المغرب أو العشاء، لعقد حلقة تعليمية يقرأون فيها شيئًا من رياض الصالحين، أو يحكون فيها عن مكارم الأخلاق في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، مثل الصبر والرضا والرحمة والإيثار والعفو وما إلى ذلك.
أطلق الشيخ محمود لحيته الخفيفة، فبدت شعيرات ذقنه المتفرقة كأنها نجيلة طبيعية مهملة، وخرج مع فريق اعتكاف قريتنا لأول مرة لمدة ثلاثة أيام في الإسكندرية حتى لا يمل. أخذ معه طقمًا داخليًّا وطقمًا خارجيًّا وجلبيتين وفرشة نوم ومخدة وخمسين جنيهًا، ولأنهم يتشاركون المال، فقد أكل بالخمسين جنيهًا هذه لحمًا وطبيخًا طوال أيام الاعتكاف الثلاثة، غير ما يقدمه فريق اعتكاف المكان المضيف وأهله ورواد المسجد من فاكهة وكنافة وجلاش وجاتو وخبز فلاحي وبيض ولبن وجبنة. واقتصر دوره في زيارة أهل المكان على مصاحبة الشيوخ.
وفي المرة الثانية خرج لمدة عشرة أيام، ولكنه حلق ذقنه، وفي الثالثة لمدة شهر، وفي الرابعة لمدة أربعين يومًا، وفي الخامسة لمدة تسعين يومًا. وقد بدأ يوعظ الزوار مع الشيوخ، ويسبح بمسبحة خشبية: «يا غفور» 652 مرة، من بعد صلاة العصر حتى الغروب، ولكنه عند الباب الموارب رأى نقصه وضعفه، وشعر بأنه غير راضٍ، فامتنع عن رحلة المئة والعشرين يومًا.
وقد حاولوا إقناعه بأن الدخول بالنقص، به الاعتراف به، وكلما اشتدت رؤيتك له واعترافك به، اشتد الوصل وتعمق القرب، ولكنه أصر على أن ما يشتد داخله هو الإحساس بالنفاق والخداع والانحباس في الذات والانسحاب، وودعهم وودع حلمه بتأسيس طريقة جديدة لا تتميز بالزي والطقوس، بل تهجر كل ذلك، وتتميز بالجمع بين الباطن والظاهر، بين حلقة يذكر الله بها بذاته، وفعل يذكر الله به بالعمل، مثل انتشال طفل مهمل من قبضة شياطين الشوارع وتعليمه، فيذكر الله بنفعه للناس من خلال عمله، ويذكر الله بذاته.
أطلق الشيخ محمود لحيته من جديد، وحفظ القرآن، وأخذ العلوم الشرعية من الشارع ومن الإنترنت. المهم هنا أنه أخذها كما يُؤخذ القرآن، بـ«السماع والتلقين»، وجعل يحفظ الصغار والكبار القرآن والآداب العامة والأخلاق بالقرآن والسنة والسيرة.
فتحت التعليقات، وقابلني أول ما قابلني تعليق من ربنا يحفظ بسنت وقمر وضحى وزياد أخوهم:
«ربنا يبارك فيك يا شيخ، والله قلت ما على لساني، وهذا ما أفعله مع بناتي، فلا أدع واحدة منهن تمسك هاتف».
وقال الشيخ زكريا:
«نفع الله بك يا شيخ، والله ما تبقى هذه الأمة ولا تنهض إلا بأمثالك».
وقال البروفيسور لبيع وشراء وتصليح جميع أنواع الهواتف: أبو، وريلمي، وسامسونج، وآيفون:
«ربنا يفتح عليك يا شيخ، وأنا عن نفسي أساعد بحجب أي موقع أو برنامج في الهاتف عن أيدي المستخدم».
وهذا التعليق من البروفيسور حصل على 84 إعجابًا، أضحكني لسبب أجهله.
وقالت «أنا مريومة»:
«طيب، هل من الصح أن نأخذ العاطل بالباطل؟ طيب، هل يصح تشويه سمعة كل البنات؟ أنا بصراحة تعبت؛ دروس الإنترنت مملة وبلا فائدة، ودروس البلد معاكسة وقلة أدب، ونزيد عليهم تشويه سمعة؟ نحن نقف كما ترانا، وكل واحدة مسؤولة عن نفسها، لأن بين الدرس والدرس ساعة أو أكثر، والسنتر لا يتركنا نقف بداخله منعًا للتكدس، إلا إذا اشتريت من الداخل أندومي أو باتيه، وبأسعار سياحية. نشتريه بضعف السعر حرفيًا».
وقال معرض حسانين لإطارات السيارات:
«أنا من سكان هذه المنطقة النجسة. والله العيشة فيها ابتلاء بكل معاني الكلمة، ولولا أن الواحد يمسك نفسه لجاب مئة قتيل في اليوم. منذ الصباح وحتى المساء المكان يغلي بالبنات والشباب للدروس ولغيره، ويأتي عليهم شباب التوكتوك والموتوسيكل أبو شخرة، يدخنون المخدرات ويعاكسون البنات، وكأننا في بولاق، حتى كرهنا التعليم ومنعنا بناتنا عن المدارس والدروس، وحجزنا صغارنا حتى لا يدهسهم عقل غائب. وإذا مشيت في أي شارع من شوارع منطقتنا، وجدت ولدًا وبنتًا يسيران معًا، وكأننا في الزمالك».
وقال الأستاذ مصطفى عماد، الذي بعدما خرج إلى المعاش من التدريس جعل البدروم والطابق الأرضي من عمارته سنتر النبغاء:
«أتفق معك يا فضيلة الشيخ، ولكن هل يعقل أن ينجرف كل سكان المنطقة هذا الانجراف، يكسرون حائط غرفة من بيوتهم ويفتحونها إما سوبر ماركت بعربة إندومي وعربة آيس كريم، أو مكتبة لبيع الكتب الخارجية والملازم والمذكرات؟ ولا تنسَ ما يسمونه بالكافيه. في منطقة واحدة، وبعيدة كل البعد عن النيل، يكون فيها أربعة كافيهات! تستقبل طلاب المدارس المراهقين، وتتيح لهم الشيشة والقمار بلعب الدومنة والبلياردو والبينج بونج والبلايستيشن!»
وقال مجهول الهوية بصورة تمساح:
«يا شيخنا الفاضل، إن المدرسين، لكي يعفوا أنفسهم من حرج إعفاء الطلاب الأيتام وغير القادرين، انضموا إلى السناتر؛ فهي تتكفل بجمع الاشتراكات، ومنذ اليوم الأول من الشهر يرفضون دخول الطلاب. وقد فعلوا هذا مع ابنتي وطردوها. وأنا، والحمد لله، ميسور الحال، اتصلت بمدير السنتر، فقال لي: هذه تعليمات المدرس. فاتصلت بالمدرس، فقال لي: بهذا نظلم السنتر. وإذا أنكر أحد، فأنا مستعد للمواجهة.
ولكي يكمل الأساتذة الأفاضل واجبهم، فإنهم يأخذون إجازة بنصف المرتب، لكي يبدأوا الدروس منذ التاسعة صباحًا، والسنتر يجبر الطلبة على تصوير الورق وشراء المذكرات والملازم والكتب الخارجية.
وأما الخطة الجهنمية للسنتر، فهي تشغيل عمال تصوير الورق وبيع المشروبات والمأكولات كمدرسين؛ فيأخذون نسبة جلوس الطالب في السنتر، عشرين جنيهًا، ونسبةً من الذي جعلوه مدرسًا، نصف ثمن الدرس. وهؤلاء يسرقون الملازم من الإنترنت ويطبعون عليها أسماءهم. فهناك واحد لم ينجح في الثانوية يدرس الجغرافيا، وآخر لم ينهِ كلية التجارة يدرس الفيزياء، وثالث خريج تربية رياضية يدرس الفلسفة، والأخير كان يعلن في بداية السنة الدراسية عن مواعيد دروسه، واضعًا نفسه بالفوتوشوب في صورة الفلاسفة، ومعلنًا عن نفسه بأنه خرج من تحت يديه السنة الماضية أوائل دخلوا كليات القمة: كليات الاقتصاد والسياسة، والألسن، والشرطة».
وقال الأستاذ رفعت سعيد:
«من يعيب على المدرس أولًا، عليه أن يعيش عيشته ويرى ما يراه. الشباب والبنات على السواء بهم وقاحة وسفالة لا توصف. لم يروا تربية بجنيه واحد. يجلسون على مسطبة الحمامات وهم يدخنون السجائر والحشيش، ويشربون استنج، ويعاكسون البنات ويتحرشون بالمدرسين. وفي الفصل، إذا بدأت تشرح، يصرخون ويخبطون، وإذا أعطيتهم ظهرك، حذفوك بالبيض والحجارة. والبنات تسمع منهن ألفاظ قبيحة كالغجر، ويتحدثن معك باندفاع وبلا تحفظ، ويقفن على السلالم وفي الفصول، يحركن شفاههن وأجسادهن على أغاني المهرجانات ويضعنها على تيك توك. فإذا كان الأولاد والبنات لا يريدون أن يتعلموا، وأهلهم لا يريدون أن يهتموا بتعليمهم، فنحن نريد أن نعيش».
وقع عيني على اسم صاحب التعليق التالي، محمود الروش، فعلمت فورًا أنه الطرف الآخر الذي انعقدت به المشكلة.
نجح في الابتدائية كما نجحنا جميعًا؛ كتبوا له الإجابات في ورق الامتحانات. وفي الإعدادية، تسلم الحاج خولي، مقاول الامتحانات، مهمته؛ يأخذ من ولي أمر كل طالب مئة جنيه لكل امتحان، مقابل غداء للمدرسين القادمين من خارج القرية. وهو لم يكن يدفع لأمناء الشرطة الذين يؤمّنون، لأنه على صلة بهم، فهو أكبر مخبر في قريتنا، ولم يكن يشتري شيئًا للمدرسين، لا فطارًا ولا غداءً ولا سجائر، بل كان يهددهم فقط بالطلبة وأهلهم وأقاربهم وأهل القرية، مشتغلًا على أن المدرسين أغراب.
ورغم كل هذه التسهيلات، فمحمود كان يجلس أمام ورقة الأسئلة، وفي يده ورقة الإجابات، ولا يدري ماذا يكتب وأين. فوصى عليه أبوه أكثر، لكي يقف بجواره مدرس ويخبره أي إجابة تُكتب في أي سؤال. ونجح الروش، ولكنه أحزن أباه، ولم يحصل على مجموع الثانوية، فدخل مدرسة الصنائع القابعة في المركز.
لم يكن يذهب إلى المدرسة، ولم يكن يذاكر، فقط كان يدفع مصاريف السنة الدراسية وفوقها ألف جنيه، ويحضر في الامتحانات إذا سمحت ظروفه بذلك، وينجح.
وفي آخر أيام الامتحان، يتجمع شباب كل قرية في الحوش، وينصبون عركة، والقرية التي تنتصر وتفرض سيطرتها، يقف أبناؤها في الحوش ويصرخون: «الساحة دي بتاعتي وأنا اللي راكبها».
وقد قُبض على الروش خمس مرات، بعدد سنوات الدبلوم، في قضايا بلطجة وتحرش، وقد أخذ ضربة مطواة من وراء عينه حتى ذقنه.
وكل يوم، في الساعة الثانية عشرة ليلًا أو بعدها، يكتب منشورًا على جروب القرية، أو بالأصح ينقله، لأنه لا يعرف القراءة والكتابة، عن حقوق المرأة، مثل معاملة الزوجة معاملة حسنة، ورعايتها، وملاطفتها، واحتواء البنات والاهتمام بهن.
وهو من الشباب الذين يذهبون عند السنتر لمعاكسة البنات، وإذا سأله الطلاب وأهل المنطقة عن سبب قدومه، يجيبهم بأنهم يبحثون عن عروسة.
والحق أنه رجل لا يعيبه شيء، كان يدفع مصاريف الدبلوم من عرق جبينه، فهو يعمل سائق توكتوك منذ أن كان عمره خمس سنوات، ويجلس على مخدة لكي يرى الطريق.
وقال:
«مساء الخير يا شيخ. أولًا، أتفق معك فيما يخص مشاكل الهواتف والفضائح التي تحدث بسببها ولا يصدقها عقل، وأتفق معك في أننا صرنا لا نأمن عليهن في قريتنا بسبب عرض الموتوسيكلات والتكاتك قدام المدرسة والسناتر، ولكن التعليم مهم وضروري لكل إنسان. يمكننا أن نكتفي لهن بهاتف قديم بأزرار للاطمئنان عليهن، ونكتفي لهن بالثانوية، فيحصلن على ما يفتح عقولهن، ويعينهن على التعامل مع الأشخاص والمواقف والحياة، ومراجعة دروس الأولاد وقضاء وقت أكثر معهم، وذلك أفضل من الأمهات اللاتي يرمين أبناءهن في الشوارع منذ طلعة الصباح حتى الليل».
رد عليه الشيخ محمود قائلًا:
«أولًا، اسمها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد رأيت من تحيتك دخانًا عرفت مصدره من كلماتك».
«لم نسمع أن في “صباح الخير” تحريمًا إلا عند المتشددين والإرهابيين».
«لا يوجد بها تحريم، فقط بالأولى ننتمي لأمتنا، يا ناب الاستعمار، يا ذنب الانبطاح، يا ببغاء الانهزام، يا كافر».
«ردي عليك عند الحاج دبور أبو دبور. سأبعث له بخمسين ألف جنيه لأطلبك في ميعاد».
«بعثت له بمئة ألف، وأريد أن أرى أي رجل يحترم نفسه ودينه، ويرضى أن يجلس لك في جلسة عرفية، وأنا أطلبه في ميعاد!».








