د. حسان صبحي حسان
فيما بين المرونة والامكانيات التشكيلية والجمالية، والمزاوجة بين تجريد المعنى ومادية الرسم- تأتي الخطوط العربية لتعكس الهوية الثقافية العربية وترسخ سجلا لتجلي التاريخ والتنامي في الحضارة الإنسانية، تحقق فيه توازناً وإيقاعاً جمالياً فريداً، من خلال قوالب فنية تجمع بين(الجمال البصري والرهافة والحس والعمق الروحي-وبث الارتياحية في نفس ووجدانية المشاهد عند قراءة النص) لتسعي بذلك الخطوط لرحلة مستمرة تستهدف الكمال البصري والروحي.
ففي ثنايا الملحمة الإنسانية نشأ الخط العربي مشبعا بقيم (حضارية، وروحية، وجمالية عميقة) تحول فيها من مجرد أداة للكتابة إلى فن بصري يجسد الهوية، مرتكزاً على الرياضيات والصرامة الهندسية ومتانة النسب الذهبية والوحدات القياسية التي تتعلق بتناسب أجزاء الحرف بهدف تحقيق الإيقاع والوحدة العضوية والانسجام الشكلي، في توازن رهيف مع الجماليات الروحية، ليصبح الخط “هندسة روحانية” لا تهدف فقط للجمال، بل لتجسيد “رغبات الروح” “وتأملات الفكر” في رسم الحرف، لإضفاء إحساس موسيقي وإيقاع يمنح الحرف عمقاً تأملياً وإيقاعاً بصرياً مفعما.
من (أم المدائن، دار السلام، طَيْبَةُ ٱلطَّيِّبَةُ، المدينة المنورة) حيث فرادة المكانة وروحانية المشهد، ومن البدايات والدراسات الأكاديمية القاعدية ومرحلة التأسيس- ومن المثابرة والتمرين المستمر الي الشغف بالإبداع الخطي-ومن الشغف والتجريب والاكتشاف الي بلورة الأسلوب الشخصي-ومن التأثير والقبول الجماهيري وترك الأثر لدى الجمهور الي درجة الاجازة والتتويج–ومن اقتناص النتائج الي المعرض الشخصي الأول
فنحو تحديث محتوى الفنون البصرية وفي رحاب(أثر المدينة-ورعاية مركز المدينة للفنون)الأثنين 16 فبراير، افتتح معرض “ألم” للفنانة الخطاطة “سلطانة السديري” وبجهد احترافي مكين من القيمين الفنين القديرين(الأستاذ زكي الهاشمي-الأستاذ محمد فوزان)بغرض توثيق التجربة، وتصدير الأطروحات الفنية التي تزاوج بين الخبرة والتجديد، وتحتفي بالثراء، وتناقش ديمومة التأثير المتبادل بين الخبرات والتجارب والتواصل الفني، بعرض فني يتضمن عدد (90 عمل)مع “أمشاق” وصفتها الفنانة بأنها تدرب العين قبل اليد وتهذب الصبر قبل الجمال ومن لم يحسن الوقوف عندها لا يحسن الوصول وتلمس الأهداف.
وتأتي “سلطانة السديري” كموهبة ونبراس وأحد النماذج الفريدة في مدرسة الحروفية العربية، متفردة بأصالتها وديناميكيتها وحرفيتها، والتنوع الذي بدأ بالبدايات وتعليم أصول هذا الخط، حيث تحمل مخطوطات معرضها الشخصي جزء من “روحها وذاتها” وهو ما سما بصياغات الخط العربي في أشكاله المتعددة وأنماطه التي تتناوع بين (الكوفي، الرقعة، النسخ، الثلث، المدني) بأقلام القصب والحبر لتجسيد مرونة الحروف صعوداً وهبوطاً، وتطويع الحرف لخدمة المعنى والبعد الروحي والجمالي، ليصبح الحرف صادقا قبل أن يكون جميلا.

لقد قاد شغفها بالخط العربي والجمع بين قواعد الخط الكلاسيكية القاعدية والابتكار الفني في التشكيل-الي تدشين خصوصية يمثل الخط العربي فيها نوع من التمثيل الهادف الذي يتجاوز حدود اللغات المكتوبة، لتسطير يبوح بعاطفية الطرح والتمايز والقدرة على التدفق والنمو فوق السطح في إيقاع وجرس موسيقي مفعم، فكل حرف جميل مر يوما من هنا، ارتكن لميزان اختبر فيه مرارا حتى يطمئن.
ولأن الموهبة لا تعتمد على الفطرة فقط، بل تتطلب التدريب وصقل المهارات، استعرضت معروضات القاعة لرحله فنيه تشكلت عبر الصبر والمثابرة من خلال مجموعة من الأعمال تعرض بوصفها مسارا زمنيا ومعرفيا تتجلى فيه تحولات اليد واتساع الرؤية، وفق تسلسل يعكس مراحل التشكل الفني، حيث تتجاور أعمال البدايات مع مراحل النضوج ويتاح للزائر ان يتتبع تطور الحس الخطي من الانضباط الصارم بالقواعد الى الثقة في التكوين واتساع الفضاء البصري والتنامي التقني والأسلوبي، فكانت السنة الاولى مرحلة التأسيس (البدايات) 1443هـ”رحلة الصبر وبناء الشخصية الإبداعية” “والمثابرة والشغف الفني الأولي “عندما كان الحرف تمرينا وكان الحلم أكبر من القصبة، فالبدايات الملهمة تصنع النهايات القوية الجليلة، عبر صفحات وتمارين مستمرة تهدف للتدرج وتطوير المهارات والقدرات الإبداعية والملاحظة الدقيقة وتحرير اليد والعقل، لتسطير الحكاية وصقل الموهبة وبناء شخصية إبداعية، وبلورة الأسلوب وتلمس “البصمة الخاصة” وتوجيه الموهبة لمسار فني ناجح مستدام.
ثم السنة الثانية1444هـ سنة الانضباط والمرحلة التي تخلي فيها الحرف عن عفويته الأولى وارتدى ثوب الانضباط وصار الميزان ادق وصار الصبر أطول-ويلي ذلك السنة الثالثة1445هـ سنة الترسخ التي لم يعد فيها الحرف غريبا عن اليد، ولا اليد غريبه عن الميزان، وصار المشق واثقا، وتمثلت المسافات في أنساق محسوبة-ثم السنة الرابعة1446هـ والتي جاءت كسنه للوعي الجمالي ومرحلة اتسع فيها البصر والبصيرة، فلم يعد السؤال كيف نكتب الحرف، بل كيف نبني الجمال بحرفنا-
وأخيرا سنة الاجازة والاكتمال العلمي والتتويج في تقاليد الخط العربي 1447هـ، “عندما تتوج الرحلة” في مسار الإثمار وتلمس النتائج، واقتناص الإجازة كشهادة اتصال، وتكليل لمسار علمي وروحي متصل بسلسلة الأساتذة، وانتقال مسؤول للمعرفة واقرار بالأهلية واستحقاق رصين، وسند فني راسخ يمتد عبر الزمن من يد الى يد، ومن حرف الى حرف-هذه لحظة الأهلية حين يصبح الحرف أمانة، حيث حصلت الفنانة “سلطانة السديري” على إجازة الخط العربي من الأستاذ “عثمان طه” خطاط المصحف الشريف- والأستاذ “مختار عالم” خطاط كسوة الكعبة المشرفة-استاذ ابراهيم العرافي معلم الخط في الحرم المكي الشريف.
ان هذا التدرج يمنح التجربة بعدها الفني ويظهر ان الاتقان ثمره تراكم طويل من التعلم، كأسلوب سردي (وسياق زمني كرونولوجي) تترتب فيه المعروضات من الأقدم للأحدث لإعادة تفسير الموضوع وتوثيق تطور الرؤية الفنية والتقنية للفنانة وكيف انتقلت الفنانة من تقنيات أولية لاستخدام متقدم لعناصر الخط، بمايتيح للجمهور فهم رحلة التجريب والبحث بين محاولات البدايات لتي قد تتسم بالتسجيلية- وبين مرحلة النضج التي تمتاز بالخبرة.
…………………….
*الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد














