بسمة حسن
يبدو أن الشيء الوحيد الذي يتجدد الحديث عنه دائمًا هو العنف، فهو الأمر الوحيد الذي نجح فيه الإنسان وأثبت استمراريته وسُحقت به الإنسانية، فبينما كنت أتصفح حائط حسابي الشخصي (التايم لاين) على “فيسبوك” صادفت منشورًا لأحد الأشخاص يتحدث فيه عن فيلم ترك أثرًا سيئًا في نفسي ولم أكن أتخيل أن أكتب عنه يومًا، فهو أحد أعقد الأفلام التي شاهدتها في حياتي وأصعبها في التلقي على المستوى النفسي (Funny Games) خاصة في نسخته النمساوية الأقدم إنتاج 1997م، والذي يعد فيلمًا صادمًا لخلوه من أي مبرر للعنف قد يستوعبه العقل الإنساني ومن هنا تأتي أزمته، فهو لم يقدم حبكة رعب تقليدية تعتمد على الإثارة والتشويق تهدف للتعاطف والتماهي مع العمل وأبطاله، ولكنه كان نوعًا خاصًّا من الرعب ارتكز على نفسية المتلقي وكسر الجدار الرابع -باللغة المسرحية- التي تُفيق المتفرج من سُباته وتجعله جزءًا مشاركًا متورطًا في العمل، وتأتي قسوة الفيلم من عبثية العنف وغياب منطقه وخلو الأحداث من أي لمحة عاطفية أو دافع درامي يبرر أفعال بطليه، فالعنف هنا لا يُقدَّم بدوافع واضحة أو مبررات مقنعة بل يبدو عشوائيًّا وقاهرًا ما يزيد من تأثيره السلبي، وهذه القسوة المقصودة كان من شأنها الدفع بالمشاهد إلى الشعور بالضيق والانزعاج لا التماهي مع هذه التجربة المؤلمة.
ورغم طول المدة التي مرت على مشاهدتي له، فإن أثره ظل عالقًا في ذهني لوقت طويل بعد أن فرغت منه مباشرة، وأخذت فترةً حتى أستوعب ما هذا الفيلم الذي شاهدت؟ وما كان هدف بطليه الأحمقين؟ هل يُعقل أن تكون التسلية هدفًا وسيلته هذا العنف العبثي وهذه المشاعر المريضة الشاذة التي ألقى بها هذان المختلان عقليًّا علينا طوال الفيلم؟ كانت هذه تساؤلاتي قبل عدة سنوات، ولم أكن أعلم أن مخرج العمل مايكل هانكه ومؤلفه النمساوي Michael Haneke)) 1942م كان يتمتع كسائر المبدعين ببصيرة حادة ونظرة بعيدة لمآلات الفعل البشري وتطرفاته بحيث إنه رأي ما لم يستطع كثير من الناس رؤيته، وهو انجراف الإنسان حتمًا إلى هاوية سحيقة من العنف العبثي الذي إن بحثت عن أسباب معقولة له فلن تجدها، حتى إنه ليتحول في النهاية إلى لعبة تثير ضحكًا ومتعة مرضيين.
أدى أدوار هذه النسخة من الفيلم أرنو فريش (Arno Frisch) في دور “بول” وفرانك جيرينغ (Frank Giering) في دور “بيتر” وسوزان لوثار (Susanne Lothar) في دور “آنا” وأولريش موهي (Ulrich Mühe) في دور “جورج”.
ولمن لم يشاهد الفيلم، فقصته عادية وبسيطة ولكنك كلما توغلت فيها اصطدم قلبك بلغم الواحد تلو الآخر، بينما عقلك يتساءل طوال المائة وتسع دقائق تقريبًا ماذا يحدث؟ ولماذا؟ تدور أحداث الفيلم حول أسرة مكونة من ثلاثة أفراد زوجين وابنهما الصغير، يذهبون لقضاء إجازتهم في منزل ريفي هادئ وسط أجواء مرحة ومطمئنة في البداية، حتى يظهر شابان غريبا الأطوار يرتديان قفازات بيضاء ويطلبان من الزوجين استعارة بيضتين.
يستضيف الزوجان الشخصين الغريبين، ويتحول هذا اللقاء تدريجيًّا إلى وضع مضطرب مقلق، إذ يبدأ الضيفان في التصرف بطريقة مريبة، ثم ينتهي الأمر بفرض سيطرتهما على الأب عبر كسر قدمه إلى أن يحكما قبضتهما على هذه الأسرة الصغيرة، وسرعان ما تنقلب الجلسة لكابوس، حيث يُخضعان أفراد الأسرة لسلسلة من الألعاب السادية التي تمزج بين العنف الجسدي والتعذيب النفسي.
لا يقدم لنا الفيلم دوافع هذين الشخصين المختلين للتربص والتنكيل بهذه الأسرة التي لا يعرفون أفرادها، بل الأكثر من ذلك أنهما يتعاملان مع ما يحدث باستخفاف وهزء وسخرية دون أدنى وخز للضمير، ويبتسمان بملامح مريضة ويصدِّران لنا مشاعر قاسية ومشوهة وغير مريحة تشعر خلالها كأنك جزءًا مشاركًا من هذه اللعبة العبثية القاتلة، خاصة في المشاهد واللحظات التي كانا يتوجهان فيها إلى الكاميرا ويتحدثان مباشرة إلى المشاهد، في كسرٍ للحاجز التقليدي بين العمل الفني والمتلقي، في هذه اللحظة يتحول المشاهد من مراقب سلبي إلى طرف ضمني في الحدث، وكأن الفيلم يحمِّله مسؤولية استمراره في المشاهدة، وتحتدم قسوة ما يشعر به حينما يدرك أن ما مارساه من عنف تجاه هذين الوالدين وابنهما كان عنفًا لم يجد في العمل ما يبرره، وأن غرضه الوحيد الضحك والمتعة والتسلية، وبالتالي فالفيلم يتخذ موقفًا نقديًا من فكرة العنف نفسها واستقبالها وموقف متلقيها، وعبر هذه التقنيات كان سعي المخرج لتحريك المتفرج واستفزازه، ودفعه لحالة من التوتر المستمر، لا بسبب ما يحدث فقط بل بسبب إدراكه أنه يشاهد دون أن يمتلك القدرة على التدخل، من هنا تأتي أهمية الوعي بطريقة المشاهدة، لأنها تعيد للمتلقي دوره النقدي، بدلًا من الاكتفاء بالمشاهدة السلبية.
من هنا فالفيلم لم يسعَ لتقديم نهاية مريحة أو تقليدية، بل على العكس من ذلك ترك أثرًا ثقيلًا في نفوسنا نحن المتفرجين المتلقين لهذه الجريمة العنيفة التي تعرضت لها هذه الأسرة التي لا نعرف ما الذي اقترفته، وما دوافع هذين المجرمين لاختيار هذه الأسرة المسالمة والعبث به وتدمير حياتها الهادئة.
ورغم أن العالم يحمل تاريخًا لا بأس به من العنف، الذي كان مادة ملهمة للعديد من المبدعين السينمائيين خاصة منذ الحربين العالميتين الأولى (1914-1918م) والثانية (1939-1945م) وما شهدته كل منهما من جرائم ومجازر ومآسٍ، فإن الأمر لا يختلف كثيرًا اليوم مع التكهنات بإرهاصات لحرب عالمية ثالثة، وما نستيقظ عليه يوميًّا من أخبار عن هجمات تبدأ فجأة وتنتهي فجأة وصراعات وضحايا هنا وهناك لأسباب تحمل من العبث واللامنطق ما يجعل الطريق لتحقيق أهداف تتعلق بتأكيد القوة وفرض السيطرة ناهيك عن المطامع الاقتصادية والعسكرية وغيرها أكثر عنفًا وإجرامًا ودموية، فقد دفعتني أجواء الحروب الدائرة في العالم من حولنا والتي سبقتها أيضًا المجازر الأليمة في غزة مع تذكري للفيلم مصادفة، لمراجعة المغزى الذي أراد المخرج إيصاله من العمل بالأحرى ما وصلني منه، وفي حين تذكرت الحالة السلبية والشعور بالعجز خلال مشاهدته، تداركت أنها الحال نفسها لنا جميعًا ونحن نشاهد مآسي الحروب وويلاتها وضحاياها، وردود أفعالنا التي إن تصورنا إننا قمنا ببعض ما قد نسكِّن به ضمائرنا، فإنه لا يمثل شيئًا أمام من قُتلوا ومُزِّقوا وجُوِّعوا وشُرِّدوا نتيجة لهذه الصراعات بعبثها وعنفها الجنوني ودمويتها، وكأن روح الإنسان لعبة، وكأن ممارسة العنف ضده أمرًا ممتعًا.
ولكن ألَّا يذكِّرنا بطلا الفيلم المختلان المنحرفان الساديان اللذان أرهبا أسرة بريئة مطمئنة مسالمة في منزلها لم تقترف ما يجعلها تستحق هذه النهاية المأساوية التي انتهت بقتلهم بما يدور حولنا الآن، ما يجعلنا في النهاية نتساءل كثيرًا عن معنى وجدوى قيم مثل الخير والعدالة إذا لم يتحققا على الأرض، فهذا السؤال يتجاوز حدود الفيلم ليصل إلى واقعنا المعاصر، مع ما نتابعه يوميًّا من صور الحروب وأحداثها، ففي البداية تثير فينا هذه المشاهد صدمة وتعاطفًا، لكن مع التكرار، تحولت تدريجيًّا إلى مادة مألوفة فقدت قدرتها على التأثير، وهنا تكمن خطورة الأمر أن نعتاد العنف.
لم يعد العنف، في زمننا الراهن، حدثًا استثنائيًا يقتحم وعينا على نحو مفاجئ، بل تحَّول إلى حدث يومي متكرر ومألوف، نتلقاه عبر الشاشات بمختلف أشكالها. فمن نشرات الأخبار إلى مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل، يجد المتلقي نفسه محاطًا بصور القتل والدمار، فالمتابع لأحداث الحروب المعاصرة يواجه سيلًا متدفقًا متواصلًا من الصور والتقارير التي توثق العنف في أقسى صوره، وربما دون أن ينتبه إلى التحول التدريجي في طريقة استقباله لها، في البداية قد يشعر بالصدمة أو الحزن، لكن مع تكرار التعرض لهذه المشاهد، يتسلل إليه نوع من الاعتياد، فيفقد الحدث حدَّته، ويتراجع تأثيره العاطفي بوصفه مأساة إنسانية تستدعي التفكر والتحرك، وهنا لا يعود العنف حدثًا يهز الضمير أو يحرك ساكنًا، بل يتم التعامل معه بوصفه مادة بصرية مستهلَكة اعتادتها أعيننا.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة غياب التعاطف، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى حالة من تبلد الحس، حيث تتراجع القدرة على الاستجابة الانفعالية بفعل التكرار.
إن الربط بين الفيلم والواقع لا يقوم على تشابه الأحداث، بل تشابه موقع المشاهد/المتفرج، ففي الحالتين نقف أمام العنف موقف المتلقي، نراه ونتابعه لكننا نادرًا ما نتوقف لنسائل أنفسنا عن طبيعة هذه المتابعة وموقفنا مما يحدث.
يكشف لنا “Funny Games” حقيقة مزعجة أننا لسنا دائمًا خارج دائرة العنف كما نظن، بل قد نكون جزءًا من استمراره ولو من خلال المشاهدة الصامتة والتواطؤ السلبي، خاصة مع نهايته التي أوحت بأنه ليس هناك من خلاص، وأننا سندور مرغمين في دائرة مغلقة من العنف لن نجد منها فكاكًا، وهذا ما يعمِّق الإحساس بالعجز، وهو إحساس يوازي ما يشعر به المتلقي عند متابعة الحروب، حيث تبدو الأحداث أكبر من قدرته على الفهم أو الفرار أو التغيير.
وفي النهاية عزيزي القارئ، رغم أنني كتبت هذا المقال خصيصًا عن هذا الفيلم المشكِل الذي إلى الآن لم أحدد موقفي منه بالضبط، إذا كنت ممن لم يشاهدوه بعد فسأترك لك كمتلقٍّ حريه الاختيار، فأنا لا أنصح بمشاهدته ولا أنصح بعدم مشاهدته.

















