أوجه عديدة للموت: مثلث القمع النفسي

radwa alaswad

عزة سلطان

تشهد الكتابات النسوية حضورًا لافتًا، فقد ظهرت الكثير من الأصوات لتعكس معاناة المرأة بمعالجات مختلفة، وقضايا إنسانية تتشابه عبرها كل النساء في أي مكان، فتصير الكتابة حالة من البوح الذي يُذيب الحدود والاختلافات الاثنية والعرقية واللغوية، فيصبح ما تواجهه النساء في رواية “عشر نساء” للروائية التشيلية مارثيلا سيرانو، مشابها لما تعانيه بطلة “أوجه عديدة للموت”، للروائية المصرية رضوى الأسود وقد صدرت الرواية عن دار العين في مطلع 2025، فالرواية بمثابة شهادة على معاناة المرأة من أجل إثبات ذاتها في ظل هيمنة الذكورة، سواء في الحب أو الأسرة أو المجتمع، الأم الغائبة عاطفيًا، والأب البارد، والحبيب الأناني؛ كلهم يكوّنون مثلث القمع النفسي الذي تواجهه البطلة في إعادة تفكيك لصورة الأمومة التقليدية، وطرح تساؤلات نفسية وفلسفية تعيد مناقشة مفهوم العلاقات والمشاعر، “لم أرَ في الأمومة سوى جفاف المشاعر.. أرض قاحلة عاجزة عن الإثمار” (ص44).

من الموت بداية جديدة

تأتي الحادثة والوقوف عند الحافة بين الموت والحياة هي لحظة بدء السرد، حيث تحرص رضوى الأسود في أعمالها أن تلعب حيلًا سردية متنوعة ففي روايتها “أوجه عديدة للموت” التي يمكن أن تصنف كرواية نفسية بالدرجة الأولي، تبدأ من النهاية صانعة حالة التشظي وكاسرة للزمن الخطي المعتاد في بنية السرد، حيث تبني حبكتها على بنية دائرية تقوم على الاسترجاع والتفكيك وإعادة بناء المعنى من خلال الوعي الداخلي للبطلة.

 تلعب التكرارات والأنماط اللغوية في هذا السياق، دورًا مهمًا في ترسيخ التيمة الأساسية وهي حالة الألم والمعاناة مؤكدة على فقدان الذات بفعل الحب والخيانة والخذلان، وتوظف الأسود تقنيات ما بعد الحداثة لتفكيك تصورات سابقة عن الحب والهوية، وهي تصورات نمطية لأشكال الألم والمعاناة، وتبقى طريقة المعالجة والسرد لتصنع خصوصية للنص، فتبدو الرواية وكأنها ذاتية تنطق بلسان امرأة تحاول أن تكتشف وجودها من خلال الفقد، تستخدم الكاتبة صوت البطلة موجهة خطابها إلى الحبيب الغائب، بوصفه المخاطَب الأوحد، مما يخلق بنية خطابية متماسكة ترتكز على المونولوج الداخلي والاسترسال، مع نفي شبه كامل للحوار الخارجي، وهو ما يعزز البنية الذاتية للنص، “لقد ضاعت كينونتي، إحساسي بنفسي وبكل ما يحيط بي” (ص17)؛ وهو تعبير عن سقوط الذات في هوة من الفقد، لكن المونولوج الداخلي كحالة سردية مستمرة يمكن أن ينتج عنه ملل قد يتسرب للقارئ، خاصة أن التشابهات في الفقد قائمة، والحكايات تُعيد إنتاج نفسها دومًا، بحيث يتماس الواقع مع الخيال، وما يأتي في سرد روائي يوازيه حدث في الواقع.

شخصيات هشة متعمدة

لا توجد شخصيات حاضرة بوضوح في هذه الرواية، فكل الأحداث تأتي كحالة من التداعي عبر ذكريات وحوار داخلي لامرأة ممددة على الحافة بين الموت والحياة بعد تعرضها لحادث “أنا التي فقدت ذاكرتي وكينونتي في لحظة واحدة” (ص17)، بينما تأتي الشخصيات الأخرى كظلال تبدو عبر الاعتراف الذي تقوم به الراوية فالرجل الغائب/الحبيب مجرد ظل، أو طيف يتجول في النص لا بوصفه فاعلاً، بل بوصفه محفزًا للانهيار وسبب أساسي له، تستدعيه الراوية لاجترار الألم، فيظهر عندما تتألم، لكنه في المجمل غائب، أما الأم، فبُنيت بوصفها النقيض العاطفي الكامل، حيث غياب دفء الأمومة، وتُصبح البطلة في حالة استدعاء لكل ما يؤلمها، وكأنها تُعذب ذاتها وروحها كما يتعذب الجسد، فتقدم الراوية حالة من إيلام الروح موازية لحالة الألم التي يمر بها الجسد الممد على الفراش.

 يُلاحظ أن رضوى الأسود قدمت شخصيات ثنائية البعد تُحكى من زاوية واحدة وهي الراوية، وقد يبدو ذلك متوازنًا مع نمط البناء السردي الذي اختارته، لكنه يقدم في المقابل شخصيات هشة، ونمطية في تصوير الجنسين، مع تضخيم لصورة المرأة كضحية.

صُنعت هذه الشخصيات من واقع مأساة البطلة التي تعاني من الموت المتنوع، وتبرز الشخصيات ببنية عكسية، كل شخصية تُبنى بالانعكاس على البطلة، الأم في برودها، الممرضة في تجاهلها، حتى الذات المتكلمة، الجميع يؤكدون الألم حيث الجسد عاجز، والعقل نشط، والذاكرة تعمل، لا تعتمد الكاتبة أسماء للشخصيات فهي مجرد ظلال، وأدلة على التوتر مع الحياة.

الصوت: مونولوج داخلي

الرغبة في اجترار الذكريات والتعبير عن العمق الداخلي يتم عبر الصوت الشخصي، ولذا جاء اختيارًا أساسيًا أن تكون الرواية بضمير المتكلم، حيث تستخدم الأسود صوت البطلة بضمير المتكلم كاختيار ملائم لمعالجة فكرتها، فالأحداث عبارة عن ذكريات في عقل البطلة التي تقع بين الحياة والموت حيث لا فاصل بين ما تراه وما تشعر به، وقد تبدو في بعض المواضع وكأنها اعترافات “أنا التي قد يحتار الرائي في أمري حتى يهديه تفكيره… إلى أنني ميتة فعلًا؟!”(ص 17) تؤسس رضوى الأسود لحالة من عدم اليقين والتشكيك في كل الوقائع التي تأتي على لسان الراوية فكل “أنا” تأتي متبوعة بالشك، كل “أنت” تُرمى في وجه حبيب غائب لا نعلم إن كان موجودًا أصلًا، أم أنه مجرد خيال.

اعتمدت الأسود بنية الجمل الطويلة، المتدفقة بما يناسب حالة البوح والاعتراف للنفس، تتخللها فواصل تأملية تعكس ترددًا، وقلقًا وجوديًّا، وتعثرًا داخليًّا، وهو ما أضاف سمت الرواية النفسية إلى العمل “أفتقد وجهك… لَكَمْ أغدقتَ على مسامعي كلمة ‘أحبك’ ولم تبخل. كنت تملك في جعبتك كلمات أخرى، لكن كلها تدور حولها”. (ص 17) وبرغم أن الصوت في الرواية واحد إلا أنه يتلون ويتقلب بين الحالات الشعورية المختلفة فهو مرة عاشق، ومرة ناقم، ومرة ساخر بمرارة لا تخفى.

تفطن الكاتبة إلى صعوبة أُحادية السرد فتحاول تقديم سردًا مزدوجًا عبر شخصية تحكي، وأخرى داخل الشخصية تحاكم. تقول: “كنت وسط النساء رجلًا، وكنت في حضرتكِ أنثى كاملة” (ص 52) فتلعب البطلة كل الشخصيات وكل الأصوات.

السخرية المُرّة

تتشكل السخرية عند رضوى الأسود كأداة ضرورية فهي تسخر من اللغة نفسها، وتتشكك في سلطة المعنى، وتدمج بين الواقعي والهلوسي، كما في قول البطلة: “مع كل حقنة يتحرك جسدي كله، أذَرَعُ الحجرة جيئةً وذهابًا، ومع كل حقنة لا أقوم من مكاني بسبب تعنُّت جسمي وتحديه لإرادة العقل.” (ص30).

هذا الانفصال بين الحركة والإدراك الجسدي هو انعكاس لتفكيك الحدود بين الواقع والخيال، وبرغم السخرية والتشكيك فإن الأسود تقدم بنية لغوية محكمة تتماهى مع بنية التجربة الشعورية القاسية، كما تسخر من فكرة المطلق، وتفكك مفاهيم مثل “الحب”، و”الرجولة”، و”الهوية”، حيث تقول البطلة: “كنت في حضرتكِ أنثى كاملة… وربما كانت تلك هي مشكلتي الحقيقية وورطتي الجسيمة” (ص53)، بما يشير إلى وعي نسوي ما بعد حداثي يعيد مساءلة الأدوار الجندرية.

الموت بطيئًا: الزمن والمكان كأدوات تعذيب

تبدأ الرواية في لحظة “سكون”، لحظة بين يقظة وغيبوبة، لا نعرف هل البطلة حية أم ميتة، لكنها تعرف يقينًا أنها موجودة فتقول “يجب أن أنهض الآن وبسرعة. لكن لِمَ العجلة؟! … كنت أفكر أثناء النوم، كان عقلي يقوم بعملياته الحسابية… لا أذكر يومًا أسلمت فيه جسدي أو عقلي لهدنة” (ص13-14).

الزمن في الرواية يمضي وفقًا للذاكرة، وهي ذاكرة معطلة، فتقول “الذكريات حيلة نتبعها لبعث من رحلوا… لنحييهم لنموت!” (ص21). ويأتي الزمن الماضي عبر وقائع غير مرتبة “قبل الحادث، انتُزِعَ إحساسي بكل شيء… لقد كانت ذاكرتي بأكملها، لا، بل أكثر بكثير، لقد ضاعت كينونتي” (ص17).

وكأن كل لحظة تُسترجع ليست إلا طريقة جديدة للموت، وكأن الماضي لم يكن يومًا حنينًا، بل مقصلة.

أما الزمن الحاضر فهو زمن محاصر، ليس الحالي، زمن لا يتحرك، معلق بين غيبوبة الجسد واستفاقة الروح. تقول البطلة: “أنا التي قد يحتار الرائي في أمري حتى يهديه تفكيره إلى أنني بالفعل ميتة؟!” (ص17).

أما المستقبل فهو الغائب الأكبر. كأن الكاتبة تؤكد أن المستقبل قد أُغلق، أُطفئ، لم يعد سوى ظلٍّ مشوّه للاحتمال. حتى حين تشعر البطلة بتحسن جسدي طفيف، لا تتخيله مستقبلًا، بل تتشكك فيه، تسخر منه، “أفكر في ردة فعل الممرضة حين تراني مفتوحة العينين! لا أعلم لِمَ بي حاجة لذلك؟!” (ص41).

وكأن استعادة الزمن لا تعني استعادة الأمل، بل استعادة الرغبة في إحداث صدمة أخيرة للآخرين.

الرواية تُجرد الزمن من امتداده التقليدي ونموه الخطي، وتجعله يتمدد داخل الذات، ويتحول إلى أداة تحليل نفسي.

أما المكان في هذه الرواية فيُبنى بالغياب حيث الأمكنة لا تُذكر بوصفها معالم، فالمستشفى المكان الواضح داخل الرواية لا يُقدَّم بوصفه مكانًا للعلاج، بل كحالة للضعف الإنساني، البطلة الممددة على السرير، لا ترى المستشفى كما يراه الآخرون، بل كجهاز لتكبير الشعور وانكسارات الروح.

بينما في لحظة لاحقة، تنقلب الغرفة إلى مجال للهلوسة الحسية: “يرفض الجسد الامتثال له! مع كل حقنة يتحرك جسدي كله، أذرع الحجرة جيئةً وذهابًا، ومع كل حقنة لا أقوم من مكاني”. (ص 17)

ويأتي البيت الذي يُفترض أن يكون رمز الأمان، ليُصبح شاهدا على الهدم الداخلي، “في الطفولة، كان بيتنا عاديًّا، وفي المراهقة، كان حزينًا، وحين رحل أبي أضحى بيتنا هَرِمًا… تهدَّمَت جدران البيت. نعم! أعترف الآن… أصبح البيت أثرًا بعد عين”. (ص 232)

الحيز المكاني في الرواية لا يُفهم إلا من خلال من صاحَبنا فيه، وهو ما تُعمّقه جملة أخرى: “نحب الأماكن ونكرهها ليس لذاتها، ولكن للشخص الذي صاحَبَنا فيها”. ص (256)

لا تكتب رضوى الأسود مجرد رواية ولكنها تقدم اعترافًا بمعاناة امرأة، مستغلة في ذلك الحيل السردية المتنوعة، وتفكيك الفقد والانكسار، لتقدم وجهًا آخر وبوحًا تتلاقى عبره النساء، وحتى الرجال، فإن كانت الرواية عبر صوت امرأة ألا أن الحالة الشعورية عبر الرواية هي إنسانية بالدرجة الأولى.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع