أحمد والي: الإبداع نسيمُه الحرية.. والوسط الثقافي تُشوهه الشللية والرقابة

أحمد والي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاوره: صبري الموجي

امتطي صهوةَ جواده المُطهّم بحُلل السبك والبيان، وانطلق في فيافي الشعر، ورياض القصة وبساتين الرواية الغناء، يبحث عن ضمانة الخلود والبقاء. كبحَ جماح القوافي النُّفر، وأخرج للمكتبة مجموعات قصصية وروايات جادة، انبهر بها القراء، وأشاد بها النقاد! اعتبره البعضُ زهرة يانعة، نبتت في مكان قصيّ بعيدٍ عن مُستنقعات الفساد الثقافي الغارق في الشللية والمجاملات الرخيصة. استخدم مِشرطه الطبي في تشريح النفس الإنسانية، فأظهر في قصصه ورواياته مشكلاتها، ولفتَ الأنظار إلي آلامها وآمالها، فاتسمت كتاباته بالواقعية، واتخذ من القرية مصدرا لمُنجزه السردي، الذي صدّره بمجموعتين قصصيتين: (ثلاث شمعات للنهر، والمتنصتون)، وبروايتين جادتين: (حكايات شارع البحر، وديار الآخرة). مع الروائي الطبيب أحمد وإلي يدور هذا الحوار.

تتجاور الأجناس الأدبية إلا أن هناك مؤطرين يضعون بينها حواجز ويروجون أن لكل عصر جنسه الأدبي بدءا بالشعر الذي ظل لسنوات ديوان العرب مرورا بالقصة والرواية اللتين سحبتا البساط من تحت أقدام الشعر.. مدي تأييد الراوي لهذا التأطير؟

لكل حال لبوسها، والفن الذي يُعبر عنها، والشعر يلائم البيئة البدوية، والإقطاعية لأنها تعتمدُ على الحفظ والتلقين لتسجيل تاريخها ومأثورها، ولكن عندما ظهرت الرأسمالية، وانتشرت الصناعة والتجارة كانت الحاجة ماسة للرواية، التي تمتلك ناصية التعبير عن المشاكل المُعقّدة والكبيرة التي تتصف بها هذه المرحلة، ثم جاءت السينما التي جمعت كل الفنون، لكنك لن تجد عملا سينمائيا عظيما إلا وكان مأخوذا عن قصة أو رواية.

ساعد رواجُ الصحافة الثقافية الإلكترونية في انتشار الأجناس الأدبية بعد كسر أغلال الاحتكار التي حجبت البعض عن الكتاب المطبوع.. فهل تري “الميديا” ظاهرة صحية لذيوع الأدب أم أنها جرَّأت من ليسوا بمبدعين ليتسوَّروا محراب الإبداع؟

مازلتُ أذكرُ فى رواية “أديب” لطه حسين أن والد البطل؛ ولأن زوجته أمية أخذ إصبعها، ووضعه على صفحة الجريدة فوق اسم ابنها الذي كتب عن بعثته لفرنسا، إذ كان الكلام المطبوع يحظى بقداسة، ولأن الصحف ودُور النشر لا يستطيع أن يكسبَ ثقتها فى غالب الأحيان إلا من كانت له قدرة على الكتابة، أما بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية، فقد ظن كلَّ من يملك تحريك أصابعه على شاشة الكمبيوتر، أو المحمول أنه كاتب، وهكذا انتشر الغث وضاع السمين، وأصبح الإيقاع سريعا، فلم يعد هناك مكانٌ للكتابة الجادة إلا من رحم ربى.

أشاع بعضُ النقاد أن الإبداع يُعاني قهرَ الحبس خلف أسوار المحلية ويتطلع لتراجم جادة تُعيد طرحه علي الآخر.. مدي تأييدك ورفضك لهذه المقولة؟

طبعا الترجمة من وإلي الآخر هي التي تنقل الإبداع إلى أطراف الدنيا الأربعة، فهل كنا بدون الترجمة نستمتع بكتابة كاواباتا وتانيزاكى فى اليابان، وماركيز وماشادو ده أسيس فى أمريكا اللاتينية، وهل كان العالم سيعرف شيئا عن العرب لولا ترجمة ألف ليلة وليلة وغيرها؟!

في سكك تغيّ الروائي أحمد والي النضج الأدبي ولجَ عالم الشعر وسرعان ما تحول عنه للقصة والرواية.. فهل وجدتَ في هذين الجنسين كنزك المفقود؟

ليس هناك من البشر من لم يحاول قول الشعر وهو فى سن المراهقة، فما إن يلج مرحلة البلوغ حتى يشعر بحاجة ماسة إلى التعبير عن المتغير الفسيولوجى الذى يعترى بدنه وروحه وأول التوق للجنس الآخر، وليس هناك أرقى من الشعر للتعبير عن حاله، وحالة التوق هذه، حتى إذا بدأ يخطو نحو النضج وانتبه لمشاكل الحياة، أدرك أن ثوب الشعر يضيق عن تعبيره فمن هنا يلجا للقصة القصيرة التى يغدو ثوبها ضيقا هو الآخر فيكون الاتجاه للثوب الفضفاض الذي يسع الدنيا كلها ألا وهو الرواية.

“الحصاد” إحدى قصص مجموعتك الأولي التي تنبأ قراؤها بميلاد يوسف إدريس جديد.. نود معرفة عالم هذه القصة وسبب الربط بينك وبين الأديب الكبير يوسف إدريس؟

الحصاد واحدة من قصص مجموعتي الأولى “ثلاث شمعات للنهر” وهى تتحدث عن أجواء الريف المصري بشخوصه وأيامه ولياليه، وعلاقات الناس بعضهم ببعض، وأوجاعهم وأفراحهم القليلة، وكذا أحلامهم للغد الأفضل لهم ولأبنائهم من بعدهم. ويعود الربط بيني وبين الأديب الكبير يوسف إدريس لاتسام كتاباتي بالواقعية، ولاشتراكنا في مسقط الرأس بمحافظة الشرقية، ومهنة الطب كذلك.

توالت بعد ذلك أعمالك القصصية والروائية التي تُعبّر عن مشاكل المجتمع.. فهل تعتبر الرواية والقصة أقدر ألوان الأدب تعبيرا عن مشاكل الناس؟

طبعا بلا شك القصة والرواية هما اللتان تُعبران عن مشاكل المجتمع، وانظر إلى السينما فلن تجد عملا من الأعمال الجيدة والعظيمة إلا وكان مأخوذا عن الرواية.

“ثلاث شمعات للنهر” مجموعة قصصية طبعتها علي حسابك الخاص فخسرتَ المال وكسبت نفسك – كما قلت – فأي مكسب تقصد؟

كسبت أن أُثَبّت أقدامى في عالم الكتابة وألا أنهزم أمام شللية النشر والنقد، التي واكبتْ حركة النكوص والتراجع عن فترة الستينيات، والتى شهدت انحيازا للأدب الجاد.

“كائنات فائضة عن الحاجة ” مجموعة قصصية رُشحتْ للنشر بهيئة قصور الثقافة ولكنه كان سرابا بقيعة فلم تر النور عبر هذه الجهة.. سبب منع نشرها؟

كان المشرفُ على سلسلة أصوات أدبية المرحوم محمد البساطى، وقد جاء ذكره فى جلسة ثقافية بالقاهرة عندما سُئلتُ: ما رأيك فى كتاباته الأخيرة، فقلت إننى لم أعجب إلا بقصة أو قصتين من مجموعته الأولى “الكبار والصغار” أما باقى أعماله فإنها باهتة ينقصها الدفء الإنسانى، فوصله نقدى ومنع كتابي، فقمت بكتابة شكوى للدكتور محمد الرزاز رئيس الهيئة، فقام بتشكيل لجنة كان بها المرحوم إبراهيم فتحى، وأجاز العمل فوضع البساطى استقالته أمام صدور الكتاب، فلما نشرتُ “المتنصتون” ومعها “كائنات فائضة عن الحاجة” بدار رياض الريس ببيروت قابلته وهو لا يعرفني فى معرض الكتاب، فقلت له إننى لست كاتبا بأمارة أن رياض الريس نشر لي، وأثناء زيارتي لبيروت لتوقيع العقد أطلعنى رياض الريس على بعض خطابات كبار الكتاب المصريين وقتها، ورأيت كمّ التسوَل والتزلف، لكنه كان يرفض النشر لهم؛ لأنه منحازٌ للكتابة الحقيقية، التي يقتنع بها كصاحب ذائقة قبل أن يكون صاحب دار نشر بصرف النظر عن الشهرة أو ذيوع الصيت.

هذا يقودنا للسؤال.. أتري الرقابة عائقا أمام الإبداع؟

الرقابة ليست عائقا أمام الإبداع، بل إنها تقتله إذ كيف تكتب وفوق رأسك رقيب يطل بعينيه بين السطور وفى الكلمات ليُحكم لف الحبل على عنقك بعد أن يحصى المخالف لما يعتقد هو أنه خروج على القانون والسلطان، الإبداع نسيمه الحرية والبلبل لا ينسل في قفص.

استخدمتَ في أعمالك مثل “المتنصتون” ألفاظا حوشية وفضّلت لغة الشارع.. فهل تري الفصحى عاجزة عن التعبير؟

فى تصديري لرواية “المتنصتون” دافعتُ عن العامية لأنها لو لم تكن لنا بها حاجة ما اخترعها الناس، وقد اعترض البعضُ قائلا إن في الفصحى غناء عنها فكانت إجابتى: أنا أتحدث عن زوجة عربجى تتأوه لزوجها أثناء العلاقة السريرية، فهل تتحدث بالفصحى؟

لقد أردت أن أشرك القارئ ليستحضر تلك الصورة بلغة مَنْ قالتها وذلك ما دفعني لاستخدام ألفاظا حوشية هي لغة هؤلاء الناس، ولو قمت بتفصيح عبارتها أو استبعدت اللفظ الحوشى، لكنت أتحدّث عن خريجة دار علوم وليس زوجة عربجى كارَو.

اقتفيت أثر يحيي حقي في التضفير بين العامية والفصحى وهو ما اعتبره البعضُ تعديا علي صولجان الفصحى.. موقف الراوي من هذا الاتهام؟

موضوع العامية والفصحى قُتل بحثا وأنا أمينٌ لما تتحدث به شخصيات أعمالي، وأكتبُ ما يقولون وعندما يتحدث الراوي يكتب بلغة فصحى سلسة لا تشوبها شائبة فليس هناك تعد على صولجان اللغة بل انتصارٌ لها، وحقا ما قاله عميدُ الأدب العربي طه حسين: لغتنا العربية يسر لا عسر ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها، ولنا الحق أن نضيف إليها أو نستبعد منها وربما كان الأديب يحيى حقي صاحب فضل في موضوع استخراج العامية التي لها أصل فصيح فسرت على خطاه حتى إن البعض يرى أنني من أحسن من قام بهذا التضفير.

جعلت القرية مركز انطلاق تجربتك السردية ولم تستجب لإغراءات (النداهة) القاهرة.. فهل كنت مُحقا أم لو عاد بك الزمن كنت ستتجه وجهة أخري؟

 بلدي “ههيا” ليست قرية ولا مدينة رغم أنها من أعرق البلاد، ويبدو من اسمها الفرعوني، والذي قيل إنه اسم إله كان يُعبَد في هذه المنطقة تحت اسم “هيهو” إلا أنها تجمع كل خصال وخصائص القرى وبعض خصال وخصائص المدينة، ولقد آثرت ألا أكتب إلا عما أعرف من الناس والبيئة المحيطة فهى المنجم الذي أستخلص منه كنوزي، وبالنسبة للقاهرة فقد كنتُ أتابع الحركة الثقافية من خلال زيارات أسبوعية للمرحوم الشاعر محمد كشيك والمرحوم يوسف أبو رية، ولقد أدركتُ باكرا أن الوسط مسموم والقاعدة (شيّلني وأشيلك) واكتب عنى لكي أكتب عنك أو أستضيفك في برنامج على الشاشة الصغيرة وأنا لا أملك إلا كتابتي واحترامي لذاتي.

تؤثر خمول الذكر وتبعد عن الأضواء رغم أن النقد والمشاركة في الفعاليات الثقافية هما مطيةُ المبدع في طريق الشهرة؟

ليس هناك إنسان يؤثر خمول الذكر فما بالك بالكاتب.

إن جزءا رئيسيا من نشاط الإنسان هو السعي لخلود الذكر، وما النقوش والرسوم في الكهوف، التي نقشها وكتبها الإنسان في عصوره الأولى إلا محاولة للخلود، ومقاومة الموت الذي هو الفناء، كذلك ليس هناك من يحرص على البعد عن الأضواء، لكنك عندما تجد أن السعي للشهرة والأضواء سيجعلك تتنازل عن أهم شيء يتميز به الكاتب الحقيقي وهو الحفاظ على الكرامة وعدم تسوَل الظهور الذي يخصم من الرصيد الإبداعي، ناهيك عن إضاعة الكثير من الوقت، الذى هو أولى به لكتابة نص جديد.

أما النقد الجاد فهو الذي يسعى للمبدع الحقيقي، وأنا على قلة من تابعني، فالحمد لله قد التفتَ لكتابتى نقادٌ بحجم فاروق عبد القادر في مقال ضاف بعنوان ” فى الأدب المصري الجديد.. أحمد والى الكتابة على اتساع الصفحة” قال فيه إنه لا يُسامح نفسه لأنه لم يعرف ذلك الكاتب لأن المستنقعات لا تُنبت إلا النباتات السامة والمتسلقة، مشيرا بذلك لفساد الوسط النقدي الذي أصاب الحياة الثقافية، كذلك بلال فضل الذي قال – رغم كبرياء الناقد – إنه سعى للتعرف إلى أحمد والى، وغاظه أن الذي عرَّفه بي رياض الريس وهو مراسل مجلة النقاد والمفترض أنه يعرف دبة النملة في الوسط الثقافي، وأنه عرف سر انحسار الأضواء عنى، وذلك بسبب عملي كطبيب أنف وأذن فى بلدي “ههيا” وبدأ مقاله بعبارة.. “يا أهلا بالكتابة الرائعة”.

 

مقالات من نفس القسم