تاميران محمود
تقول الأساطير القديمة إن هناك سيدة كسيحة لم يرَها قط إنسان تسير على قدميها، تقضي يومها جالسة على رأس الطريق تستجدي الخبز بوداعة، لكن حين يجن الليل تنبت لها أجنحة ملونة وتطير كفراشة مبهجة. وإن الحظ السعيد والمال الوفير سيكون ملكك في لحظة أن تحط فوق كتفك الأيمن.
ولهذا لم تكُن قط هذه السيدة وحيدة أو منبوذة؛ فكثيرًا ما قدَّم لها الناس الطعام وأحسنوا معاملتها أملًا في أن تتذكر صنيعهم الطيب معها حين تصبح فراشة الحظ، وأن ترد لهم المعروف تمامًا كما فعلت مع السيد ميم الثري الحديث، صاحب معصرة زيت الزيتون ومناحل العسل.
كان السيد ميم رجلًا بسيطًا في يوم ما، أجيرًا لدى شركات التوصيل السريع، يدور طوال يومه على كعبيه لينفذ المطلوب منه لإيصال الطلبات المغلفة بعناية داخل الكرتون، لعله يوفر احتياجاته من البقشيش الذي يتركه له العملاء الذين أفسدتهم حمى الشراء، خصوصًا النساء اللواتي انتبهن إلى جمالهن دون الاعتناء بصحتهن.
لكن السيد ميم وقتها كان يتمنى أن تقوم كل النساء بالشراء والطلب عبر الإنترنت ليل نهار، وأن يستنزفن كل قرش في جيوب أزواجهن، طامعًا في بقشيش أكبر. لا يتمنى الثراء، لكنه يتمنى فقط أن يعيش سعيدًا.
وبين ليلة وصباحها امتلك ثروة عظيمة هبطت عليه من السماء كما يردد، فقرر أن ينميها لتصل إلى عنان السماء ولا يفارق برج الأثرياء بعدها أبدًا. فدارت المعصرة بتروسها المعدنية تعصر الزيتون وبذور الكتان والسمسم وحتى اللوز، ولكل نوع محبيه، ولكل محب ثمن، ولكل ثمن تضحية.
يتمنى كل مَن بالمدينة أن يعرف سر اختيار الفراشة له دون غيره، لكنه لم يقُل سوى كلمة بسيطة؛ إنه في ليلة باردة كان يحمل طردًا عملاقًا ثقيلًا، ووقف بالقرب من سور حديقة الموالح ليلتقط أنفاسه، فحطت الفراشة فوق كتفه الأيمن لثوانٍ، وقبل أن ينتبه إليها كانت ألوان أجنحتها البراقة قد خطفت بصره لتختفي تاركة رأسه تطن ولا يتذكر طريقه.
في الصباح جاءته برقية تخبره بموت عمه السيد ميم راء؛ العم العجوز الذي تزوج سبع مرات لينجب وريثًا يستحق ثروته، لكنه فشل في تحقيق حلمه. لم تكُن البرقية طويلة بما فيه الكفاية ليفهم منها السيد ميم، لكن عمه قد مات. فخرج مسرعًا إلى طريق بيت عمه متمنيًا أن يلحق بالجنازة، فاكتشف أنه مات منذ ثلاثة أيام وأن البرقية لاستلام الثروة، التي شملت المعصرة والمنحل والبيت الكبير وحديقة الموالح الغنّاء، التي لمسته الفراشة عند سورها.
بموت السيد ميم راء العجوز الثري الحريص على تركته، أصبح السيد ميم هو الوريث الشرعي ومن الطبيعي أن تؤول لصالحه الثروة. فما دخل الفراشة بهذا؟
السيد ميم لم يكُن الوريث الوحيد، لكن الجميع يعرف أن الفراشة بدّلَت حظه ليصير الأوحد، بعد أن سجل عمه كل شيء باسم قريبه البسيط، انتقامًا من زوجته العاقر التي تزوجته بالحيلة بعد طلاق زوجته السادسة، طمعًا في أمواله، وكذلك ليحرم أخته المهووسة باقتناء الفساتين والأحذية باهظة الثمن، التي نعتته أكثر من مرة بالبخيل لرفضه إقراضها الأموال الطائلة ليرضي حمى الشراء التي تجتاحها.
إذن السيد ميم هو المتصرف الوحيد الآن، الذي اغتنم الفرصة بذكاء يسمح له بألا يخشى الفقر مرة أخرى دون أن تنزلق نفسه في البخل الذي يدمر لذة حصولك على المال.
يضع السيد ميم بنفسه كل يوم صندوقًا كرتونيًا مغلفًا بعناية أمام السيدة الكسيحة، ثم ينطلق إلى عمله ولا ينظر أبدًا إلى الخلف ليرى ردة فعلها نحو ما ستجده في الصندوق. كان يفرُّ من أمامها شاعرًا بالإحراج لسبب ما في أعماقه. لا يعرف لهذا سببًا، لكنه كان حريصًا على ألا يزعجها أبدًا وألا تفلت منه كلمة تعكر صفوها. وكان فعل السيد ميم يدفع الجميع إلى الاقتداء به، فلم يكُن الوحيد الذي يكسب ود السيدة الكسيحة، بل يتسابق الجميع لنيل رضاها لعلها تتذكرهم في ليلة بالحظ الوفير كما تذكرت السيد ميم فمنحته هذه السعادة.
إذا ما كنت سائرًا في الشارع من ناحية اليمين، فسترى برجًا دائريًا أبيض تجاوزه في اتجاه النهر ثم انحرف يسارًا ستجد المدرسة، أكمل خطواتك حتى ينتهي السور ستجد مخبئًا صغيرًا تجلس عنده الفتاة ضاد بائعة الجرائد والكتب ومجلات الموضة والأزياء وبعض الحلوى الرخيصة.
ورثت ضاد هذه الفرشة المرتجلة عن أبيها، لكنها ورثت الجمال ودلال الصوت الغنج عن أمها؛ فلذلك سترى السيد ميم واقفًا هنا كل صباح ينتقي ما يحبه من الجرائد والمجلات والكلمات لمغازلة الفتاة ضاد، التي تقول له بغمزة موحية “لا فارق بيني وبين بنات المدارس سوى هذا السور”.
يشعر ميم أن كلماتها توحي بسوء الحظ، ويخاف أن يتعلق قلبه بها فتصيبه بسوء الحظ الذي نجا منه بأعجوبة بموت عمه البخيل، لكن الفتاة ضاد جميلة ذات بشرة حنطية صافية مشدودة البشرة مستديرة الأرداف ضيقة الخصر ملتفة الساقين، ذات ثديين مثيرين للخيال يتقدمان خطواتها المتهادية.
تمنى السيد ميم في قرارة نفسه أن يقترب من الفتاة ضاد فتسمح له ولو مرة بأن يتجول بإصبعه فوق خارطة جسدها الشهي الساخن، مقبّلًا عنقها الطويل ولو لمرة، لكن خجله الفطري كان يلازمه منذ صباه ربما لأنه نشأ فقيرًا فكان يخشى لؤم النساء. أما الآن، فقد تغير حاله، فلماذا لا يحلم بالقرب الدافئ بفتاة شهية مثلها؟
يسوق لنفسه الحجج التي تدفعه للتخلي عن حذره، لكن سرعان ما يطلُّ القلق في رأسه وينبهه أن ما جاءه يجب الحفاظ عليه وإلا ضاع كما جاء.
يكاد النوم ألا يزور السيد ميم إلا كضيف تنقصه المودة، فيقضي لياليه بين العمل والقراءة واشتهاء ضاد، فإما تسكنه السعادة لذكراها وإما يزيده القلق همًا فيغوص في عمله بحثًا عن مقر آمن من ضاد المثيرة الدلال.
يقول الخادم سين إن السيد ميم يتحدث أثناء نومه، وأن صوت الهمهمة والكلمات المختلطة يقلقه من نومه في أحيان كثيرة، وحين يستيقظ السيد ميم لا يتذكر أي شيء لكن الخادم سين يتذكر جيدًا؛ فسمعه مرات ينادي ضاد، ومرات يوبخ المحاسب دال، وأحيانًا يغني للفراشة ذات أجنحة الحظ البراقة.
أما ضاد، فكان بيتها يبدو موحشًا، كلحت ألوان الجدران والأثاث، تعيش فيه بلا أنيس، ويتملك قلبها الحسد لأصوات الجيران وأبنائهم. تسمع ضجيج العراك، وزحزحة الأثاث، وتأوهات السعادة والرضا، بينما هي تجلس صامتة وحيدة تأكل الجبن وحبات الزيتون أو لا تأكل مستشعرة النفخة وضيق النفس.
بالرغم من المرح الذي يكسو ملامح ضاد كل صباح، فإن لها قلبًا كسيرًا يتمنى الوصول إلى السعادة التي لا تراها إلا في حياة الآخرين، فمنذ موت أمها تعيش وحيدة تفتقد السنوات البعيدة التي كانت تجلس فيها فوق الكرسي الصغير بين فخذي أمها لتجدل لها شعرها، وتحكي لها قصص الجدات، لكنك الآن صرتِ شابة يا ضاد وعليكِ أن تعتني بنفسك وبحياتك جيدًا.
تقرأ ضاد الكتب لتقتل فراغها، وتحب أن تُظهِر شغفها أمام الرائح والغادي جزءًا من موهبتها في جذب الأنظار اللطيفة، وتتمنى يومًا ما أن تختارها فراشة الحظ لعلها تصبح ذات شأن أو تنال الأموال التي تسعدها.
لكن الفراشة كما اختارت السيد ميم من قبل فقد حطت على الكتف الأيمن للسيدة عين صاحبة محل الحلويات، الذي تفوح منه رائحة الزبد وكريمة السكر كل صباح، والوحيدة التي تبيع مخبوز الفراولة والعسل، وانتشر الخبر بسرعة هائلة فلم تكَد السيدة عين تغلق محلها عند أول الليل حتى فاجأتها الفراشة بلمسة ساحرة براقة سقطت بعدها عين مغشيًا عليها، وحين أفاقت كانت ورقة اليناصيب التي اشترتها منذ ساعة قد أُعلِن فوزها بالجائزة المالية الكبرى. واحتفلت السيدة عين احتفالًا كبيرًا تحدثت عنه الصحف في اليوم التالي، حتى السيدة الكسيحة قد حصلت في الصباح على كمية كبيرة من الزبد ومخبوز الفراولة والعسل والشكولاتة بالبندق، وكوب من الحليب الطازج الساخن.
بالرغم من أن ضاد تناولت فطورها المعتاد في بيتها، فإن السيدة عين لم تنسَ أن تغدق عليها بالحلويات والمخبوزات الطازجة الشهية، لكن طعم العسل كان مالحًا في فمها، تستشعر بداخلها مرارة أن يفوز الأغنياء في كل مرة بمنح الفراشة السخية بينما يظلُّ حالها كما هو في فقر وعوز واضحين، لكنها أكلت على أية حال.
حين انتهى السيد ميم من عمله في تمام السادسة اتجه كالعادة إلى مطعم أعيان الربيع، الذي يتناول فيه الغداء حين يغيب الخادم سين عن العمل. يشعر السيد ميم بالارتياح عمومًا لغياب خادمه الذي لا يكف عن مراقبة كل صغيرة وكبيرة تشعر مخدومه بالضيق والحصار، فيستمتع بأن يأكل ما يشاء ويرتدي ما يريحه في غياب سين.
ربما أن غياب سين وشعور الارتياح الذي تملك السيد ميم دفعاه إلى الرغبة الحقيقية في أن يحتفل احتفالًا صغيرًا، لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك! وبينما هو غارق في التفكير تذكر أنه يمكن أن يفعل ذلك في المطعم نفسه، لكن من المدعوين لهذا الحفل المرتجل. مر النادل من أمامه وسأله إن كان يرغب في المزيد من الطعام، غير أن السيد ميم رفع رأسه ببطء وشكره ودفع الحساب وخرج وحيدًا إلى شوارع المدينة، التي بدأ الظلام يغلفها بتلك الألوان الحانية، التي تبدِّل أرواح البشر من قسوة اليوم إلى وداعة الليل وحنو أسراره المرحة.
توقف السيد ميم فوق الجسر يراقب الشمس التي اختفت تمامًا فوق النهر الهادئ، ويختلس النظرات نحو العشاق المنتشرين بطول الجسر والمراكب التي تقطع النهر بأضوائها المتراقصة. لسبب ما شعر السيد ميم بالسعادة لكل هذا؛ شعور لطيف جعله يبتسم لكل مَن يمر إلى جواره حتى غشيته كآبة الوحدة، فقام من مكانه ليتجه إلى البيت الواسع لينام وحيدًا.
عند خيوط النور الأولى من اليوم التالي خرجت ضاد إلى مكانها بجانب سور المدرسة لتجد السيد ميم واقفًا ينتظر قدومها، وما إن رآها حتى طلب منها الزواج. للحظة الأولى ظنت ضاد أنه يمزح لكنه أصر أن يتزوجا، وأن يدعوا كل مَن يعرفهما إلى الحفل في المساء.
لم تفكر ضاد كثيرًا، أو لم تفكر على الإطلاق، وافقت وانطلقت في يده إلى البيت الكبير الذي طالما حلمت بدخوله ولو لمرة.
انتشر الخبر بسرعة ليدور بين معارف السيد ميم وضاد عروسته الشابة الجميلة، ليفتح البيت أبوابه في المساء أمام المدعوين الأغنياء منهم والفقراء، وغمرت الأنوار والأزهار المكان، ودارت الأحاديث المبهجة احتفالًا بهذا الزواج.
لم يدعُ أحد الفراشة إلى الحفل لكنها حضرت بحركتها الديناميكية وحطت فوق كتف العروس الأيسر قبل أن تقطع كعكة العرس المزينة بالورود.. وحين سقطت ضاد مغشيًا عليها، خيّم الصمت على الجميع لثوانٍ، ليكتشفوا ذاهلين وفاة العروس الشابة تحت قدميّ عريسها.
انفض العرس وانطفأت أنواره ليسقط البيت وصاحبه في الصمت والوحدة الموحشة من جديد.
…………….
*من مجموعة “مدن صريحة” .. صدرت عن بيت الحكمة 2026














