أنا هنا، حتى لو داسني الجميع

marwan yasseen

مروان ياسين الدليمي

1-

المدينة

مثل قطة عجوز

تكره الضجيج المفاجئ

تكره ارتعاش الضوء فوق الإسفلت

تكره نبرة لا تعرفها

نغمة لم تدرب أذنيها على سماعها.

فكان عليّ أن أتهيأ لموتٍ آخر

كلما سمعتُ صوتاً يخرج من فمها .

 

المدينة

تُحب الأصوات التي تشبه صوت مفاتيحها الصدئة

الطرقات التي تُعاد رسمها كل يوم باللون نفسه

القهوة التي تُسكب بنفس الرتابة

الأحاديث التي لا تُخيف أحداً.

أما حين يجيء الصوت حاداً

مشتعلاً

مثل سكين تشق قشرة الخشب

مثل أظافر تخدش بلور النوافذ

تبدأ بإطفاء مصابيحها.

تطفئها واحداً واحداً

كما تطفئ الأم شموع العيد حين يطول الليل.

تغلق الأبواب

تخفض الستائر

وتضع يدها على قلبها

كأن القلب فضيحة يجب أن تُخفى.

2-

أعرف هذا جيداً.

أنا الذي كتبتُ قصيدةً ذات مساء

فوجدتُ الظلال تكبر حولي.

أنا الذي عزفتُ لحنًا مالحًا

فهربت الكراسي من تحت أصدقائي

وغادروا الصالة على رؤوس أصابعهم

كأنني أصبتهم بعدوى لم يعرفوا لها اسماً.

قالوا:

إنه لا يُشبهنا

لا يشبه قصائدنا الناعمة

ولا أغانينا التي تُنسى بعد دقيقة.

 

قالوا:

إنه يعكر الصفو

يعيد فتح النوافذ التي أغلقناها

يحرك الهواء في الغرفة

حتى تتساقط الصور من الجدران.

 

قالوا:

إنه خطر

لا لأنه يحمل سكيناً

بل لأنه يكتب جملةً لا يمكن محوها بسهولة.

3-

كلما ارتفع صوتي

أحسستُ الهواء يُثقل حولي.

أحسستُ بالحجارة الصغيرة تخرج من تحت البلاط

تتجمع تحت قدميّ

تحاول أن تعرقل الخطوات.

وكلما غامرتُ بكلمة

شعرتُ باليد الخفية تلتف حول معصمي

تشدني إلى الخلف، تهمس لي:

“أصمت

لا أحد يريد سماعك

لا أحد يريد رؤيتك وأنت تحفر في الجدار

لا أحد يحب أن تضع إصبعك في قلب المدينة وتقول:

“هذا قلب مريض، هذا قلب مريض.”

لكنني

في كل مرة

كنتُ أضع أصابعي كلها في قلب المدينة.

كنتُ أطرق بابها بصوتي

حتى تهتز النوافذ

حتى تتساقط المصابيح كثمار ناضجة

حتى يتفتت الصمت إلى شظايا حادة.

4-

المدينة لا تحب الضوء.

المدينة تخاف الضوء.

وأنا، يا صديقي، لا أملك إلا أن أكون صوتاً.

صوتاً ينزف من حلقه، حتى آخر قطرة.

صوتاً يَعرف أن الجدران صماء

وأن الطرقات تكره خطاه

وأن النوافذ ستُغلق بعد كل قصيدة.

ومع ذلك

أواصل.

أواصل لأنني لا أملك إلا هذا:

أن أُشعل المصباح

حتى لو كان العالم كله يتهيأ لإطفائه.

أن أقول الكلمة

حتى لو كنتُ الوحيد الذي يسمعها

حتى لو كانت الكلمة تُحرقني.

 

سأكتب في الهواء، إن لم يكن ثمة ورق.

سأُغني في الزوايا المهجورة، إن لم تكن هناك مسارح.

سأرسم وجهي على الجدران، إن لم تكن هناك مرايا.

وسأظل أطرق الأبواب، حتى لو عادت إليَّ كلها مغلقة.

لأنني، ببساطة، لم أتعلم أن أصمت.

لأنني، يا صديقي، لا أُجيد غير هذا الصوت.

5-

كانوا يقولون:

“دع الضوء لأهله

دع الموسيقى للذين يعرفون كيف يصنعونها دون أن تُثير الشبهات

دع الكلام لمن صارت ألسنتهم أليفة في المقاهي

لا تشوّه الهدوء بما يشبه الصرخة.”

 

لكني كنتُ أعرف

أن الهدوء كان قناعاً

أن المقاهي تخفي تحت طاولاتها قنابل موقوتة

أن الأرصفة، تلك التي تدّعي الصبر، كانت تغلي في جوفها مثل قدر مغطى.

أن الصمت في هذه المدينة ليس سلاماً

بل مجرد ستار سميك يُخبئ الخراب.

 

كلما كتبتُ جملةً جديدة أشعر أنني أضع إصبعي في جرحٍ قديم.

وكلما رسمتُ خطاً على الورق تتبدد دائرةٌ من الظل، تظهر الندوب:

شوارع مكسوة بالغبار

وجوهٌ نصفها مُطفأ

مقاعد خشبية مائلة في قاعات قديمة

أسماء كُتبت على الجدران ثم مُسحت

رسائل لم تصل

ضحكات معلقة في الهواء

وأغنيات لا يُسمح لها أن تُغنى.

6-

أنا الذي حملتُ هذه الندوب معي.

أنا الذي لا أستطيع أن أكون إلا مرآة مكسورة

تعكس الحقيقة في شظايا

تُرعب الأعين التي تخاف التحديق

وتُخيف الأيادي التي تعودت أن تربت على الكتف بخفة.

قالوا لي:

“أنت تُشبه الغريب،

لماذا لا تتوقف عن الغناء وحدك في منتصف الليل؟”

لكنني كنتُ أعرف

أن الغناء في العتمة هو الطريقة الوحيدة لئلا تتعفن حنجرتي.

أن الضوء، حتى لو كان حارقاً، ضروريٌّ كي أرى ما لم يُرَ بعد.

أن المدينة التي تُطفئ مصابيحها خوفاً من صوت

هي مدينة تُعدّ نعشها بيدها.

وأنني، حتى لو كنتُ الوحيد الذي يقف في الميدان

سأصرخ

سأصرخ حتى تنفتح نافذة

حتى يرتجف حجر

حتى يمر عصفور ويلتقط شظية الضوء الأخيرة.

7-

في الليل …حين تشتد العتمة

أُحس أن صوتي هو الشيء الوحيد الذي لا يُمكن مصادرته.

صوتي

مثل شمعة تُقاوم الريح

مثل إصبع يُشير إلى جهة الشمال

مثل نبتة صغيرة تشق الأسفلت وتقول:

 “أنا هنا، حتى لو داسني الجميع.”

أعرف أنني سأُحاصر.

أنهم سيحاولون إخمادي كما تُطفأ سيجارة قبل أن تنتهي.

لكنني لا أكتب لأبقى، بل لأحترق.

ولأن الصوت

حين يُخمَد

يترك وراءه ظلاً ثقيلاً

يسير خلف كل من حاول إسكاته

يُذكِّرَهُ

كلما أغمض عينيه

أن الصوت كان هنا.

 

شاعر ورورائي وناقد عراقي. من أعماله: رفات القطيعة، منعطف الوقت، اكتشاف الحب ـ اوراق من مدونتي الشخصية، علامات سردية روايات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع